من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار أبي العبر ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو أبو العباس محمد بن أحمد، ويلقب حمدونا الحامض بن عبد اللّه بن عبد الصمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب وكان صالح الشعر مطبوعا يقول الشعر المستوي في أول عمره منذ أيام الأمين وهو غلام، إلى أن ولي المتوكل الخلافة، فترك الجدّ، وعاد إلى الحمق والشهرة به، وقد نيّف على الخمسين، ورأى أن شعره مع توسطه لا ينفق مع مشاهدته أبا تمام الطائيّ والبحتريّ وأبا السمط بن أبي حفصة ونظراءهم.
حدّثني عم أبي عبد العزيز بن أحمد، قال: سمعت حمدون الحامض يذكر أنه ابنه أبا العبر ولد بعد خمس سنين خلت من خلافة الرشيد، قال: وعمّر إلى خلافة المتوكل، وكسب بالحمق أضعاف ما كسبه كلّ شاعر كان في عصره بالجدّ، ونفق نفاقا عظيما، وكسب في أيام المتوكّل مالا جليلا، وله فيه أشعار حميدة، يمدحه بها، ويصف قصره وبرج الحمام والبركة كثيرة المحالّ، مفرطة السقوط، لا معنى لذكرها، سيما وقد شهرت في الناس.
فحدّثني محمد بن أبي الأزهر، قال: حدّثني الزبير بن بكّار، قال: قال لي عمي: ويحك! ألا يأنف الخليفة لابن عمه هذا الجاهل مما قد شهّر به نفسه وفضح عشيرته! واللّه إنه لعرّ بني آدم جميعا، فضلا عن أهله والأدنين! أفلا يردعه ويمنعه من سوء اختياره! فقلت: إنه ليس بجاهل كما تعتقد، وإنما يتجاهل، وإن له لأدبا صالحا وشعرا طيّبا، ثم أنشدته:
لا أقول اللّه يظلمنيكيف أشكو غير متّهم!
وإذا ما الدّهر ضعضعنيلم تجدني كافر النّعم
قنعت نفسي بما رزقتوتناهت في العلا هممي
ليس لي مال سوى كرميوبه أمني من العدم
فقال لي: ويحك! فلم لا يلزم هذا وشبهه؟ فقلت له: واللّه يا عم لو رأيت ما يصل إليه بهذه الحماقات لعذرته، فإن ما استملحت له لم ينفق به، فقال عمي - وقد غضب - أنا لا أعذره في هذا ولو حاز به الدّنيا بأسرها، لا عذرني اللّه إن عذرته إذن!
وحدّثني مدرك بن محمد الشيباني، قال: حدّثني أبو العنبس الصيمري، قال: قلت لأبي العبر ونحن في دار المتوكل: ويحك! أيش يحملك على هذا السّخف الذي قد ملأت به الأرض خطبا وشعرا وأنت أديب ظريف مليح الشعر؟ فقال لي: يا كشخان، أتريد أن أكسد أنا وتنفق أنت؟ أنت أيضا شاعر فهم متكلّم فلم تركت العلم، وصنعت في الرقاعة نيّفا وثلاثين كتابا، أحبّ أن تخبرني لو نفق العقل أكنت تقدّم عليّ البحتري، وقد قال في الخليفة بالأمس:
عن أي ثغر تبتسموبأيّ طرف تحتكم
فلما خرجت أنت عليه وقلت:
في أي سلح ترتطموبأي كف تلتطم
أدخلت رأسك في الرّحموعلمت أنك تنهزم
فأعطيت الجائزة وحرم، وقرّبت وأبعد، في حر أمّك وحر أمّ كل عاقل معك! فتركته، وانصرفت.
قال مدرك: ثم قال لي أبو العنبس: قد بلغني أنك تقول الشعر، فإن قدرت أن تقوله جيّدا، جيّدا؟ وإلا فليكن باردا، باردا، مثل شعر أبي العبر وإياك والفاتر فإنه صفع كلّه.
حدّثني جعفر بن قدامة، قال: حدّثني أبو العيناء، قال: أنشدت أبا العبر:
ما الحبّ إلا قبلةأو غمز كفّ وعضد
أو كتب فيها رقىأنفذ من نفث العقد
من لم يكن ذا حبّهفإنما يبغي الولد
ما الحبّ إلا هكذاإن نكح الحبّ فسد
فقال لي: كذب المأبون: وأكل من خراي رطلين وربعا بالميزان، فقد أخطأ وأساء، ألا قال كما قلت:
باض الحبّ في قلبيفوا ويلي إذا فرّخ
وما ينفعني حبّيإذا لم أكنس البربخ
وإن لم يطرح الأصلع خرجيه على المطبخ
ثم قال: كيف ترى؟ قلت: عجبا من العجب، قال: ظننت أنك تقول: لا، فأبلّ يدي وأرفعها. ثم سكت، فبادرت، وانصرفت خوفا من شرّه.
حدّثني عبد العزيز بن أحمد عم أبي، قال: كان أبو العبر يجلس بسرّ من رأى في مجلس يجتمع عليه فيه المجّان يكتبون عنه، فكان يجلس على سلّم وبين يديه بلّاعة فيها ماء وحمأة، وقد سدّ مجراها، وبين يديه قصبة طويلة، وعلى رأسه خفّ، وفي رجليه قلنسيتان، ومستمليه في جوف بئر، وحوله ثلاثة نفر يدقّون بالهواوين، حتى تكثر الجلبة، ويقلّ السماع، ويصيح مستمليه من جوف البئر من يكتب، عذّبك اللّه، ثم يملي عليهم، فإن ضحك أحد ممن حضر قاموا فصبّوا على رأسه من ماء البلّاعة إن كان وضيعا، وإن كان ذا مروءة رشّش عليه بالقصبة من مائها، ثم يحبس في الكنيف إلى أن ينفضّ المجلس، ولا يخرج منه حتى يغرم درهمين. قال: وكانت كنيته أبا العباس، فصيرها أبا العبر، ثم كان يزيد فيها في كل سنة حرفا، حتى مات، وهي أبو العبر طرد طيل طليري بك بك بك.
حدّثني جحظة، قال: رأيت أبا العبر بسرّ من رأى، وكان أبوه شيخا صالحا، وكان لا يكلّمه، فقال له بعض إخوانه: لم هجرت ابنك؟ قال: فضحني - كما تعلمون - بما يفعله بنفسه، ثم لا يرضى بذلك، حتى يهجّنني ويؤذيني، ويضحك الناس مني، فقالوا له: وأيّ شيء من ذاك؟ وبماذا هجّنك؟ قال: اجتاز عليّ منذ أيام ومعه سلّم، فقلت له: ولأيّ شيء هذا معك؟ فقال: لا أقول لك، فأخجلني، وأضحك بي كل من كان عندي، فلما أن كان بعد أيام اجتاز بي ومعه سمكة، فقلت له: إيش تعمل بهذه؟ فقال: أنيكها، فحلفت لا أكلمه أبدا.
أخبرني عم أبي عبد العزيز، قال: سمعت رجلا سأل أبا العبر عن هذه المحالات التي لا يتكلّم بها: أيّ شيء أصلها؟ قال: أبكّر، فأجلس على الجسر، ومعي دواة ودرج، فأكتب كلّ شيء أسمعه من كلام الذاهب والجائي والملّاحين والمكارين، حتى أملأ الدّرج من الوجهين، ثم أقطعه عرضا وطولا وألصقه مخالفا، فيجيء منه كلام ليس في الدنيا أحمق منه.
أخبرني عمي، قال: رأيت أبا العبر واقفا على بعض آجام سرّ من رأى، وبيده اليسرى قوس جلاهق، وعلى يده اليمنى باشق، وعلى رأسه قطعة رئة في حبل مشدود بأنشوطة، وهو عريان، في أبره شعر مفتول مشدود
فيه شصّ قد ألقاه في الماء للسّمك، وعلى شفته دوشاب ملطّخ، فقلت له: خرب بيتك، أيش هذا العمل؟
فقال: أصطاد يا كشخان يا أحمق بجميع جوارحي، إذا مرّ بي طائر رميته عن القوس، وإن سقط قريبا مني أرسلت إليه الباشق، والرئة التي على رأسي يجيء الحدأ ليأخذها فيقع في الوهق والدّوشاب أصطاد به الذّباب، وأجعله في الشصّ، فيطلبه السمك، ويقع فيه، والشصّ في أيري، فإذا مرّت به السمكة أحسست بها، فأخرجتها.
قال: وكان المتوكل يرمي به في المنجنيق إلى الماء، وعليه قميص حرير، فإذا علا في الهواء صاح: الطريق الطريق، ثم يقع في الماء، فتخرجه السّبّاح، قال: وكان المتوكل يجلسه على الزّلّاقة، فينحدر فيها، حتى يقع في البركة، ثم يطرح الشبكة، فيخرجه كما يخرج السمك، ففي ذلك يقول في بعض حماقاته:
ويأمر بي الملكفيطرحني في البرك
ويصطادني بالشّبككأني من السّمك
ويضحك كك كك كككككك كك ككك كك ككك
وحدّثني جعفر بن قدامة، قال: قدم أبو العبر بغداد في أيام المستعين، وجلس للناس، فبعث إسحاق بن إبراهيم، فأخذه، وحبسه، فصاح في الحبس، لي نصيحة، فأخرج، ودعا به إسحاق، فقال: هات نصيحتك، قال: على أن تؤمّنني؟ قال: نعم، قال: الكشكية - أصلحك اللّه - لا تطيب إلا بالكشك، فضحك إسحاق وقال: هو - فيما أرى - مجنون، فقال: لا، هو امتخط حوت، قال: أيش هو امتخط حوت؟ ففهم ما قاله، وتبسم ثم قال: أظنّ أنّي فيك مأثوم، قال: لا، ولكنك في ماء بصل، فقال: أخرجوه عني إلى لعنة اللّه، ولا يقيم ببغداد، فأردّه إلى الحبس، فعاد إلى سرّ من رأى.
وله أشعار ملاح في الجدّ، منها ما أنشدنيه الأحفش له يخاطب غلاما أمرد:
أيها الأمرد المولّع بالهجر أفق ما كذا سبيل الرشاد
فكأنّي بحسن وجهك قدألبس في عارضيك ثوب حداد
وكأنّي بعاشقيك وقد بدّلت فيهم من خلطة ببعاد
حين تنبو العيون عنك كماينقبض السّمع عن حديث معاد
فاغتنم قبل أن تصير إلى كان وتضحي في جملة الأضداد
وأنشدني محمد بن داود بن الجرّاح له، وفيه رمل طنبوري محدث أظنّه لجحظة.
صوت
داء دفين وهوى باديأظلم فجازيك بمرصاد
يا واحد الأمة في حسنهأشمت بي صدّك حسّادي
قد كدت مما نال منّي الهوىأخفى على أعين عوّادي
عبدك يحيي موته قبلةتجعلها خاتمة الزّاد
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني أحمد بن عليّ الأنباري: قال: كنا يوما في مجلس يزيد بن محمد المهلّبي بسرّ من رأى، فجرى ذكر أبي العبر، فجعلوا يذكرون حماقاته وسقوطه، فقلت ليزيد: كيف كان عندك، فقد رأيته؟ فقال: ما كان إلّا أديبا فاضلا، ولكنه رأى الحماقة أنفق وأنفع له، فتحامق.
فقلت له: أنشدك أبياتا له أنشدنيها، فانظر لو أراد دعبل - فإنه أهجى أهل زماننا - أن يقول في معناها ما قدر على أن يزيد على ما قال، قال: أنشدنيها، فأنشدته قوله:
رأيت من العجائب قاضيينهما أحدوثة في الخافقين
هما اقتسما العمي نصفين فذّاكما اقتسما قضاء الجانبين
هما فأل الزمان بهلك يحيىإذا افتتح القضاء بأعورين
وتحسب منهما من هزّ رأسالينظر في مواريث ودين
كأنك قد جعلت عليه دنّافتحت بزاله من فرد عين
فجعل يضحك من قوله، ويعجب منه، ثم كتب الأبيات.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا محمد بن مهرويه: قال: حدّثني ابن أبي أحمد، قال: قال لي أبو العبر: إذا حدّثك إنسان بحديث لا تشتهي أن تسمعه فاشتغل عنه بنتف إبطك، حتى يكون هو في عمل وأنت في عمل.
وقال محمد بن داود: حدّثني أبو عبد اللّه الدوادي، قال: كان أبو العبر شديد البغض لعليّ بن أبي طالب - صلوات اللّه عليه - وله في العلويين هجاء قبيح، وكان سبب ميتته أنه خرج إلى الكوفة ليرمي بالبندق مع الرماة من أهلها في آجامهم، فسمعه بعض الكوفيين يقول في علي - صلوات اللّه عليه - قولا قبيحا استحل به دمه، فقتله في بعض الآجام، وغرّقه فيها.
صوت
لقد طال عهدي بالإمام محمدوما كنت أخشى أن يطول به عهدي
فأصبحت ذا بعد وداري قريبةفواعجبا من قرب داري ومن بعدي!
فيا ليت أنّ العيد لي عاد مرّةفإني رأيت العيد وجهك لي يبدي
أيتك في برد النبيّ محمدكبدر الدّحى بين العمامة والبرد
الشعر لمروان بن أبي حفصة الأصغر، والغناء لبنان خفيف رمل بالبنصر.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع