تجاوز إلى المحتوى

من «أشعار النساء» للمرزباني (ت ٣٨٤هـ)

أخبار ليلى مع الحجَّاج بن يوسف وذلك في آخر عمرها

حدثني أبو عبد الله الحكيمي. قال: حدثني يحيى بن يموت بن المزرع قال: حدثنا رفيع بن سلمة. قال: حدثني أبو عبيدة، قال: دخلت ليلى الأخيلية على الحجاج فأنشدته:

فنعم فتى الدنيا لئنْ كانَ فاجراًوفوق الفتى إن كان ليسَ بفاجرِ
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
فتىً هو أحيا من فتاةٍ حييّةوأشجعُ من ليْثٍ بخفانَ خادرِ
فتىً فيه فتيانيَّةٌ أريحيَّةٌبقيَّة أعرابيَّةٍ من مُهاجر
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

فقال فتى من جلساء الحجاج: والله أيها الأمير ما كان في توبة عشير ما تقول ليلى.

فقالت ليلى: والله أيها الأمير لو رأى ذلك توبة لتمنى أن لا تبقى في داره بكر إلا حملت منه.

وأخبرني عبد الله بن يحيى قال: حدثني محمد بن جعفر، قال: حدثنا ابن أبي سعد، قال: حدثني أبي الحسن الموصلي عن سلمه بن أيوب بن مسلمة الهمذاني فقال: كان جدي عند الحجاج فذكر أن امرأة قد دخلت عليه فسلمت فرد عليها، وقال: من أنت؟ قالت: أنا ليلى. قال: صاحبة توبة بن حمير؟ قالت: نعم. قال: فماذا قلت فيه لله أبوك؟ قالت: قلت:

فإنْ تكنِ القتلى بواءً فإنَّكمفتىً ما قتلتُم آل عوفِ بن عامرِ
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

وذكر منها أبياتاً فقال لها أسماء بن خارجة الفزاري: أيتها المرأة إنك لتصغين لهذا الرجل بشيء ما تعرفه به العرب. قال: فقالت: أيها الرجل: هل رأيت توبة؟ قال: لا. قالت: أصلح الله الأمير، فوالله لو رأى توبة فود أن كل عاتق في بيته حامل من توبة. قال: فكأنما فقئ في وجه أسماء حب الرمان. فقال له الحجاج: وما كان لك ولها.

حدثني محمد بن أحمد الكاتب، قال حدثنا أحمد بن يحيى النحوي عن عبد الله بن أحمد المكي عن عبد الله بن مشهور، قال: دخلت ليلى الأخيلية على الحجاج فقال لها: أنشديني ما قلت في توبة فأنشدته:

كأنّ فتى الفتيان توبةَ لم ينخْقلائِصَ يفْحصْنَ الحصى بالكراكرِ
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
ولمْ يبْنِ أبراداً رقاقاً لفتيةٍكرامٍ ويرحلْ قبْلَ فيءِ الهواجرِ

فقال لها الحجاج: هل كان بينك وبينه سوء؟ قالت لا والله إلا أنه أرسل رسولاً

مرة، فقال: إذا أتيت حاضر بني عبادة - يعني ابن عقيل - فناد فيه:

عفا الله عنها هل أبيتنَّ ليلةًمن الدهر لا يسري إليّ خيالها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

فظننت أنه جنح لبعض الأمر فناديت:

وعنْه عفا رَبي وأصْلحَ بالهُفعزَّ علينا حاجةٌ لا ينالها

وحدثني محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبي خثيمة قال: أخبرنا علي بن المغيرة الأثرم عن أشياخه، قال أحمد: وأخبرنا عبد الله بن أبي كريم عن أبي عمرو الشيباني أن ليلى الأخيلية قدمت على الحجاج بن يوسف وعنده وجوه أصحابه وأشرافهم إذ أقبلت جارية فأشارت إلى الحجاج وأشار إليها بيده، فذهبت فما تلبث أن جاءت امرأة من أجل النساء وأكمله وأتمه خلفاً وأحسنه محاورة، فلما دنت منه سلمت عليه وقالت: أتأذن أيها الأمير؟ قال: نعم. فأنشأت تقول:

أحجَّاج إن اللَّهَ أعطاكَ غايةًيقصر عنْها منْ أرادَ مداها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
أحجَّاج لا يفْللْ سِلاحك إنَّماالمنايا بكف اللَّه حيث يراها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

حتى أتت على آخرها.

فقال الحجاج لمن عنده: أتدرون من هذه؟ قالوا: ما نعرفها ولكنا ما رأينا قط امرأة أطلق لساناً منها، ولا أجمل وجهاً، ولا أحسن لفظاً فمن هي أصلح الله الأمير؟؟ قال: هذه ليلى الأخيلية صاحبة توبة بن الحمير العقيلي التي يقول فيها:

فلو أنَّ ليلى الأخيلية سلمَتعليّ وفوقي ترْبَةٌ وصَفائحُ
لَسَلمْتُ تسليم البشاشَةِ أو زَقاإليها صدىً من جانبِ القبر صائحُ
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة

ثم قال: يا ليلى أنشدينا بعض ما قال توبة فيك، فأنشدته:

نأتْكَ بليلى دارها لا تزورهاوشطَّتٌ نواها واستمرَّ مريرها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»
وكنت إذا ما زرْت ليلى تَبَرْقَعَتفقد رابني منها الغداة سُفورها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»

حتى فرغت من القصيدة.

فقال لها: يا ليلى وماذا رابه من سفورك؟ قالت: اصلح الله الأمير! لم يرني قط إلا متبرقعة فأرسل إلي رسولاً إنه ملم بنا، وفطن الحي لرسوله، فأخذوا له واستعدوا وكمنوا، ففطنت لذلك من أمرهم، فلما رأى ذلك أنكره، فلم يزد على أن سلم وانصرف.

فقال الحجاج لله درك يا ليلى فهل كان بينكما ريبة قط؟ قالت: لا والذي " أسأله أن يصلحك " إلا أنه مرة قال قولاً، فأضنه أنه خضع لبعض الأمر فقلت:

وذي حاجةٍ قلنا له لا تبح بهافليس إليها ما حييت سبيل
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
لنا صاحبٌ لا ينبغي أن نخونهوأنت لأخرى صاحبٌ وخليل
تخالكَ تهوى غيرها فكأنمالها من تَظنّيها عليك دليلُ
للشاعر زينب بنت فروة التميمية، اقرأ القصيدة

فما كلمني بعد ذلك بشيء حتى فرق بيني وبينه الموت.

قال: فما كان حديثكما بعد ذلك؟ قالت: لم يلبث أن قال لصاحب له: إذا أتيت الحاضر من بني عبادة فقل بأعلى صوتك:

عفا الله عنها هل أبيتنَّ ليلةًمن الدهر لا يسري إليَّ خيالها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

فلما سمعت الصوت خرجت فقلت:

وعنه عفا ربي وأصلح حالهفعز علينا حاجةٌ لا ينالها

ثم لم لبث أن قتل.

قال: فأنشدينا بعض مراثيك إياه. فأنشدته قصيداً كثيراً، فكان مما أنشدته قصيدتها التي تقول فيها:

كأنّ فتى الفتيان توبةَ لم يُنخقلائص يفحصن الحصى بالكراكر
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

فلما أتمتها قال رجل من القوم: والله ما أظنه بلغ عشر ما وصفتيه به. فنظرت إليه ليلى، وقالت: أصلح الله الأمير، إن هذا المتكلم لو رأى توبة لسره - ألا يكون في داره عذراء إلا وهي حبلى من توبة.

فقال الحجاج: هذا والله الجواب الحاضر، وقد كنت غنياً عنه. ثم قال: لها ما حاجتك؟ قالت: حاجتي أن تحملني إلى قتيبة والي خراسان على البريد. فحملها فاستظرفها قتيبة ووصلها ثم رجعت فماتت بساوة فقبرها بها.

أخبرني محمد بن أبي الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال: روى أن ليلى الأخيلية قدمت إلى الحجاج فأنشدته:

إذا وردَ الحجاج أرضاً مريضةتَتَّبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بهاغلامٌ إذا هز القناةَ ثناها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

قال: أتقولين غلام؟ قولي همام. ثم قال لها: أي نسائي أحب إليك أن أنزلك عندها؟ قالت: ومن نساؤك أيها الأمير؟ قال: أم الجلاس بنت سعيد بن

العاصر الأموية، وهند بنت أسماء بنت خارجة الفرازية، وهند بنت المهلب بن أبي صفرة العتكية. قالت: القسية أحب إلي، فلما كان الغد دخلت عليه فقال: يا غلام أعطها خمسمائة. فقالت أيها الأمير اجعلها أدماً. فقال قائل: إنما أمر لك بشاء. فقالت: الأمير أكرم من ذلك. فجعلها ابناً إناثاً استحياء، وإنما كان أمر لها بشاء أولاً. الأدم: البيض من الإبل وهي أكرمها.

أخبرني علي بن عبد الرحمن عن علي بن يحيى الأطروش بن إسحاق عن أيوب بن عباءة، قال: حدثني الهيثم بن عدي، قال: دخلت ليلى الأخيلية على الحجاج فقال لأصحابه: ألا أخجلتها لكم؟ قالوا: بلى. قال: يا ليلى. قالت: لبيك أيها الأمير. قال: أكنت تحبين توبة بن الحمير؟ قالت نعم أيها الأمير وأنت لو رأيته لأحببته.

وحدثني أحمد بن محمد الجوهري، قال: حدثنا العنزي، حدثنا أبو السائب بن سلم بن جنادة، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف بن معمرالتيمي، قال: حدثنا خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد، قال: أخبرني أبي، قال: جاءتنا ليلى الأخيلية فقالت: إني أريد أن أمدح الحجاج. فأدخلناها إليه، فقالت:

لقد وجد الحجاج أرضاً مريضةًفطبّق أعلى دائها فشفاها
تتبّعها الداء العضال الذي بهاغلامٌ إذا هز القناة سقاها

فقال الحجاج: يا خيلية اجعليني هماماً، لا تجعليني غلاماً.

ثم قال: على من أنزلك من نسائي؟ قالت اذكر لي نساءك. قال: عندي بنت سعيد بن عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، وعندي أم سلمة بنت عبد الرحمن بن سهيل بن عمرو، وعندي بنت المهلب بن أبي صفرة، وعندي بنت أسماء بنت خارجة الفزاري، فاخترت بنت أسماء بنت خارجة، لقرابتها منها، فنزلت عليها.

وحدثني محمد بن أحمد الوزيري قال: حدثنا محمد بن العباس، قال: حدثنا الخليل بن أسد النوشجاني، حدثني حفص بن عمر العمري عن الهيثم بن عدي، قال: أخبرنا أبو يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير، قال: حدثني محمد بن الحجاج بن يوسف، قال: بينا الأمير جالس - يعني الحجاج - إذ استأذنت ليلى، فقال الحجاج: ومن ليلى؟ فقيل: الأخيلية قال: صاحبة توبة، أدخلها. فدخلت امرأة طوالة، دعجاء العين، حسنة المشية، حسنة الثغر إلى الفوه ما هي، فسلمت فرحب بها الحجاج، فدنت فقال الحجاج: وراءك، ضع لها وسادة يا غلام، فجلست، فقال: ما أعملك إلينا؟ قالت السلام على الأمير، والقضاء لحقه، والتعرض لمعروفه. قال: كيف خلفت أهلك؟ قالت: تركتهم في حالة خصب وأمن ودعة. أما الخصب ففي الأموال والكلأ، وأما الأمن فقد آمنهم الله بك، وأما الدعة فقد خامرهم من خوفهم ما اصلح بينهم. ثم قالت: ألا أنشدك أيها الأمير؟ قال: إذا شئت. فقالت:

أحجاج لا يُفْلَلْ سلاحك إنماالمنايا بكف الله حيث يراها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
إذا هبط الحجاج أرضاً مريضةًتتبَّع أقصى دائها فشفاها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
شفاها من الداء العُضال الذي بهاغلام إذا هز القناة سقاها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
سقاها فروّاها دماء غزيرةًدماء رجال حيث قال حَشاها

ويروى: فراوها بصوب سجاله دماء رجال. وشرب سجال، وقال: يقيل.

إذا سمع الحجاج صوت كتيبةأعدَّ لها قبل النزول قِراها

ويروى:

وإن سمع الحجاج زحف كتيبةأعدَّ لها قبل الصباح قراها
أعدَّ لها مصقولة فارسيَّةبأيدي رجال يحلبون ضَراها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
أحجاجُ لا تعط العداة مناهمُولا الله لا يعطي العداة مناها
ولا كل خطَّاف تقلَّد بيعةبأعظم عهد الله ثم شراها
فما ولد الأبكار والعَوْن مثلهببحرٍ ولا أرض يجفُّ ثراها

فقال الحجاج ليحيى بن منقذ: لله بلاؤها ما أشعرها. قال: ما لي

بشعرها علم. قال: علي بعبيد بن موهب. وكان حاجبه قال: أنشديه، فأنشدته، فقال: هذه الشاعرة الكريمة " قد " وجب حقها. قال: ما أغناها عن شفاعتك! يا غلام. مر لها بخمسمائة درهم واكسها خمسة أثواب، أحدها كساء خز، وأدخلها على ابنة عمها هند بنت أسماء بن خارجة وقل لها: صليها. فقالت: أصلح الله الأمير أضر بنا العريف في الصدقة وقد جربت إبلنا وتكسرت قلوبنا، واخذ خيار المال. قال: اكتبوا لها بن الحكم بن أيوب فليتبع لها خمسة أجمال، وليجعل أحدها نجيباً، واكتبوا إلى صاحب اليمامة يعزل العريف. قال: ابن موهب: أصلح الله الأمير أأصلها؟ قال: نعم. فوصلها بأربعمائة درهم، ووصلتها هذه بثلاثمائة درهم، ووصلها محمد بن الحجاج بوصفين. قال الهيثم بن عدي: ولم أسمع أنادي من حماد. قال: لما فرغت ليلى من شعرها أقبل الحجاج على جلسائه فقال: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله ما رأينا امرأة قط أفصح ولا أبلغ ولا أحسن إنشاداً منها. فمن هي؟ قال: ليلى الأخيلية صاحبه توبة بن حمير ثم أقبل عليها، فقال: بالله يا ليلى أرأيت من نوبة أمراً تكرهينه أو سألك شيئاً يعاب؟ قالت: لا، والذي أسأله المغفرة ما كان ذلك منه. فقال: أما إذا لم يكن فيرحمنا الله وإياه.

وأخبرني عبد الله بن يحيى قال: أخبرني محمد بن جعفر العطار، قال: حدثنا ابن أبي سعد، قال: حدثني أحمد بن رشد بن خثيم الهلالي قال: حدثني هاشم بن محمد الهلالين، قال: حدثني أيوب بن عمرو عن رجل من بني عامر يقال له: ورقا.

قال: كنت عند الحجاج بن يوسف فدخل الآذن فقال: أصلح الله الأمير، امرأة بالباب تهدر كما يهدر البعير الناد. قال: أدخلها. فلما دخلت نسبها فانتسبت له، فقال: ما أتاني بك يا ليلى؟ قالت: إخلاف النجوم، وكلب البرد، وشدة الجهد فكنت لها بعد الله الرد. قال: فأخبريني عن الأرض؟ قالت: الأرض مقشعرة والفجاج مغبرة، وأصابتنا سنون مجحفة مظلمة لم تدع لنا متبعاً ولا ربعاً ولا عافطة أهلكت الرجال ومزقت العيال وأفسدت الأموال وأنشدته قولها: أحجاج لا تشلل يمينك إنما ... وذكر الأبيات.

فالتفت الحجاج إلى أصحابه فقال: هل تعرفون هذه؟ قالوا: لا، قال: هذه ليلى الأخيلية التي تقول:

نحن الأخايل لا يزال غلامناحتى يدِبَّ على العصا مذكورا
تبكي الرماح إذا فقدنَ أكُفّناجزعاً وتلفينا الرفاق بحورا
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

ثم قال لها: يا ليلى أنشديني بعض شعر توبة قالت: وأي شعره أحب إليك؟ قال لها:

نأتْكَ بليلى دارُها لا تزورُهاوشطّت نواها واستمرَّ مريرها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»
يقول رجالٌ: لا يضيرك نأيُهابلى كلُّ ما شفَّ النفوسَ يَضِيرُها
أليس يضير العينَ أن تُكثر البكاويُمنع منها نومُها وسرورها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»
وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى تبرْقَعتْفقد رابني منها الغداةَ سُفُورها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لكل لقاء نلتقيه بشاشة»
وقد رابني منها صدودٌ رأيتهُوإعراضُها عن حاجتي وبسورُها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»

ما الذي رابه من صدودك يا ليلى؟ قالت: أصلح الله الأمير أنه لم يرني قط إلا مبرقعة فأرسل لي رسولاً أنه ملم بنا وفطن الحي برسوله فلما رأيته سفرت. فلما رأى

ذلك انصرف. فقال: قاتلك الله يا ليلى فهل كان بينكما ريبه قط؟ فقالت: أصلح الله الأمير لا إلا أنه قد قال مرة قولاً عرفت أنه قد خضع لبعض الأوامر فقلت له:

وذي حاجةٍ قلنا له: لا تَبحْ بهافليس إليها ما حييتَ سبيلُ
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
لنا صاحِبٌ لا نَبْتَغي أن نخونَهُوأنتَ لأخرى فارْعَ ذاك خليلُ

قال: فما كان بعد ذلك؟ قالت: قال لصاحب له: إذا أتيت الحاضر من بني عبادة بن عقيل فاهتف به:

عفا الله عنها هل أبيتنَّ ليلةًمن الدهر لا يسري إليَّ خيالها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

فناديت:

وعنه عفا ربِّي وأصلح بالَهفعَزَّ علينا حاجَةٌ لا يَنالُها

قال: فأنشدينا بعض شعرك فيه. فأنشدته:

لعمركَ ما بالموتِ عار على الفتىإذا لم تصبه في الحياةِ المعاير
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
وما أحَد حَيٌّ وإن كان سالماًبأخلدَ ممَّن غيَّبتْهُ المقابِر
فلا الحي مما استحدث الدهر مُعتْبُولا الميت إن لم يصبر الحي ناشر
وكل جديد أو شباب إلى بلىًوكل امرىء يوماً إلى الموت صائر
قتيل بني عوْفٍ فيا لهفتي لهوما كنتْ إياهم عليه أحاذر
ولكنني أخشى عليه قبيلةلها بدروب الشام بادٍ وحاضر

قال: فقال الحجاج لحاجبه: اذهب بها اقطع عني لسانها. قال: فدعا لها الحجام

ليقطع لسانها فقالت: ويلك إنما قال لك الأمير اقطع لساني بالعطاء والصلة، فارجع إليه فاسأله قال: فرجع إليه فاستشاط عليه وهم بقطع لسانه. ثم أمر بها فأدخلت عليه فقالت: كاد العلج أيها الأمير يقطع مقولي وأنشدته:

حجاجُ أنت الذي ما فوقه أحدإلا الخليفةُ والمستغفر الصمد
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
حجاج أنت شهاب الحرب إذ لقحتوأنت للناس نور ضوءه يَقِدُ

وحدثني محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوي قال: حدثنا عبد الله بن شبيب، قال: دخلت ليلى الأخيلية على الحجاج بن يوسف وهو في السفينة يريد البصرة فقال لها: ما جاء بك يا ليلى؟ قالت: كلب البرد وشدة الجهد وكان إليك بعد المفر. قال: يا ليلى كيف تركت الناس؟ قالت: الفجاج مغبرة والأرض مقشعرة والناس مسنتون ورحمة الله يرجون، ثم أنشدته:

إذا هبط الحجاجُ أرضاً مريضةًتتبعَ منها داءها فشفاها

فنظر الحجاج إلى مولى له قائد البخارية فقال: اذهب بهذه العجوز إلى يزيد فقل له: أعطها ألف دينار واقطع عني لسانها. فلم يفهم البخاري إلا قطع اللسان، فقال ذلك ليزيد، فدعا بالحجام فقالت: وما تريد؟ قال: اقطع لسانك. قالت: ويلك أمر لي بالعطاء. قال: ومر بها عتبة بن سعيد فنادته فقال: ويلك لا تعجل أنا رسوله إليك ثم دخل على الحجاج فأخبره، فقال: علي بها فلما دخلت قالت: كاد العلج - أماته الله - أن يقضب مقولي، وأنشدته: حجاج أنت الذي ما فوقه أحد........... وذكر البيتين.

فقال لها الحجاج: أين تريدين أترجعين إلى بلدك وأجهزك؟ قالت: لا، أريد الباهلي تعني قتيبة. فخرجت إلى قتيبة فماتت بالري أو بدون الري.

وروى علي بن المغيرة الأثرم أنه سمع الأصمعي يقول: أن الحجاج أمر لليلى عشرة آلاف درهم وقال لها: هل لكي من حاجة؟ قالت: نعم - أصلح الله الأمير - تحملني إلى ابن عمي قتبية بن مسلم، وهو على خراسان يومئذ، فحملها إليه فأجازها وأقبلت راجعة تريد البادية، فلما كانت بالري فماتت فقبرها هناك.

وحدثني أبو عبد الله الحكيمي قال: حدثنا أحمد بن أبي خثيمة عن نصر بن عبد علي الجهضمي عن بعض البصريين، قال: لما أتت ليلى بن قتيبة جفاها فقالت: ردني إلى ابن عمي. فردها، فلما صارت بساوة ماتت. وإنما قالت للحجاج ابن عمي لأنها من هوازن من بني عقيل، والحجاج من بني قسي بن منبه بن بكر بن هوزان.

قال أحمد: أخبرنا عبد الله بن أبي كريم عن أبي عمرو الشيباني: إن ليلى لما حملها الحجاج إلى قتيبة بخراسان على البريد استظرفها قتيبة ووصلها ثم رجعت ثم ماتت بساوة بقبرها.

النص من طبعة عالم الكتب (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من أخبار ليلى

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.