تجاوز إلى المحتوى

من «الأفضليات» لابن الصيرفي (ت ٥٤٢هـ)

والمتنبي - وإن كان مشهور الإحسان في النظم - فقد كانت له معان يجيدها في النثر

. روي أنه مرض بمصر، وكان بعض أصدقائه يزوره في مرضه، فلما توجهت صحته؛ تأخر عنه، فكتب إليه: واصلتني معتلا، وقطعتني مبتلا، فإن رأيت ألا تنكد الصحة علي، ولا تحبب العلة إلي. فعلت إن شاء الله. وذكر الإقليلي أن المتنبي أنشد سيف الدولة في الميدان قصيدته التي أولها:

لكل امرئ من دهره ما تعودا

فلما عاد سيف الدولة إلى داره استعاده إياها، فأنشدها، وكثر الناس فقال قائل منهم يريد كيد أبي الطيب: لو أنشد قائما لأسمع، فأكثر الناس لا يسمعون، فقال أبو الطيب: أما سمعت أولها: لكل امرئ من دهره ما تعودا وهذا من مستحن الأجوبة ولو أدرك المتنبي عصر مولانا لكانت خدمته واقفا من أبهر آياته، ومثوله بين السماطين قائما من أشرف عاداته؛ إذ كان الملوك وأبناؤهم لا تسمو هممهم إلى غير الوقوف لديه، ولا يتعدى أملهم الخضوع له والانتصاب بين يديه. ولقد سعد بما يرويه مولانا من شعره سعادة لا يجهل أحد فضلها؛ فنال بعد وفاته رتبة لا تدلك الأفكار شأوها، ولا تبلغ الأوهام محلها:

تنبأ عجبا بالقريض ولو درىبأنك ترويه إذن لتألها
للشاعر ابن وهبون الأندلسي، اقرأ القصيدة

ومن القوافي التي لا يكاد يهتدي إليها قول ابن المعتز في وصف الطيور الهدى:

لقد عرفن البرج بالآياتيلوح للناظر من هيهات

وهيهات غاية البعد. قال الله تعالى: (هيهات هيهات لما توعدون) وقد استعملها بحيث لا تفطن القرائح لها.

وقوله في وصف فرسين يتباريان في الجري:

وكم قد غدوت على سابقجواد المحثة وثابها
تباريه جرداء خيفانةإذا كان يسبق كدنا بها
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «ألا من لعين وتسكابها»

فقوله كدنا بها، من أغمض تتميم وأصعبه، وأغرب لفظ فقي هذا البيت به.

وقول محمد بن أحمد الأصبهاني:

والجو مخضر الحواشي أملسيبسم فيه في البرق وهو يعبس
وفيه سرج نارها لا تقبسبت أراعيها كأني هرمس

فقد دلت هذه القافية على بديع الصنعة، وقضت لهرمس بالمعاد والرجعة.

وعلى ذكر القوافي فروي أن هشاما الأحول قال: كنا عند الأصمعي، فأخذ في شعر عبيد الله بن قيس الرقيات، فجعل ينشد حتى قال:

عاد له من كثيرة الطربفعينه بالدموع تنسجم
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

وإنما هي تنسكب. وقال يا فتيان أمروها على الميم. قال: فأمرها ونحن معه، يقول ونقول على الميم حتى بلغنا إلى قوله:

ما نقموا من بني أمية إللا أنهم يحلمون إن غضبوا
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

فأراد قافية على الميم، فلم يقدر عليها.

والمملوك يقول: إن من أعجب الأشياء توقف الأصمعي خاصة في تقفية هذا البيت على الميم مع ما يروى عنه من قوله: إن الحشمة في كلام العرب بمعنى الغضب، وحكايته عنهم أن ذلك لممَّا يحشم بني فلان، أي يغضبهم، فكان يلزمه أن يقول: حشموا. على أن أحسن ما قفي به هذا البيت على الميم ما اقتضاه صدره فيقال:

ما نقموا من بني أمية إللا أنهم يحلمون إن نقموا

ويقال في البيت الثاني:

وأنهم معدن الملوك فماتصلح إلا عليهم الأمم

ويجعل الأمم عوضا عن العرب.

وذكر ابن أبي طاهر أنه عرضت على المنصور جارية، وقيل: إنها راوية للشعر، فاستنشدها، فأنشدته شعر ابن قيس الرقيات: عاد له من كثيرة الطرب فلما بلغت إلى قوله:

ما نقموا من بني أمية إلا ...

علمت أنها قد أخطأت، فقالت: أنهم يسفهون إن غضبوا.

ثم قالت:

وأنهم أرذل الملوك فماتفسد إلا عليهم العرب

فقال لها: أهكذا رويت هذا الشعر؟ قالت: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكني لما ألقي على لساني، وعلمت أني قد وحصلت غيرته إجلالا لك وصدقا في القول، فأعجبه ما رأى من فهمها، وأمر بأن تشترى.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأفضليات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.