من «البديع في نقد الشعر» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)
باب: المساواة
اعلم أن المساواة هي مساواة الآخذ منه للمأخوذ عنه، والأول أحق به، لأنه ابتدع والثاني اتبع، فالأول سابق، والثاني لاحق، كما قال العكوك يصف فرساً:
متطردٌ يرتجُّ من أقطارهكالماءِ جالتْ فيه ريحٌ فاضطربْ
لحقه ابن المعتز فقال:
فكأنه موجٌ يذوبُ إذاأطلقته، فإذا مسكت جمدْ
وقال ديك الجن:
مشعشعةٌ من كفّ ظبيٍ كأنماتناولها من خدهِ فأدراها
فلحقه ابن المعتز، فقال:
كأنَّ سديف الخمرِ من ماءِ خدهِوعنقودها من شعرهِ الجعدِ يقطفُ
ومثل ذلك:
كأنَّ سقيطَ الدمع في وجناتهاسقيطُ الندى أوفى على ورق الوردِ
أخذه ابن الرومي، فقال:
لو كنت يوم الوداع شاهدناوهن يبكين لوعة الوجد
كأنَّ تلك الدموعَ قطرُ ندىًيقطرُ من نرجسٍ على ورد
وقال الناشئ:
بكت للوداع وقد رابنيبكاء الحبيب وفقد الديار
كأنّ الدموع على خدهابقيةُ طلَّ على جلنار
وكما قال البحتري في وصف بركة:
إذا علتها الصبا أبدت لها حبكامثل الجواشن مصقولاً حواشيها
أخذه الصولي، فقال:
إذا ما الريحُ هبتْ، قلتُ: درعٌوإن سكنتْ فمرآةٌ صقيلُ
ومنه:
إذا أمرتني العاذلاتُ بهجرهاأبت كبدٌ عما يقلنَ صدوعُ
وكيف أطيعُ العاذلاتِ، وحبهايؤرقني والعاذلاتُ هجوعُ
أخذه كثير، فقال:
يلومك في ليلى، وعقلك عندهارجالٌ، ولم تذهبْ لهمْ بعقولِ
فما انتفعتْ نفسي بما أمروا بهولا عجتُ من أقوالهم بفتيلِ
ومنه:
كريمٌ يميتُ السرَّ، حتى كأنهإذا استخبروهُ عن حديثك جاهله
رعى سركمْ في مضمر القلب والحشاشفيقٌ عليكم، لا تخاف غوائلهْ
أخذه الآخر، فقال:
ومستخبرٍ عن سرِّ ليلى رددتهبعمياءَ منْ ليلى بغير يقينِ
يقولونَ: خبرنا، فأنت أمينهاوما أنا إن خبرتهمْ بأمين
وقال أبو تمام:
وإذا طلبتُ لديهمُ ما لم أنلْأدركتُ من جدواك ما لمْ أطلب
أخذه ابن حيوس، فقال:
ولقد دعوتُ ندى الكرامِ فلم يجبفلأشكرنَّ ندىً أجاب وما دعي
وقال أبو تمام:
بكلّ فتى للضرب يعرض للقنامحيا محلى، حليهُ الطعنُ والضربُ
أخذه المتنبي فقال:
وكلُّ فتى للحرب فوق جبينهمن الضرب سطرٌ بالأسنة معجمُ
ومنه قول الأعشى:
وسبيئةٍ مما تعتقُ بابلٌكدم الذبيحِ سلبتها جريالها
أخذه أبو نواس، فقال:
أعطتك ريحانها العقارُوحان من ليلك انسفارُ
وقال قيس بن الخطيم:
قضى لها الله حين صورها الخالقُ ألاَّ يكنها السدفُ
أخذه أبو نواس فقال:
لا ينزلُ الليل حيثُ حلتْفدهرُ شرابها نهارُ
ومنه قول الآخر:
كميتٌ جسمها معناورؤياها على سفرِ
ومنه قول مسلم بن الوليد:
فرعاءُ في فرعها ليلٌ على قمرٍعلى قضيبٍ، على دعص النقا الدهسِ
أذكى من المسك أنفاسإن وبهجتهاأرقُّ ديباجةً من رقة النفس
كأنَّ قلبي وشاحها إذا خطرتْوقلبها قلبها في الصمت والخرس
تجري محبتها في قلب عاشقهاجري السلامة في أعضاء منتكسِ
أخذ البيت الآخر أبو نواس فقال:
فتمشتْ في مفاصلهمْكتمشي البرءِ في السقمِ
ومنه قول أبي تمام:
نقل فؤادك حيثُ شئتَ من الهوىما الحبُّ إلا للحبيب الأولِ
أخذه من قول كثير:
إذا ما أرادتْ خلةٌ أن نزورهاأبينإن وقلنا: الحاجبيةُ أولُ
وكذلك قوله:
وكان على الفتى الإقدامُ فيهاوليس عليه ما جنتِ المنونُ
أخذه من قول الأول:
على المرءِ أن يسعى لما فيه نفعهوليس عليهِ أن يساعدهُ الدهرُ
ومنه لبشار:
يسقطُ الطيرُ حيث يلتقطُ الحب،وتغشى منازلُ الكرماءِ
أخذه الآخر فقال:
يزدحمُ الناسُ على
النص من طبعة وزارة الثقافة بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع