تجاوز إلى المحتوى

من «أنس المسجون وراحة المحزون» لصفي الدين الحلبي (ت بعد ٦٢٥هـ)

الفصل الرّابع في السّجن والتّعويق ومن خرج إلى سعة من ضيق

قيل: إنّ السّجن محكّ العقول، وتجربة المأمول، به يمتحن الصّبر من الأحرار، ويكشف مكنون العقل والوقار.

وقيل: السّجن قبور الأحياء، ومنزل أهل البلوى، وشماتة الأعداء، وتجربة الصديق.

ومما قيل فيه عن الشّيخ عمر ابن الشّحنة الموصلي:

الحبس أصبح مثل النّار مضرمةوالحرّ فيه إذا فكّرت كالذّهب
يصلى بنار هموم في جوانبهتنفي المآثم من جدّ ومن لعب

لإبراهيم ابن المدبّر:

تسلّ فليس طول الحبس عاروفيه لنا من الله الخيار
فلولا الحبس ما بلي اصطبارولولا اللّيل ما عرف النّهار
فما الأيّام إلاّ معقباتوما السّلطان إلاّ مستعار
وعن قدر حبست فلا تراعيفما يغني من القدر الحذار
سيفرج ما ترى عمّا قليلمعقبه وإن طال الإسار

وقيل: كتب أبو محمّد القاسم بن يحيى المريميّ إلى أبي البشر كاتب أبي الجيش ابن طولون، وهو في الحبس:

هي الأيّام من نعمى وبوسوكرّات السّعود على النّحوس
فلا تجزع فليس الحبس عاراوهل عار بتأديب الرّئيس
فبدر الأنبياء غدا عزيزاعظيما ملكه بعد الحبوس

لعمر ابن الشّحنة:

لا عار في السّجن للأحرار إن سجنوابغير جرم ولكن سجنهم شرف
كالسّيف والدّرّة الزّهراء سجنهماخوفا وضنّا بها الأغماد والصّدف

ولمؤلفه عيسى بن البحتري لما حبس مخدومه:

إن يحجبوك عن الأبصار لا عجباللّؤلؤ الرّطب قد تكتنّه الصّدف
أو يظلموك فصبرا وانتظار غدفإن ربّ الورى لا شك ينتصف

وقيل: وجد في صدر الحبس بالبصرة مكتوب:

لا تيّأسنّ من الفرجمن كان قبلك قد خرج

أبو الحسين بن أبي البغل:

حزنت وذو الأحزان يحرج صدرهألا ربّ حزن جاء من بعده الفرج
كأنّك بالمحبوب قد لاح نجمهوباليسر من بين المضائق قد خرج

وقيل: حبس الحجّاج إبراهيم التّيمي بواسط، فلمّا دخل السّجن وقف على مكان مشرف، ونادى بأعلى صوته: يا أهل بلاء الله في عافيته، ويا أهل عافية الله في بلائه، اصبروا. فنادوه جميعا: لبيك لبيك لبيك.

وللأمير أحمد بن عضد الدولة وهو يومئذ في الحبس:

هل الدّهر أرضاني وأعتب صرفهوأعقب بالحسنى من القيد والأسر
فمن لي بأيام الشّباب الذي مضتومن لي بمن قد فات في الحبس من عمري

ولعلي بن الجهم الأبيات المشهورة:

قالوا: حبست. فقلت: ليس بضائريحبسي وأيّ مهنّد لا يغمد

وقيل: إنّ أنو شروان حبس بزرجمهر بن البختكان الحكيم-وكان وزيره-عند غضبه عليه في بيت كالقبر ظلمة وضيقا، وصفّده بالحديد، وألبسه الخشن من الصّوف، وأمر أن لا يزاد كلّ يوم على قرصين خبزا شعيرا وكفّ ملح جريشا وشربة ماء، وأن تحصى ألفاظه فتنقل إليه. فأقام بزرجمهر شهورا لا يسمع له كلمة. فقال أنوشروان: أدخلوا إليه أصحابه ومروهم أن يسألوه، ويفاتحوه الكلام، واسمعوا ما يجري بينهم وعرّفونيه. فدخل إليه جماعة من المختصّين به، فقالوا: أيّها الحكيم، نراك في هذا الضّيق والحديد والصّوف والشّدة التي دفعت إليها، ومع هذا فإن سحنة وجهك، وصحّة جسمك على حالهما لم يتغيّرا، فما السّبب في ذلك؟ فقال: إني عملت جوارش من ستّة أخلاط [آخذ منه كلّ يوم شيئا] فهو الذي أبقاني على ما ترون. قالوا: فصفه لنا، فعسى أن نبتلى بمثل بلواك أو أحد من إخواننا فنصفه له، أو نستعمله. قال: الخلط الأوّل: الثّقة بالله تعالى.

الثاني: علمي بأنّ كلّ مقدور كائن. الثالث: الصّبر خير ما استعمله الممتحن. الرّابع: إن لم أصبر فأيّ شيء أعمل. الخامس: قد يمكن أن أكون في شرّ ممّا أنا فيه. السّادس: من ساعة إلى ساعة فرج.

المبرّد:

إذا اشتملت على اليأس القلوبوضاق لما به الصّدر الرّحيب
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إذا اشتملت على اليأس القلوب»
وأوطنت المكاره واطمأنّتوأرست في أماكنها الخطوب
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إذا اشتملت على اليأس القلوب»
ولم تر لانكشاف الضّرّ وجهاوقد أعيا بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوثيمنّ به اللّطيف المستجيب
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إذا اشتملت على اليأس القلوب»
فكلّ الحادثات وإن تناهتفمقرون بها فرج قريب

ولسلم بن قتيبة لمّا حبسه مصعب بن الزّبير من أبيات:

تحدّث من لاقيت أنّك عائذبل العائذ المظلوم في سجن عازم
فما ورق الدّنيا بباق لأهلهاولا شدّة الدّنيا بضربة لازم

آخر:

يضيق صدري بغمّ عند حادثةوربّما خير لي في الغمّ أحيانا
وربّ يوم يكون الغمّ أوّلهوعند آخره روحا وريحانا
ما ضقت ذرعا بغمّ عند حادثةإلاّ ولي فرج قد حلّ أو حانا

وقال الحسن بن يحيى الكاتب: لقيت محمّد بن العلوي الحمّاني بعد خلاصه من حبس الموفّق فهنّأته بالسّلامة، وقلت: قد عدت إلى وطنك الذي تألفه، وإخوانك الذين تحبّهم. فقال: يا أبا علي، وكيف!؟ وقد ذهب الأتراب والأصحاب والشّباب، ثمّ أنشد:

هبني بقيت على الأيّام والأبدونلت ما شئت من مال ومن ولد
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
من لي برؤية من قد كنت آلفهوبالشّباب الذي ولّى ولم يعد
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة

وقال الشّيخ عمر ابن الشّحنة: كنت آوي إلى كوخ أيّام محبسي بقلعة الموصل، فسمعت حمامة تهتف في أعلى ذلك الموضع، وعارضني عارض وجدت معه راحة بالبكاء، فقلت لله درّ غيلان كأنّما أوحي إليه حيث يقول:

لعلّ انحدار الدّمع يعقب راحةمن الوجد، أو يشفي نجيّ البلابل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا من صدور الرواحل»

ومثله:

فقلت لها: إنّ البكاء لراحةبه يشتفي من ظنّ أن لا تلاقيا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألم تر أني يوم جو سويقة»

وعملت في الحال أبياتا، وكتبتها على حائط ذلك الموضع وهي:

وحمائم غنّين في دار الضّحىطربا فقلت مقالة المحزون
غنّين فالوجد الذي تبدينهوجدي المكتّم والشّجون شجوني
ما جامدات الدّمع كالجاري ولاحال الطّليق كحالة المسجون

ولأبي فراس بن حمدان في أسره، وقد سمع حمامة تهتف على شجرة عالية:

أقول وقد ناحت بقربي حمامةأيا جارتي هل بات حالك حالي
معاذ الهوى ما ذقت طارقة النّوىولا خطرت منك الهموم ببال
للشاعر عباس الأعسم، اقرأ القصيدة
أيحمل محزون الفؤاد قوادمإلى غصن نائي المسافة عال
أيا جارتي ما أنصف الدّهر بينناتعالي أقاسمك الهموم تعالي
تعالي تري روحا لديّ ضعيفةتردّد في جسم يعذّب بال
للشاعر نسيب عريضة، من قصيدة «الطبول الطبول إِنا انتصرنا»
أيضحك مأسور وتبكي طليقةويسكت محزون ويندب سال
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أقول وقد ناحت بقربي حمامة»
لقد كنت أولى منك بالدّمع مقلةولكنّ دمعي في الحوادث غال
للشاعر نسيب عريضة، من قصيدة «الطبول الطبول إِنا انتصرنا»

ولبعضهم:

إلى الله فيما نابنا نرفع الشّكوىففي يده كشف المصيبة والبلوى
خرجنا من الدّنيا ونحن من اهلهافلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
إذا دخل السّجان يوما لحاجةفرحنا وقلنا: جاء هذا من الدّنيا
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

آخر:

ما يدخل السّجن إنسان فنسألهما بال سجنك؟ إلاّ قال: مظلوم

لمؤلفه ابن البحتري:

ما حلّ بالسّجن امرؤ ساعةإلاّ وكانت بالأذى ألف عام
ولا غدا ألفا أخو غبطةإلاّ وكانت غبطة كالمنام

وله:

جزى الله ربع السّجن عني كرامةوأخلى ببعدي عن حماه مكاني
فإنّ له حقّا عليّ لأنّنيكشفت به أهلي وصحبي وإخواني

وقيل: دخل الفرزدق على يزيد بن المهلّب وهو في الحبس فأنشده:

أصبح في قيدك السّماحة والجود وحمل الدّيات والإفضال

فقال له: أتمدحني وأنا على هذه الحال؟ فقال: نعم، وجدتك رخيصا فأسلفتك.

ولمؤلفه ابن البحتري:

بكت حرقة لما رأتني مقيّداوقد قلّ مني جمعها وعديدها
فقلت لها: لا تحزني ويك وانظريإلى فرجة تؤدي ليحسن سعودها
فإنّ خلاليل النّساء تزينهاوزينة سوق الأوفياء قيودها

وقيل إن عبيد الله بن زياد أتي برجل فشتمه، وقال: أحروريّ أنت؟ فقال الرجل: لا والله، ما أنا بحرويّ. فقال: أما والله لأفعلنّ بك

ولأصنعنّ، انطلقوا به إلى السّجن، فانطلقوا به، فلمّا ولّى سمعه ابن زياد وهو يهمس بشيء، فردّه وقال له: ماذا قلت؟ قال: عنّ لي بيتان من الشّعر.

قال: إنّك لفارغ، أنت قلتهما أم شيء سمعته؟ قال: بل أنا قلتهما. قال: ما قلت؟ قال:

عسى فرج يأتي به الله إنّهله كلّ يوم في خليقته أمر
للشاعر محمد بن أحمد بن رشيد مولى المهدي، من قصيدة «مَرِيضَة كرّ الطّرف مجدولة الحشا»
إذا اشتدّ عسر فارج يسرا فإنّهقضى الله أنّ العسر يتبعه يسر
للشاعر ابن الإفرنجية، اقرأ القصيدة

قال: فسكت ابن زياد ساعة، ثم قال: قد أتاك الله ﷿ بالفرج، خلّوا سبيله.

وللأعرابي:

قلّ وجه يضيق إلاّودونه مذهب فسيح
من فرّج الله عنه هبّتمن كلّ وجه إليه ريح

ولسعيد بن بيضاء الأسدي:

فما نوب الحوادث باقياتولا البوسا تدوم ولا النّعيم
للشاعر الإمام علي بن أبي طالب، من قصيدة «فما نوب الحوادث باقيات»
كما يمضي سرورك وهو جمّكذلك ما يسؤوك لا يدوم
للشاعر سعيد بن مضاء الأسدي، اقرأ القصيدة
فلا تهلك على ما فات وجداولا تعروك بالأسف الهموم
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «فما نوب الحوادث باقيات»

وقيل: كان المأمون غضب على فرج الرّخّجيّ، وحبسه فكلمه

عبد الله بن طاهر، ومسرور الخادم في أمره وسألاه إطلاقه، فأمر بذلك. قال فرج: بتّ ليلتي تلك وأنا مفكّر، إذ أتاني آت في منامي فقال لي:

لمّا أتى فرجا من ربّه فرججئنا إلى فرج نبغي به الفرجا

فلمّا أصبحت لم أشعر إلاّ واللّواء عقد لي على الأهواز وفارس ولاية، وأطلق لي معونة خمس مئة ألف درهم، وإذا أبو الينبغيّ الشّاعر قائم على باب داري، وقد كتب هذا البيت في رقعة ودفعها لي. فقلت له: متى قلت هذا البيت؟ فقال لي: في هذا الوقت الذي رضي عنك. فازددت بذلك تعجّبا، وأمرت له بعشرة آلاف درهم.

ولمولاي ركن الدّين أحمد بن قرطاء، وهو يومئذ محبوس:

أأحبابنا ذاك المتيّم مالكمعلى البعد والتّفريق لا تذكرونه
تناسيتم مذ طال في السّجن عهدهكأنّكم ما كنتم تعرفونه
لئن خنتم منه الوداد فإنّهمقيم على العهد الذي تعرفونه

ولمؤلفه:

قالت حبيبة قلبي حين أحزنهاوقد رأت سجنا في السّجن مأسور
في محبس لا يرى حيّا يلمّ بهمن لم يعش فيه يوما فهو معذور
في السّجن أوطنت أو في القبر؟ قلت لهاسيّان عندي مسجون ومقبور
إذ ساكن القبر قد حلّت سكينتهوساكن السّجن مرعوب ومذعور
والنّاس في ترك من بالسّجن مسكنهكترك من هو وسط القبر محصور
وجاهل ظنّ سكنى السّجن عن زللقبحا له ذاك في المقدور مقدور
غاض الوقار ومات الجود قاطبةفالغدر متّبع والجود مهجور
والخلّ في اليسر معك الدّهر منتظموفي الشّقاوة سلك الودّ منثور
جرّب جميع الورى تحظى بتجربةفكلّ خلّ إذا جرّبته زور
ولا تعرّج عن العلياء خوف ردىفليس في الموت تقديم وتأخير
والله في كلّ ما يجري القضاء بهإن ساء أو سرّ محمود ومشكور

ولأبي فراس بن حمدان وهو مأسور:

مصابي جليل والعزاء جزيلوظنّي بأنّ الله سوف يديل
جراح تحاماها الأساة مخوفةوسقمان باد منهما ودخيل
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «مصابي جليل والعزاء جميل»
وأسرا أقاسيه وليل نجومهأرى كلّ شيء غيرهنّ يزول
تطول به السّاعات وهي قصيرةوفي كلّ دهر لا يسرّك طول
تجافاني الأصحاب إلاّ عصيبةستلحق بالأخرى غدا وتحول
ومن ذا الذي يبقى على العهد إنّهموإن كثرت دعواهم لقليل
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «مصابي جليل والعزاء جميل»
أقلّب طرفي لا أرى غير صاحبيميل مع النّعماء حيث تميل
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «مصابي جليل والعزاء جميل»
فيا حسرتي من لي بخلّ موافقأقول بشجوي مرّة ويقول

وذكر موسى بن عبد الملك قال: رأيت وأنا في الحبس [كأنّ] قائلا يقول لي:

لا زلت تعلو بك الجدودنعم وحفّت بك السّعود
أبشر فقد آن ما تريديبيد أعداءك المبيد
لم يمهلوا ثم لم يقالواوالله يقضي بما يريد
فاصبر فصبر الفتى حميدوالشكر ففي شكرك المزيد

قال: فما مضت عليّ تلك الأيام حتّى أطلقت.

وحدّث خالد بن يزيد قال: حدثنا عبد الله بن يعقوب بن داود قال:

قال أبي: لمّا حبسني المهديّ في بئر، وبنى عليّ قبّة، فمكثت فيها خمس عشرة سنة حتّى مضى صدر من خلافة الرّشيد، وكان يدلّى لي في كلّ يوم رغيف وكوز ماء، وأوذن بأوقات الصّلاة، فلمّا كان في رأس ثلاث عشرة حجّة أتاني آت في منامي فقال:

حنا على يوسف ربّ فأخرجهمن قعر بئر وجبّ حوله غمم

قال: فحمدت الله تعالى وقلت: أتى الفرج. قال: فمكثت حولا لا أرى شيئا، فلمّا كان في رأس الثاني أتاني ذلك الآتي فقال:

عسى فرج يأتي به الله إنّهله كلّ يوم في خليقته أمر
للشاعر محمد بن أحمد بن رشيد مولى المهدي، من قصيدة «مَرِيضَة كرّ الطّرف مجدولة الحشا»

ثم أقمت حولا لا أرى شيئا، ثم أتاني ذلك الآتي في رأس الحول الثالث فقال:

عسى الكرب الذي أمسيت فيهيكون وراءه الفرج القريب
للشاعر عبد الكريم البَسطي، اقرأ القصيدة
فيأمن خائف ويفكّ عانويأتي أهله الرّجل الغريب

فلمّا أصبحت نوديت، فظننت أنّي أوذن للصّلاة، ودلّي لي حبل، فقيل: شدّ به وسطك. ففعلت ما قالوا، وأخرجوني من البئر، فلمّا تأمّلت

الضّوء عشي بصري، فانطلقوا بي، فلمّا دخلت على الرّشيد، قيل لي: سلّم على أمير المؤمنين. فقلت: السّلام عليك يا أمير المؤمنين [ورحمة الله] وبركاته، المهديّ. قال: من أمير المؤمنين؟ قلت: المهديّ. قال: لست به. فقلت: الهادي؟ قال: لست به. قلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين [ورحمة الله] وبركاته الرّشيد؟ فقال الرّشيد: يا يعقوب بن داود، إنّه والله ما شفع إليّ فيك أحد، غير أنّي حملت البارحة صبيّة لي على عنقي، فذكرت حملك إيّاي على عنقك فرثيت لك من المحلّ الذي كنت فيه فأخرجتك. قال: ثم أكرمني وقرّب مجلسي، فتنكر يحيى بن خالد كأنّه خاف أن أغلب على الرّشيد دونه، فخفته، واستأذنت في الحجّ، فأذن ولم أزل مقيما بمكة.

ولبعضهم:

لا تيأسنّ فربّماعظم البلاء وفرّجا
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «لا تيأسن فربما»
قد ينسخ الخوف الأمان ويغلب اليأس الرجا
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «لا تيأسن فربما»

لسعد بن محمد بن [علي المعروف ب] الوحيد:

إن راعني منك الصّدودفلعلّ أيامي تعود
للشاعر الوحيد الأزدي أبو طالب، اقرأ القصيدة
ولعلّ عهدك باللّوىيحيا فقد تحيا العهود
للشاعر الوحيد الأزدي أبو طالب، اقرأ القصيدة
فالعود ييبس تارةوتراه مخضرّا يميد
إنّي لأرجو عطفةيبكي لها الواشي الحسود
للشاعر الوحيد الأزدي أبو طالب، اقرأ القصيدة
فرجا تقرّ به العيونفينجلي عنها السّهود

وقال عبد الله بن المعتز: لما أمر المكتفي بحبسي في بغداد، نالني خوف عظيم، وبقيت محبوسا إلى أن قدم المكتفي إلى بغداد، وازداد خوفي بقدومه ولم أنم تلك الليلة خوفا وقلقا بوروده، فمرّت بي في السّحر طيور، فتمنّيت أن أكون مخلّى مثلها، لما يجري عليّ من النّكبات، ثمّ فكّرت في نعم الله تعالى، وما حازه لي من الإسلام، والقربة من رسول الله ﷺ، وما أؤمّله من البقاء الدّائم في الآخرة. وقلت في الحال:

يا نفس صبرا فإنّ الخير عقباكخانتك من بعد طول الأمن دنياك
مرّت بنا سحرا طير فقلت لهاطوباك يا ليتني إيّاك طوباك
لكن هو الدّهر فالقيه على حذرفربّ مثلك تنزو تحت أشراك

فما أصبحت إلا قد سأل المكتفي عنيّ، وأمر باطلاقي، وأطلق لي مالا.

وأنشدت لمعاوية بن أبي سفيان متمثّلا بقوله:

فلا تيأسن واستغن بالله إنّهإذا شاء [يوما] حلّ عقد تيسرا

لأبي العتاهية:

إنّما الدّنيا هباتوعوار مستردّه
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «إنما الدنيا هبات»
شدّة بعد رخاءورخاء بعد شدّه
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «إنما الدنيا هبات»

وروي عن أحمد بن أبي دواد قال: كنت بحضرة المعتصم، وقد أحضر تميم بن جميل الطّوسي مصفّدا بالحديد، وقد بسط له النّطع وانتضي السّيف وأمر بضرب عنقه. وكان رجلا جسيما وسيما، فأحبّ المعتصم أن يستنطقه لينظر أين مخبره من منظره، فقال له: تكلّم. فقال أما إذ أذن لي أمير المؤمنين في الكلام: فالحمد لله اَلَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ اَلْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ يا أمير المؤمنين، جبر الله بك صدع الدّين، ولمّ بك شعث المسلمين. إنّ الذّنوب تخرس الألسنة، وتخلع الأفئدة، وايم الله لقد عظمت الجريرة، وانقطعت الحجّة، وساء الظّنّ ولم يبق إلا عفوك وإبقاؤك. ثم قال:

أرى الموت بين السّيف والنّطع كامنايلاحظني من حيث ما أتلفّت
وأكبر ظنّي أنّك اليوم قاتليوأيّ امرىء ممّا قضى الله يفلت
وأيّ امرىء يدلي بعذر وحجّةوسيف المنايا بين عينيه مصلت
وما جزعي أنّي أموت وإنّنيلأعلم أنّ الموت حقّ موقّت
ولكنّ خلفي صبية قد تركتهموأكبادهم من حسرة تتفتّت
كأنّي أراهم حين أنعى إليهموقد خدشوا تلك الخدود وصوّتوا
فإن عشت عاشوا خافضين بغبطةأذود الرّدى عنهم وإن متّ موّتوا

فاستعبر المعتصم، وقال: قد عفوت عن الهفوة، ووهبتك للصّبية، ثم أمر به ففكّ قيده، وخلع عليه، وعقد له على سقي الفرات

أبو العتاهية:

هي الأيام والغيروأمر الله ينتظر
أتيأس أن ترى فرجافأين الله والقدر
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «هي الأيام والعبر»

وقيل: كان أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصّابئ محبوسا فزاره أبو الفرج الببّغاء في محبسه، وخفّف الزّورة عنده، فكتب أبو إسحاق من

الحبس إليه:

أبا الفرج اسلم وابق وانعم ولا تزليزيدك صرف الدّهر حظّا إذا نقص
مضت مدّة تستام ودّي غاليافأرخصته والبيع غال ومرتخص
وآنستني في محبسي بزيارةشفت قرما من صاحب لك قد خلص
ولكنها كانت كحسوة طائرفواقا كما يستفرص السّارق الفرص
وأحسبك استوحشت من ضيق محبسيوعادك عيد من تذكّرك القفص
كذا الكرّز اللمّاح ينجو بنفسهإذا عاين الأشراك تنصب للقنص
فحوشيت يا قسّ الطّيور بلاغةإذا ذكر المنظوم أو درس القصص
من المنسر الأشغى ومن حزّة المدىومن بندق الرّامي ومن قصّة المقص
ومن صعدة فيها من الدّبق لهذملفرسانكم يوم الطّعان بها قعص
فهذي دواهي الطّير وقّيت شرّهاإذا الدّهر من أحداثه جرّع الغصص

فأجابه أبو الفرج الببغاء جواب رسالته:

أيا ماجدا مذ يمّم الجود ما نكصوبدر تمام مذ تكمّل ما نقص
ستخلص من هذا السّرار وأيّماهلال توارى في السّرار وما خلص
للشاعر الببغاء، من قصيدة «أيا ماجدا مذ يمم المجد ما نكص»
بإقبال تاج الملّة الملك الذيبسؤدده في خطة المشتري حصص
تقنّصت شكري بالجميل ولم أكنعلمت بأنّ الحرّ بالبرّ يقتنص
وآنست أسنى فرصة فانتهزتهابلقياك إذ بالحزم تنتهز الفرص
وإن كنت بالببغا قديما ملقّبافكم لقب بالجور لا العدل مخترص
وبعد فما أخشى تقنّص جارحوقلبك لي وكر وصدرك لي قفص
للشاعر الببغاء، من قصيدة «أيا ماجدا مذ يمم المجد ما نكص»

قال: فلما سمع أمير المؤمنين بقصّتهما، فكانت خلاص الصّابئ.

وقيل: سمع المأمون يوما إبراهيم بن مهدي عمّه لمّا حبسه ينشد في محبسه بصوت طرب:

ولو أنّ خدّا من وكوف مدامعيرى معشبا لا خضرّ خدّي وأعشبا
على أنني لم أبك إلاّ مودّعابقيّة روح فارقتني لتذهبا

قال: فرقّ له واستشار أحمد بن محمّد بن خالد في أمره، فقال: إن

عاقبت وجدت مثلك قد عاقب مثله كثيرا، وإن عفوت لم تجد مثلك عفا عن مثله. فعفا عنه، وأمر بإطلاقه.

وقيل: لما ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي أحبّ أن يوبّخه على رؤوس الأشهاد، فأمر بإحضاره من محبسه فجيء به يحجل في قيوده، حتّى وقف على طرف الإيوان، وقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال المأمون: لا سلّم الله عليك، ولا رعاك ولا كلأك يا إبراهيم. فقال له إبراهيم: على رسلك يا أمير المؤمنين، فلقد أصبحت وليّ ثأري، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مدّ له الاغترار في الأمل هجمت به الأناة على التّلف.

وقد أصبح ذنبي فوق كلّ ذي ذنب، كما أنّ عفوك فوق كلّ ذي عفو، فإن تعاقب فبحقّك، وإن تعف فبفضلك. قال: فأطرق المأمون مليّا، ثم رفع رأسه وقال: إنّ هذين أشارا عليّ بقتلك وإذا المعتصم والعباس بن المأمون. فقال: يا أمير المؤمنين، أمّا حقيقة الرّأي في معظم تدبير الخلافة والسياسة فقد أشارا عليك به، وما غشّاك إذ كان منّي ما كان، ولكنّ الله ﷿ عوّدك من العفو عادة جريت عليها، دافعا مما تخاف بما ترجو، فكفاك الله. فتبسّم المأمون، وأقبل على ثمامة وقال: إنّ من الكلام ما يفوق الدّرّ، ويغلب السّحر، وإنّ كلام عمّي منه، أطلقوا عن عمّي حديده وردّوه

لي مكرّما. فلمّا ردّ إليه قال: يا عمّي طب نفسا، وارجع إلى الأنس فلن ترى منيّ أبدا إلاّ ما تحبّ.

ولأبي عبادة البحتريّ يخاطب محمد بن يوسف الثّغريّ وهو محبوس:

جعلت فداك الدّهر ليس بمنفكّمن الحدث المشكوّ والنّازل المشكي
للشاعر البحتري، من قصيدة «جعلت فداك الدهر ليس بمنفك»
وما هذه الأيّام إلاّ منازلفمن منزل رحب إلى منزل ضنك
وقد هذّبتك الحادثات وإنّماصفا الذّهب الإبريز يظهر بالسّبك
أما في رسول الله يوسف أسوةلمثلك محبوسا على الظّلم والإفك
أقام جميل الصّبر في السّجن برهةفآل به الصّبر الجميل إلى الملك
للشاعر البحتري، من قصيدة «جعلت فداك الدهر ليس بمنفك»

وحبس الرّشيد رجلا فكتب إليه: إنّ كلّ يوم يمضي من ملكك يمضي من بؤسي مثله، والأمد قريب، والحكم لله. فأمر بإطلاقه.

وحبس الرّشيد أبا العتاهية فكتب إليه من السّجن:

تفديك نفسي من كلّ ما كرهتنفسك إن كنت مذنبا فاغفر
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «تفديك نفسي من كل ما كرهت»
يا ليت قلبي مصّور لك مافيه لتستيقن الذي أضمر
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «تفديك نفسي من كل ما كرهت»

فلما وقف الرّشيد على ذلك أمر بإطلاقه.

وحدّث محمد بن عبّاد قال: دخل حمزة بن بيض على يزيد بن

المهلّب في السّجن فأنشده:

أغلق دون السّماح والجود والننجدة باب حديده أشب
ابن ثلاث وأربعين مضتلا ورع واهن ولا نكب
لا بطر إن تتابعت نعموصابر في البلاء محتسب
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
برّزت سبق الجواد في مهلوقصّرت دون سعيك العرب

فقال: والله، يا حمزة، لقد أسأت حين نوّهت باسمي في وقت غير تنويه. ثم رفع مقعدا تحته، فرمى إليه بخرقة مصرورة، وعنده صاحب خبر [واقف]. فقال: خذ هذا الدينار فو الله ما أملك ذهبا غيره. فأخذه حمزة، وأراد ردّه. فقال له سرّا: خذه، ولا تخدع عنه. قال حمزة:

فعلمت أنّه غير ذهب، فلمّا خرجت، قال لي صاحب الخبر: ما أعطاك يزيد؟ فقلت: أعطاني دينارا، واستحييت أن أردّه. فلما صرت إلى منزلي حللت الصّرة وإذا فصّ ياقوت أحمر كأنه سقط زند، فقلت: والله، لئن عرضت هذا بالعراق ليعلمنّ أنّي أخذته من يزيد فيؤخذ مني. فخرجت به إلى خراسان فبعته من رجل يهوديّ بثلاثين ألفا، فلمّا قبضت المال [وصار الفصّ في يده]، قال لي: والله، لو أبيت إلاّ خمسين ألفا، لأخذته منك بها. فكأنّه قذف في قلبي جمرة، فلمّا رأى تغيّر وجهي قال: لست أشكّ أنّي قد غممتك. قلت: إي والله، وقتلتني. فأخرج إليّ مئة دينار وقال: أنفق هذه في طريقك؛ ليتوفّر عليك المال.

وقال القاضي التنوخي: من طريف ما شاهدناه: أنّ أبا تغلب فضل الله بن ناصر الدّولة أبي محمد استوحش من أخيه محمد بعد موت أبيهما، فقبض عليه واستصفى ماله، ونعمته، وقبض عقاره وضيعه، وثقّله بالحديد، وأنفذه إلى القلعة المعروفة بأردمشت، وهي مشهورة من أعمال الموصل حصينة، فحبسه فيها في مطمورة ووكّل بحفظه وإطعامه عجوزا جلدة ضابطة يقال لها نازيانوا وأمرها أن لا توصل إليه أحدا، ولا تعرّفه خبرا، وأن تخفي موضعه عن جميع شحنة القلعة وحفظها. ففعلت ذلك، وأقام على حاله تلك نحو ثمان سنين.

ثم اتّفق أن انحدر أبو تغلب معاونا لعزّ الدّولة أبي منصور بختيار بن معزّ الدولة ومعهما العساكر يقصدان بغداد لمحاربة عضد الدولة وقد خرج للقائهما فكانت بينهما الوقعة العظيمة المشهورة بقرب قصر الجصّ، فقتل فيها عزّ الدولة، وانهزم أبو تغلب، فدخل الموصل وخاف أن يتخلّص محمد، فكتب إلى غلام له كانت القلعة مسلّمة له يقال له طاشتم: في أن يمكّن رئيسا من رؤوساء الأكراد يقال له صالح كان كالشّريك لطاشتم في حفظ القلعة من محمّد ليمضي فيه ما أمره به. وكتب إلى صالح يأمره بقتل محمّد أخيه. فمكّن طاشتم صالحا، فلما أراد الدّخول على محمد ليقتله، منعت نازيانوا من ذلك وقالت: لا أمكّن من هذا إلا بكتاب يرد عليّ من الأمير.

وشارف عضد الدولة الموصل، فانجفل عنها أبو تغلب وكردته العساكر فاشتدّ عليه الطّلب، وورد عليه كتاب صالح بما قالت نازيانوا. فإلى أن أجاب عنه أحاطت بعض عساكر عضد الدّولة بقلعة أردمشت ونازلوها فانقطعت الأخبار ما بينهما وبين أبي تغلب، ولم يصل له إليها كتاب، ثم فتحها عضد

الدّولة بعد شهور، بأن واطأه صالح على قبض طاشتم وكتب إليه يعرّفه عمل، ويستأذنه فيما يعمله.

وكان لمحمد خادم خصيّ يلي أمر داره أسود يسمى ناصحا وكان بعد القبض على محمد قد وقع إلى عضد الدّولة وهو بفارس، فصار من وجوه خدمه، فلما ورد الخبر بفتح القلعة أذكره ناصح بوعد كان له عليه في إطلاق مولاه محمد إذا فتح القلعة. فكتب يطلبه في القلعة، فإن وجد حيّا أن يطلق عنه، وينفذ إليه مكرّما. فحين دخل صالح ومعه بعض من صعد إلى القلعة من أصحاب عضد الدّولة إلى محمد في محبسه جزع جزعا شديدا، ولم يشكّ أنّهم دخلوا بأمر أبي تغلب لقتله، فأخذ يتضرّع ويقول: ما يدعو أخي إلى قتلي؟.

فقالوا له: لا خوف عليك. فإنّما أمرنا الملك أن نطلق عنك، وتمضي إليه مكرّما، فقد ملك هذه البلاد. فقال: أغلب ملك الرّوم على هذه النواحي، وفتحت له القلعة؟ قالوا: لا، ولكن الملك عضد الدولة. قال:

الذي كان بشيراز؟ قالوا: نعم. قال محمد: فأين بختيار؟ قالوا: قتل.

قال: فأين أبو تغلب؟ قالوا: انهزم ودخل بلد الرّوم. قال: فالملك عضد الدّولة أين هو؟ قالوا: بالموصل، وقد أمر أن نحملك إليه مكرّما. فسجد حينئذ، وبكى بكاء شديدا، وحمد الله تعالى كثيرا، وجاؤوا ليفكّوا قيده، فقال: لا أمكّن من ذلك إلا بعد أن يشاهد حالي الملك.

فحمل إلى الموصل فرأيته وقد أصعد به مقيّدا من [المعبر الذي عبر فيه في] دجلة إلى دار أبي تغلب التي نزلها عضد الدّولة، وأنا إذ ذاك أتولاها له، فرأيت محمدا يمشي في أقياده حتى دخل فقبّل الأرض بين يديه، ودعا له وأخرج إلى حجرة من الدّار، فأخذ حديده، وحمل على فرس فاره بمركب

ذهب، وقيّد بين يديه خمس دوابّ بمراكب فضّة وخمس بجلالها، وثلاثون بغلا بوكفها محمّلة مالا صامتا، ومن صنوف الثّياب الفاخرة وغيرها إلى دار قد فرّغت له، وفرشت، وملئت بجميع ما يحتاج إليه، ثم أقطعه بعد أيام إقطاعا بثلاث مئة ألف درهم، وولاّه إمارة بلد وأعمالها.

وهو ما كان يتولاه لأخيه أبي تغلب.

قال: وقيل: كان موسى الهادي قد طالب أخاه الرّشيد أن يخلع نفسه من العهد ليصيّره لابنه بعده. ويخرج هارون [من الأمر] فلم يجب إلى ذلك. فأحضر يحيى بن خالد البرمكي ولطف به وداراه، ووعده ومنّاه، وسأله أن يشير على هارون بالخلع، فلم يجب يحيى إلى ذلك، ودافعه عنه، فتهدّده وتوعّده، وجرت بينهما في ذلك خطوب عظيمة، وأشرف يحيى معه على الهلاك، وهو مقيم على مدافعته عن صاحبه إلى أن اعتلّ الهادي علّته التي مات فيها، واشتدّت به، فدعا يحيى وقال له:

ليس ينفعني معك شيء، وقد أفسدت أخي عليّ، وقوّيت نفسه حتى امتنع ممّا أريده، وو الله، لأقتلنّك، ثم دعا بالسّيف والنّطع، وأبرك يحيى ليضرب عنقه، فقال إبراهيم بن ذكوان الحرّاني: يا أمير المؤمنين، إن ليحيى عندي

يدا أريد أن أكافئة عليها، وأحبّ أن تهبه لي الليلة، وأنت في غد أعلى عينا وما تراه في أمره. فقال: وما فائدة حياة ليلة؟ فقال: إمّا أن يقود صاحبه إلى إرادتك، أو يعهد في أمر نفسه وولده. فأجابه إلى ذلك. قال يحيى: فأقمت من النّطع، وقد أيقنت بالموت، وأنه لم يبق لي من أجلي إلا بقيّة اللّيلة، فما اكتحلت غمضا إلى السّحر، ثم سمعت صوت الأقفال.

فلم أشكّ أنّ الهادي قد استدعاني للقتل لمّا [انصرف كاتبه. و] انقضت اللّيلة، فإذا خادم قد دخل، فقال: أجب السّيدة. فقلت: مالي والسّيدة؟

فقال: قم. فقمت، وأتت الخيزران فقالت: إنّ موسى قد مات، ونحن نساء، فادخل وأصلح شأنه. وأنفذ إلى هارون فجىء به. فدخلت فرأيته قد مات فوق فراشه، فشددت لحيته، وحمدت الله على لطيف صنعه، وتفريجه ما كنت فيه، وبادرت إلى هارون فوجدته نائما، فأيقظته، فلما رآني عجب وقال: ما الخبر؟ فقلت: قم يا أمير المؤمنين، إلى دار الخلافة. فقال: مات موسى؟ قلت: نعم. فقال: الحمد لله، هاتوا

ثيابي، فإلى أن لبسها جاءني سرّا من عرّفني أنّه ولد له ابن من مراجل.

فقلت: أقرّ الله عينك يا أمير المؤمنين بابن من مراجل. ولم يكن عرف الخبر. فحمد الله كثيرا، وسمّاه عبد الله وهو المأمون، وركب وأنا معه إلى دار الخلافة.

قال: وحدّث أبو الحسن بن أبي طاهر محمّد بن الحسن الكاتب قال: قبض أبو جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله في وزارته على أبي وعليّ معه فحبسنا في حجرة من داره ضيّقة وأجلسنا على التراب وشدّد علينا، وكان يخرجنا كلّ يوم فيطالب أبي بمال المصادرة، وأضرب بحضرته ولا يضرب هو، ولا قينا من ذلك شدائد صعبة، فلما كان بعد أيام قال أبي:

إنّ هؤلاء الموكّلين بنا قد صارت لهم بنا حرمة فتوصّل إلى مكاتبة أبي بكر الصّيرفي-وكان صديقه-لينفذ لنا ثلاثة آلاف درهم نفرّقها عليهم. ففعلت ذلك، وأنفذ الدراهم من يومه.

فقلت للموكّلين في عشاء ذلك اليوم: قد وجبت لكم علينا حقوق فخذوا هذه الدّراهم فانتفعوا بها. فامتنعوا، فقلت: ما سبب امتناعكم؟ فورّوا عن ذلك. فقلت: إمّا قبلتم الدراهم، وإمّا عرّفونا السّبب.

فقالوا: نشفق عليكم من ذكره، ونستحي. فقلت لأبي، فقال: قل لهم اذكروه على كلّ حال. فقلت لهم، فقالوا: قد عزم الوزير على أن يقتلكما

اللّيلة، ولا نستحسن أن نأخذ شيئا منكما مع هذا. فقلقت، ودخلت إلى أبي في غير تلك الصّورة، فقال: مالك؟ فأخبرته الخبر. فقال: اردد الدّارهم على أبي بكر. فدفعتها إلى من جاء بها فردّها عليه.

وكان أبي يصوم تلك الأيّام كلّها، فلما غابت الشّمس تطهّر ولم يفطر، وصلّى المغرب، وصلّيت معه، ثم أقبل على الصّلاة والدّعاء إلى أن صلّى عشاء الآخرة، ثمّ دعاني، فقال لي: اجلس يا بني جاثيا على ركبتيك.

ففعلت، وجلس هو كذلك، ثم رفع رأسه إلى السّماء فقال: يا ربّ، محمد بن القاسم ظلمني، وحبسني على ما ترى، وأنا بين يديك، وقد استعديت إليك، وأنت أحكم الحاكمين، فاحكم بيننا، فاحكم بيننا.

لا يزيد عليها، ثم صاح بها إلى أن ارتفع صوته ولم يزل يكرّرها بصياح وبكاء، واستغاثة إلى أن ظننت أنّه قد مضى ربع الليل، فو الله ما قطعها حتّى سمعت صوت الباب يدقّ فذهب عليّ أمري، ولم أشكّ في أنّه القتل، وفتحت الأبواب، ودخل قوم بشموع، فتأمّلت فإذا فيهم سابور غلام القاهر بالله، فقال: أين أبو الطاهر؟ فقام أبي، وقال: ها أنا ذا. فقال: أين ابنك؟ فقال: هو ذا. فقال: انصرفا إلى منزلكما. فخرجنا وإذا هو قد قبض على الوزير محمد بن قاسم، وحدره إلى دار القاهر فانصرفنا.

وعاش محمد بن القاسم في الاعتقال ثلاثة أيام، ثم مات.

وقال الأصمعيّ: أتي عبد الملك بن مروان برجل قد قامت عليه

البيّنة بسرقة، فأمر بقطع يده، فقال الرّجل:

يدي يا أمير المؤمنين أعيذهابعفوك من عار عليها يشينها
ولا خير في الدّنيا ولا في نعيمهاإذا ما شمال فارقتها يمينها

قال: هذا حدّ من حدود الله، ولا بدّ من إقامته. فقامت أمّه، وكانت عجوزا كبيرة فقالت: يا أمير المؤمنين، ولدي، وكادّي وكاسبي وواحدي. فقال: بئس الولد ولدك والكادّ والكاسب والواحد، يا غلام، اقطع يده. فقالت: يا أمير المؤمنين، أما لك ذنوب تستغفر الله عليها؟ قال: نعم. قالت: فهبه لي واجعله من الذّنوب التي تستغفر الله عليها. قال: خلّوه. فأطلق.

وذكر أبو عبد الله الباقطائي قال: سمعت عبيد الله بن سليمان يحدّث في وزارته قال: [قال لي أبي]: أصبحت يوما وأنا في حبس محمد بن عبد الملك الزّيّات في خلافة الواثق آيس ما كنت من الفرج، وأشدّ محنة وغمّا، حتّى وردت عليّ ورقة أخي الحسن بن وهب وفيها شعر بعد رسالة:

خطب أبا أيّوب جلّ محلّهفإذا جزعت من الخطوب فمن لها
إنّ الذي عقد الذي انعقدت بهعقد المكاره فيك يحسن حلّها
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة
فاصبر فإنّ الله يعقب راحةولعلّها أن تنجلي ولعلّها
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
وعسى تكون قريبة من حيث لاترجو ويمحو عزّ جدّك ذلّها

فكتبت إليه:

صبّرتني ووعظتني وأنا لهاوستنجلي بل لا أقول لعلّها
ويحلّها من كان صاحب حلّهاثقة به إذ كان يحسن حلّها

قال: فلم يكن العتمة من ذلك اليوم إلا وأنا في داري مطلقا.

وذكر منارة صاحب الخلفاء قال: رفع إلى هارون الرّشيد أنّ رجلا بدمشق من بقايا بني أميّة، عظيم الجاه، واسع الدّنيا، كثير المال والأملاك، مطاعا في البلد، له جماعة مماليك وأولاد وموال يركبون الخيل، ويحملون السّلاح، ويغزون الرّوم، وأنّه سمح جواد كثير الضّيافة، وأنّه لا يؤمن منه فتق يتعذّر رتقه، فعظم ذلك على الرشيد.

قال منارة: وكان وقوف الرشيد على هذا وهو بالكوفة في بعض خرجاته إلى الحجّ سنة ستّ وثمانين ومئة، وقد عاد من الموسم وبايع للأمين والمأمون

والمؤتمن أولاده، فدعاني وهو على حال، فقال: إنّي دعوتك لأمر يهمني قد منعني النوم، فانظر كيف تعمل وتكون؟ ثمّ قصّ عليّ قصّة الأموي، وقال: اخرج الآن فقد أعددت لك الراحلة وأزحت علّتك في الزّاد والرّاحلة والنّفقة والآلات، وضمّ إليك مئة غلام فاسلك البريّة، وهذا كتابي إلى أمير دمشق، [وهذه قيود] فادخل، فابدأ بالرجل، فإن سمع وأطاع، فقيّده بها وائتني به، وإلا فتوكّل به أنت ومن معك لئلا يهرب، وأنفذ الكتاب إلى أمير دمشق ليركب في جيشه، واقبضوا عليه، وتجيئني به، وقد أجّلتك لذهابك ستا ولعودك ستا، ويوما لمقامك، وهذا محمل تجعله في شقّة وأنت في الأخرى، ولا تكل حفظه إلى غيرك حتى تأتيني به في اليوم الثالث عشر، وإذا دخلت داره فتفقّدها وجميع ما فيها، وولده وأهله وحاشيته وغلمانه، وما يقولون، وقدّر النّعمة والحال والمحل، واحفظ ما يقوله الرّجل حرفا حرفا، وإيّاك أن يشكل عليك شيء من أمره.

قال منارة: فودّعته وانصرفت وخرجت، فركبت الإبل، وسرت أطوي المنازل، وأسير الليل والنهار، ولا أنزل إلاّ للجمع بين الصّلاتين والبول وتنفيس الناس قليلا، إلى أن وصلت دمشق في أوّل اللّيلة السّابعة، وأبواب البلد مغلقة، فكرهت طرقها، فنمت بظاهر البلد إلى أن فتح بابه من غد، فدخلت على هيئتي حتّى أتيت باب الرّجل، وعليه صفف كثير عظيم،

وحاشية كثيرة، فلم أستأذن، ودخلت بغير إذن، فلما رأى القوم ذلك، سألوا بعض من كان معي عنّي، فقال: هذا منارة رسول أمير المؤمنين الرّشيد إلى صاحبكم. فأمسكوا فلما صرت في صحن الدّار نزلت ورأيت مجلسا فيه جماعة جلوسا، فظننت الرّجل فيهم، فقاموا إليّ ورحّبوا بي وأكرموني، فقلت: أفيكم فلان؟ قالوا: لا، نحن أولاده، وهو في الحمام، قلت: استعجلوه.

فمضى بعضهم يستعجله، وأنا أتفقّد الدّار والأحوال والحاشية فوجدتها قد ماجت بأهلها موجا شديدا، فلم أزل كذلك حتى خرج الرّجل بعد أن أطال، واستربت به، واشتدّ قلقي وخوفي من أن يتوارى، إلى أن أقبل شيخا بزيّ الحمّام، يمشي وحوله جماعة كهول وأحداث وصبيان هم أولاده وغلمان كثير فعلمت أنّه الرّجل، فجاء حتى جلس، وسلّم عليّ سلاما خفيفا، وسألني عن أمير المؤمنين، واستقامة أمر حضرته. فأخبرته بما وجب، وما قضى كلامه حتى جاؤوه بأطباق فاكهة، فقال لي: تقدّم يا منارة، فكل معنا. فقلت: ما بي إلى ذلك حاجة. فلم يعاودني، وأقبل يأكل هو والحاضرون عنده، ثم غسل يده، ودعا بالطعام، فجاؤوا بمائدة حسنة عظيمة لم أر مثلها إلاّ للخليفة، فقال: تقدّم يا منارة، فساعدنا على الأكل. لا يزيدني على أن يدعوني باسمي، كما يدعوني الخليفة، فامتنعت، فلم يعاودني، وأكل هو وأولاده، وكانوا تسعة عددهم، وجماعة كثيرة من أصحابه وحاشيته، وجماعة من أولاد أولاده، وتأمّلت أكله من نفسه، فوجدته أكل الملوك، وذلك الاضطراب الذي في داره قد سكن، ورأيت جأشه رابطا ووجدته لا يرفع من بين يديه شيء إلاّ

نهب.

وقد كانوا غلمانه أخذوا لما نزلت الدّار الجمال وجميع الغلمان الذي معي، فعدلوا بهم إلى دار له فما طاقوا ممانعتهم، وبقيت وحدي ليس بين يدي إلاّ ستة غلمان وقوف على رأسي، فقلت في نفسي: هذا جبّار عنيد، وإن امتنع عليّ من الشّخوص لم أطق إشخاصه بنفسي ولا بمن معي، ولا حفظه، إلاّ أن يلحقني أمير البلد، وجزعت، ورابني منه تهاونه بي، واستخفافه، يدعوني باسمي، ولا يفكّر في امتناعي من الأكل، ولا يسألني فيما جئت له، ويأكل مطمئنا، وأنا أفكّر في ذلك حتّى فرغ من طعامه، وغسل يده، واستدعى بالبخور، فتبخّر، وقام إلى الصّلاة، فصلّى الظّهر وأكثر من الدّعاء والابتهال، ورأيت صلاة حسنة، فلما انفتل من المحراب أقبل عليّ، وقال: ما أقدمك يا منارة؟ فقلت: أمر لك من أمير المؤمنين.

ودفعت إليه الكتاب ففضّه، وقرأه، فلما استتمّ قراءته، دعا أولاده وحاشيته فاجتمع منهم خلق عظيم، فلم أشكّ أنّه يريد أن يوقع بي، فلما تكاملوا ابتدأ فحلف أيمانا عظيمة فيها الطّلاق والعتاق والحجّ والصّدقة والوقف والحبس إن اجتمع منهم اثنان في موضع، وأن ينصرفوا فيدخلوا منازلهم، فلا يظهر منهم أحد إلى أن يظهر له أمر يعمل عليه. وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين يأمرني بالمسير إلى بابه، ولست أقيم بعد نظري فيه لحظة واحدة، فاستوصوا بمن ورائي من الحرم خيرا، وما بي حاجة أن يصحبني غلام، هات أقيادك يا منارة.

فدعوت بها وكانت في سفط، وأحضرت حدادا، ومدّ ساقيه فقيّدته،

وأمرت غلماني بحمله حتى حصل في المحمل، وركبت في الشّق الآخر.

وسرت من وقتي لم ألق أمير البلد ولا غيره، وسرت بالرّجل ليس معه أحد إلى أن صرنا بظاهر دمشق، فابتدأ يحدّثني بانبساط إلى أن أتينا إلى بستان حسن في الغوطة، فقال: ترى هذا؟ قلت: نعم. فقال: إنّه لي، وفيه غرائب من الأشجار. ثم انتهينا إلى آخر، فقال لي مثل ما قال في الأوّل ثم انتهينا إلى مزارع حسان وقرى سريّة، فأقبل يقول: هذا لي. ويصف لي كلّ شيء من ذلك، فاشتدّ غيظي منه، وقلت: أعلمت أنّي شديد التّعجّب منك؟ قال: ولم تعجب؟ قلت: أولم تعلم أنّ أمير المؤمنين قد أهمّه أمرك، حتى أرسل إليك من انتزعك من بين أهلك وولدك ومالك، وأخرجك عن جميع حالك وحيدا فريدا مقيّدا لا تدري إلى ما تصير إليه، ولا كيف تكون، وأنت فارغ البال، تصف بساتينك وضياعك، هذا بعد أن رأيتك وقد جئت وأنت لا تعلم فيم جئت. وأنت ساكن القلب، ولقد كنت عندي شيخا فاضلا.

فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، أخطأت فراستي فيك، ظننت أنّك رجل كامل العقل، وأنّك ما حللت من الخلفاء بذا المحلّ إلاّ بعد أن عرفوك بذلك، فإذا عقلك وكلامك يشبه عقل العوام وكلامهم، الله المستعان، أمّا قولك في أمير المؤمنين وإزعاجه لي وإخراجه إيّاي على صورتي هذه، فإنّي على ثقة بالله ﷿ الذي بيده ناصية أمير المؤمنين، ولا يملك لنفسه معه ضرّا ولا نفعا إلاّ بإذن الله ومشيئته، ولا ذنب لي عند أمير المؤمنين أخافه، وبعد ذا إذا عرف أمري وعلم سلامتي وصلاح ناحيتي، وأنّ الحسدة والأعداء رموني بما لست من طريقه، وتقوّلوا عليّ الأباطيل الكاذبة، لم يستحلّ دمي، وتحرّج من إيذائي وإزعاجي يردّني مكرّما، أو أقامني ببابه معظّما، وإن كان سبق في علم الله تعالى أنّه تبدر إليّ منه بادرة سوء، وقد حضر أجلي، وحان سفك

دمي على يده، فلو اجتمع أهل الأرض والسّماء على صرف ذلك عنّي لما استطاعوه، فلم أتعجّل الهمّ والغمّ وأتسلّف الفكر فيما قد فرغ الله منه؟ وإنّي حسن الظنّ بالله الذي خلق ورزق، وأمات وأحيا، وفطر وجبل، وأحسن وأجمل، وأين الصّبر والرّضا، والتّفويض والتّسليم إلى من يملك الدّنيا والآخرة؟ وقد كنت أحسب أنّك تعرف هذا، فإذا قد عرفت مبلغ فهمك فإنّي لا أكلّمك كلمة حتى تفرّق بيننا حضرة أمير المؤمنين قريبا إن شاء الله.

ثم أعرض عنّي فما سمعت له لفظة بغير القرآن والتّسبيح إلاّ أن يطلب ماء أو حاجة تجري مجراه، حتى شارفنا الكوفة في اليوم الثالث عشر بعد الظّهر وإذا النّجب قد استقبلتني على فراسخ من الكوفة يتحسّسون خبري، فلما رأوني رجعوا متقدّمين بالخبر إلى الرّشيد، فانتهيت إلى الباب في آخر النهار، وحططت.

ودخلت على الرّشيد، فقبّلت الأرض بين يديه ووقفت، فقال: هات ما عندك، وإيّاك أن تغفل منه لفظة واحدة. فسقت الحديث من أوّله إلى آخره حتى انتهيت من فراغ الأموي من الفاكهة والطّعام والغسل والطّهور والبخور والصّلاة، وما حدّثت به نفسي من امتناعه. والغضب في وجه أمير المؤمنين يتزايد حتى انتهيت إلى فراغه من الصلاة، وانفتاله إليّ، ومسألته عن سبب قدومي، ودفعي الكتاب إليه، ومبادرته إلى إحضار ولده وأسبابه، وحلفه ألاّ يتبعه أحد منهم، وصرفه إيّاهم، ومدّ رجليه حتّى قيّدته. فما زال وجه الرّشيد يسفر حتى انتهيت إلى ما خاطبني به عند توبيخي إيّاه. فقال: صدق والله، صدق، ما هذا إلاّ رجل محسود على النّعمة، مكذوب عليه؛ لتزول نعمته.

ولعمري، لقد آذيناه وأزعجناه وروّعناه ورعّبنا أهله. فبادر بنزع قيوده عنه، وائتني به.

فخرجت، فنزعت قيوده، وأدخلته فما هو إلاّ أن رآه حتّى رأيت ماء

الحياء يجول في وجهه ووجه الرشيد. فدنا الأمويّ، وسلّم بالخلافة، فردّ عليه الرّشيد ردّا جميلا، وأمره بالجلوس، فجلس، وأقبل عليه الرّشيد يسائله عن حاله، ثم قال له: بلغنا عنك فضل هيئة، وأمور أحببنا معها أن نراك، ونسمع كلامك، ونحسن إليك، فاذكر حاجتك. فأجاب الأموي جوابا جميلا وشكر ودعا وقال: مالي إلاّ حاجة واحدة. فقال: مقضيّة، فما هي؟ فقال: يا أمير المؤمنين، تردّني إلى بلدي وأهلي وولدي. قال: نحن نفعل ذلك، ولكن سل ما تحتاج إليه من مصالح جاهك ومعاشك؛ فإنّ مثلك لا يخلو أن يحتاج إلى شيء من هذا. فقال: عمّال أمير المؤمنين منصفون، وقد استغنيت بعدله عن مسألته من ماله، وأموري مستقيمة، وأحوالي منتظمة، وكذلك أحوال أهل بلدي بالعدل الشّامل في ظلّ دولة أمير المؤمنين، وما أغتنم ماله. فقال الرشيد: انصرف محفوظا إلى بلدك، واكتب إلينا بأمر إن عنّ لك. فودّعه الأمويّ. فلما ولّى خارجا، قال الرّشيد: يا منارة، احمله من وقتك وسر به راجعا حتى إذا أوصلته إلى المجلس الذي أخذته منه، فدعه فيه وانصرف. ففعلت ما أمر به.

قال: وقيل: كان الأفشين نقم على أبي دلف العجلي، وهو مضموم إليه في حرب بابك أشياء، فلما ظفر ببابك، وقدم من سرّ من رأى

شكاه إلى المعتصم بالله ليأمر بحبسه، فأمر بحبسه والتضييق عليه، ثم سأله أن يطلق يده عليه، فلم يفعل، وكان أحمد بن أبي دواد متعصّبا لأبي دلف، يقول للمعتصم: إنّ الإفشين ظالم له، وإنّه إنّما نقم عليه نصيحته في محاربة بابك، ودفعه ما كان الإفشين يذهب إليه من مطاولة الأيّام، وإنفاق الأموال، وانبساط اليد في الأعمال، وتركه متابعته على ذلك، فألحّ الإفشين على المعتصم في إطلاق يده عليه، وكان للإفشين قدر جليل عند المعتصم يدخل إليه بغير إذن.

قال أحمد بن أبي دواد: ودخلت على المعتصم يوما فقال لي: يا أبا عبد الله، لم يدعني اليوم أبو الحسن الإفشين حتى أطلقت يده على القاسم بن عيسى، فقمت من بين يديه وما أبصر شيئا جزعا على أبي دلف، ودخلني أمر عظيم، وخرجت، فركبت دابتي، وخرجت أسير أشدّ سير من الجوسق إلى دار الإفشين أؤمّل أن أدرك أبا دلف قبل أن يحدث عليه الإفشين حادثة.

فلما وقفت ببابه كرهت أن أستأذن، فيعلم أنّي حضرت بسبب أبي دلف فيعجّل عليه، فدخلت على دابتي إلى الموضع الذي كنت أنزل فيه، وأوهمت حاجبه أنّي جئت برسالة المعتصم. ثمّ نزلت ورفع السّتر، فدخلت فوجدت الإفشين في مجلسه، وأبو دلف بين يديه مصفّدا بالحديد، في نطع. وهو يقرّعه، ويخاطبه بأشدّ غضب وأغلظ مخاطبة. فحين قربت منه أمسك، فسلّمت وأخذت مجلسي، ثم قلت: قد عرفت حرمتي من أمير المؤمنين، ومكاني منه، وخدمتي إيّاه وموضعي عنده، وتفرّده بالصّنيعة عندي والإحسان، وعلمت أيضا ميلي إليك ومحبّتي لك، وقد رغبت [إليك] فيما يرغب [فيه] مثلي إلى مثلك ممّن قد رفع الله قدره، وأجلّ خطره، وأعلى همّته. فقال: كلّ ما قلت كما قلت، وكلّ ما أردت منيّ فهو مبذول لك خلا هذا الجالس، وإنّي لا أشفّعك فيه أبدا. فقلت: ما جئتك إلاّ في أمره، ولا ألتمس منك غيره، ولولا شدّة غضبك وما تتوعّده به من القتل لكان في جميل عفوك ما أغنى عن كلامك، ولكنّي لما عرفت غيظك وما تنقمه عليه احتجت-مع موقعه مني-إلى كلامك في أمره، واستيهاب عظيم جرمه؛ إذ مثلك في جلالتك إنّما يسأل جلائل الأمور. فقال: يا أبا عبد الله، هذا رجل طلب دمي فلم يقنعه إزالة نعمتي، فلا سبيل إلى تشفيعك فيه، ولكن هذا بيت مالي، وهذه ضياعي وكلّ ما أملك بين يديك، فخذ من ذلك كلّه ما أردت.

فقلت: بارك الله لك في أموالك وضياعك وثمرها، لم آتك في هذا، وإنّما أتيتك في مكرمة يبقى فضلها وحسن أحدوثتها، وتعتقد بها منّة في عنقي لا أزال مرتهنا بشكرها. فقال: ما عندي في هذا شيء البتّة. فقلت:

القاسم بن عيسى فارس العرب وشريفها، فاستبقه وأنعم عليه، فإن لم تره

لهذا أهلا فهبه للعرب كلّها، فأنت تعلم أنّ ملوك العجم لم تزل تفضل على ملوك العرب، ومن ذلك ما كان من كسرى إلى النّعمان حتى ملّكه، وأنت اليوم نقيّة العجم وشريفها، والقاسم شريف العرب فكن اليوم شريفا من العجم أنعم على شريف من العرب وعفا عنه. فقال: ما عندي في هذا جواب إلاّ ما سمعته مني. وتنكّر وتبيّنت الشرّ في وجهه، فقلت في نفسي:

أنصرف، وأدع هذا يقتل، لا والله، ولكنّي أمثل بين يديه قائما [وأكلّمه] فلعلّه يستحي. فقمت، وتوهّمني أريد الانصراف فتحفّز لي. فقلت: لست أريد الانصراف، وإنّما مثلت بين يديك قائما طالبا ضارعا سائلا مستوهبا هذا الرّجل منك. وكان جوابه أغلظّ فتحيّرت، وقلت في نفسي، أقبّل رأس هذا الأقلف لا يكون هذا أبدا. ثم راجعتني الشّفقة على أبي دلف، فقبّلت رأسه وضرعت إليه، فلم يجبني، فأخذت فيما قدم وحدث، وعدت فجلست، وقلت: يا أبا الحسن، قد طلبت إليك وضرعت ووضعت خدّي لك ومثلت بين يديك وقبّلت رأسك، فشفّعني، واصرفني شاكرا فهو أجمل بك. فقال:

لا والله، ما عندي إلاّ ما قلت لك. فقلت: فإنّي رسول أمير المؤمنين إليك، وهو يقول لك: لا تحدثنّ في القاسم بن عيسى حدثا، فإنّك إن قتلته، قتلت به. فقال: أمير المؤمنين يقول هذا بعد أن أطلق يدي عليه؟ قلت: نعم، أنا رسول أمير المؤمنين إليك بما قلته لك، فإن تكن في الطّاعة فاسمع وأطع، وإن كنت قد خلعت، فقل: لا طاعة، ونفضت في وجهه يدي، وقمت.

فاضطرب حتى إنّه لا يقدر أن يدعو إليّ دابتي، وركبت وأغذذت السّير إلى

المعتصم لأخبره بالخبر، وبما اضطررت إليه من تأدية رسالة باطلة عنه، لأنّي علمت أنّه لم يقل لي ما قاله إلاّ وهو يحبّ استبقاء أبي دلف.

فانتهيت إلى الجوسق في وقت حار، والحجّاب جميعا نيام، والدار خالية، فدخلت حتى انتهيت إلى ستر الدّار التي فيها المعتصم، وجلست وقلت: إن جاء الإفشين دخلت معه وتكلّمت، وإن سهل الوصول أخبرت أمير المؤمنين بالخبر كلّه.

فبينا أنا كذلك إذ خرج خادم صغير من وراء السّتر، ثم دخل وخرج، فقال: ادخل. فدخلت، وقلت: يا أمير المؤمنين، ما لي حرمة؟! مالي ذمام؟! أمالي حقّ؟! أما في فضل أمير المؤمنين ونعمته عليّ ما تجب رعايته؟! فقال: مالك يا أبا عبد الله، ما قصّتك؟ اجلس اجلس.

فجلست. ثم قلت: يا أمير المؤمنين، قلت اليوم لي في القاسم بن عيسى قولا علمت معه أنّك أردت استبقاءه، وحقن دمه، فمضيت من فوري إلى أبي الحسن الإفشين، ثم قصصت عليه القصّة إلى أوّل الرسالة التي أدّيتها عنه، وهو في كلّ ذلك يتغيّظ، ويفتل سباله حتى [إذا] أردت أن أعرّفه الرّسالة، قطع عليّ، وقال: يمضي قاضيّ، وصنيعتي أحمد بن أبي دواد إلى خيذر فيخضع له، ويقف بين يديه، ويقبّل رأسه فلا يشفّعه، قتلني الله إن لم أقتله. يكرّرها فما استوفى كلامه حتّى رفع السّتر، ودخل الإفشين فلقيه بأكبر اللّين واللّقاء، وقال: في هذا الوقت الحارّ يا أبا الحسن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، رجل عرفت ما نالني منه، وأنّه طلب دمي، وقد أطلقت يدي عليه، يجيء هذا ويقول: إنّك بعثت إليّ تأمرني أن لا أحدث فيه حدثا، وإنّي إن قتلته قتلت به. قال فغضب المعتصم، وقال: نعم، أنا أرسلته إليك فلا تحدث على القاسم حدثا. فنهض الإفشين مغضبا يدمدم. واتّبعته لأتلافاه، فصاح بي

المعتصم: ارجع، يا أبا عبد الله. فرجعت وقلت: يا أمير المؤمنين، إنّه كان بقي شيء قطعتني بكلامك عن ذكره لك. قال: تعني الرّسالة؟ قلت: نعم.

قال: قد فهمتها، والقاسم يوافيك العشيّة، فاحذر أن تتفوّه بكلمة ممّا جرى.

ومضى الإفشين، فأطلق القاسم وخلع عليه، وجاءني القاسم من عشيّة، وما أخبرت بالحديث حتى قتل الإفشين، ومات المعتصم.

ولأبي دلف يشكر أحمد بن أبي دواد على استنقاذه من القتل:

ما زلت في غمرات الموت مطّرحاقد غاب عني وجوه الأمن والحيل
فلم تزل دائبا تسعى بجهدك ليحتّى اختلست حياتي من يدي أجلي

وقيل: إنّ عاملا كان للمنصور على فلسطين كتب إليه: أنّ بعض أهلها وثب عليه، واستغوى جماعة، وعاث في العمل. فكتب إليه المنصور: دمك مرتهن به إن لم توجّه به إليّ. فصمد له العامل، وأخذه ووجّه به إليه. فلمّا مثل بين يديه، قال له: أنت المتوثّب على أمير المؤمنين؟! لأنثرنّ من لحمك أكثر ممّا يبقى على عظمك. قال: وكان شيخا ضئيل الصوت فقال بين يديه:

أتروض عرسك بعد ما هرمتومن العناء رياضة الهرم

فلم يفهم المنصور ما قال، فقال: يا ربيع، ما يقول؟ قال: إنّه يقول:

العبد عبدكم والمال مالكمفهل عذابك عنّي اليوم مصروف

فقال المنصور: يا ربيع، قد عفوت عنه؛ فخلّ سبيله، واحتفظ به، وأحسن إليه.

النص من طبعة دار صادر (١٩٩٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنس المسجون وراحة المحزون»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.