من «مطالع البدور ومنازل السرور» للغزولي (ت ٨١٥هـ)
الباب الحادي عشر في الأراييح الطيبة والمروحة وما شاكل ذلك
قال أنس بن مالك (: دخل علينا النبي ﷺ فنام عندنا فعرق وجاءت أمي بقارورةو فجعلت تسلت فيها العرق فاستيقظ فقال: يا أم سليم ماهذا الذي تفعلين قالت عرقك نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب.
وما أحق هذا الطيب بقول القائل وهو الشيخ عز الدين الموصلي:
تنشق مسك أصداغي حلالافهذا الطيب من عرق الجبين
وقال عمر بن الخطاب (: لو كنت تاجراً ما اخترت غير المسك إن فاتني ربحه لم يفتي ريحه.
أهدى عبد الله بن جعفر لمعاوية قارورة من الغالية، فسأله كم أنفق عليها فذكر مالاً كثيراً، فقال هذه غالية فسميت بذلك.
وما أحسن قول أبي بكر الخوارزمي (توفي سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة):
وطيب لا يحل بكل طيبيحيينا بأنفاس الحبيب
متى تشمه أنف حن قلبكأن الأنف جاسوس القلوب
وكان يوزن بين يدي عمر بن عبد العزيز (مسك للمسلمين فيأخذ بأنفه لئلا يصيب الرائحة ويقول: وهل ينتفع إلا بريحه.
وقال جعفر بن سليمان الهاشمي في الطيب أربع خصال: لذة ومروة ومنفعة وسنة.
ولما دخل عمر بن عبد العزيز بفاطمة بنت عبد الملك بن مروان ابنة عمه أوقد في مسارجها تلك الليلة الغالية فقوم ثمن ذلك فبلغ عشرين ألف دينار.
ناديرة: تبخر بعض الأمراء وعنده مزيد ففطرت منه رويحة خفيفة وأراد أن يدري هل فطن لها مزيد، فقال ما اطيب هذه المثلثة، فقال نعم إلا انك ربعتها.
سئل جالينوس عن منافع الطيب فقال: المسك يقوي القلب، والعنبر يقوي الدماغ والكافور يصلح الرئة، والعود يقوي المعدة، والغالية تحلل الزكاة، والمثلث ينشف العرق.
وقال ضياء الدين المناوي في المسك:
المسك أنفس طيبمثل الشباب وزينه
إن كان للطيب عينفالمسك إنسان عينه
وله في العود:
المندلىّ كريمسقيا له ولغرسه
لما أراد يريناللهند نسبة جنسه
غدا على النار ملقىيجود فيها بنفسه
وقال الشيخ زين الدين بن الوردي:
تجادلنا أماء الزهر أذكىأم الخلاف أم ورد القطاف
وعبقي ذلك الجدل اصطلحناوقد حصل الوفاق على الخلاف
ولبعضهم في مبخرة:
عطرت مجلسي بنية طيبأعربوا شكلها بحسن البخاري
وإذا اعتل للنسيم بخاراسندوا نحوها صحيح البخاري
وللشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة فيها:
ومبخرة تحكي المتيم في الهوىتبوح بما تلقاه من شدة الكرب
تقةول وقد نمت بعرف بخورهاأأكتم ما ألقاه والنار في قلبي
ولمؤلفه لطف الله به وإن كان مقصودنا:
مذ باعني بالآس لابالبان من أعطافه
حكموا بصحة بيعهمع علمهم بخلافه
وله:
سرحت مشطي سائلاًتصحيف قولي غاليه
إن لم تجد برخيصهافالنار منها غاليه
وقال الشيخ جلال الدين بن خطيب داريا:
حكيت في اللطف نسج العنكبوت علىأني ظهرت لكم من جوهر قاسي
يكاد أن لا يراني غير ذي نظرمن اللطافة إلا طيب أنفاسي
صفة غالية لذيذة يؤخذ مسك جيد جزء وعنبر ربع جزء ومسك جزآن وسنبل الطيب جزء يسحق الجميع ناعماً ويعجن بدهن بان ويرفع ويستعمل.
صفة ند له في تفريح القلب أمر عجيب وفعل بالغ غريب. يؤخذ عنبر جيد فيوضع في إناء مسطح من نحاس على نار ويصب عليه شيء يسير من ماء ورد ويترك إلى أن يلين ويدعك ويعلق به وزنه مسك جيد ومثل نصف وزنه عود مسحوقاً ويدعك دعكاً جيداً ويبسط على رخامة ويقطع قطعاً ويبخر به فإنه عجيب في تقوية القلب والقوة وإحداث التفريح صفة ذريرة منسوبة إلى جعفر البرمكي وكان كثير التبخير بها في أكثر ساعات نهاره وليله: يؤخذ سليخة وقرنفل وفاغرة من كل واحد جزء وسنبل الطيبب وقسط مر وصندل مقاصيري وعود وكبابة وفاقلة من كل واحد نصف جزء وزعفران ربع جزء يدق الجميع ناعماً ويوضع في إناء من صيني ويسقى بماء الورد وماء القرنفل والنمام وماء الآس كل يوم مدة ثلاثة أيام، ثم يترك إلى أن يجف ويسحق ناعماً ويضاف إليه كافور ومسك ويتبخر به.
نقلت هذه الصفحة من كتاب (مفرج النفس) تأليف الحكيم الفاضل بدر الدين مظفر بن قاضي بعلبك الذي ألفه للأمير الفاضل سيف الدين عمر بن قول المشد تغمده الله بالرحمة.
القول في المروحة: وهي ثلاثة أنواع: مروحة الخيش، ومروحة الأديم، ومروحة الخوص، ومن أحسن ما سمع فيها قوله عرقلة:
ومحبوبة في القيض لم تخل من يدوفي القر يسلوها أكف الحبائب
إذا ما الهوى المقصور هيج عاشقاًأتت بالهوى الممدود من كل جانب
وقال ابن معقل:
ومروحة أهدت إلى النفس روحهالدى القيض مثبوتاً بإهداء ريحها
روينا عن الريح الشمال حديثهاعلى ضعفه مستخرجاً من صحيحها
وقال نور الدين على ابن صاحب تكريت ولله دره:
يا سائلي عن نسيم طىّ مروحةأهدت سروراً بترجيع وترويح
أما ترى الخوص أهدى من مراوحهما أودعته قديم نسيمة الريح
قلت: وعلى ذكر الخوص فما أحسن ما قاله الشيخ برهان الدين القيراطي في وصف النوق:
صاح هذي قباب طيبة لاحتوفؤادي على اللقاء حريص
وتبدت نخيلها للمطايافعيون المطي للنخل خوص
قال أبو الفوارس سوار بن إسرائيل الدمشقي (مولد ابن إسرائيل سنة ثلاث وستمائة ووفاته سنة سبع وسبعين وستمائة): كنت عند صلاح الدين يوسف بن أيوب فحضر إليه رسول صاحب المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ومعه قود وهدايا فلما جلس أخرج من كمه مروحة بيضاء عليها سطران من نساجة السعف الأحمر وقال الشريف لخدم السلطان خذ هذه المروحة فما رأيت أنت ولا أبوك ولا جدك مثلها فاستشاط السلطان صلاح الدين غضباً فقال الرسول: لا تعجل بالغضب قبل تأملها وكان صلاح الدين ملكاً حليماً فإذا فيها مكتوب:
أنا من نخلة تجاور قبراساد من فيه سائر الناس طرا
شملتني سعادة القبر حتىصرت في راحة ابن أيوب أقرا
وإذا هي من خوص النخل الذي في مسجد رسول الله ﷺ، فقبلها صلاح الدين ووضعها على وجهه.
وقال بعضهم فيها:
إنني أجلب الرياح وبي يذهب الخجل
وحجاب إذا الحبي??ب ثنى الرأس للقبل
وأما مروحة الأديم فإنها على نوعين أحدهما مستديرة إلا موضع النصاب لا غير، والأخرى مستديرة، ثم يقطع ربع دائرتها التي تلي الوجه.
وفيها يقول ابن خروف:
ومروحة إذا تأملتهاترى فلكاً دائراً باليد
وتطوي وتنشر من حسنهافتشبه قنزعة الهدهد
وأما مروحة الخيش فقد ذكرها الحريري في المقامات حيث قال: اسمعوا وقيتم الطيش ومليتم العيش وأنشد ملغزا في مروحة الخيش:
وجارية في سيرها مشمعلةولكن على أثر القفول قفولها
لها سائق من جنسها يستحثهاعلى أنه في الاحتثاث سليها
ترى في أوان القيض تنطق بالنداويبدو إذا ولي المصيف قحولها
قال الشريشي في شرح المقامات: هذه المروحة تكون شبيه الشراع للسفينة وتعلق في سقف ويشد بها حبل تدير به مشيها وتبل بالماء وترش بماء الورد، فإذا أراد الرجل في القائلة أن ينام جذبها بحبلها فتذهب بطول البيت وتجيء فيهب على الرجل منها نسيم بارد طيب الريح فيذهب عنه أذى الحر ويستطب وهي فوقه ذاهبة وجائية؛ ولذلك سماها جارية.
ومشمعلة سريعة الذهاب وقفولها رجوعها والسائق الشريط الذي يسوقها إذا جذبت به يستحثها يستعجلها ومن جنسها أي هو من كان مثلها رسيلها أي يرسل معها لزاوية البيت، وترجع معها أو إن القيض وقت الصيف وتنطف تقطر، وقحولها يبسها انتهى. كلام الشريشى.
قال الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة: وهذه المروحة محدثة في زمن بني العباس وكان سبب حدوثها أن هارون الرشيد دخل يوماً على أخته علية بنت المهدي في قيض شديد فألقاها قد صبغت ثياباً من زعفران وصندل ونشرتها على الحبال لتجف فجلس هارون قريباً من الثياب المنشورة فجعلت الريح تمر على الثياب فتحمل منها ريحاً بليلة عطرة فوجد لذلك راحة من الحر واستطابة، فأمر أن يصنع له في مجلسه مثله على الوجه المشروح في كلام الشريشى فاشتهرت واستعلمها الناس.
ومن ملح ألغاز الصاحب بن عباد فيها قوله لأبي العباس الحارث في يوم قيض ما يقول الشيخ في قبله فلم يفهم عنه اراد في قلب الشيخ وهو خيش وقال السرى الرفاء:
وخيش كما نجرت ذيول غلائلمصندلة تختال فيها الكواعب
وقد اطلعت فيها الشمائل وأنشدتمقبلة في جانبيها الحبائب
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع