تجاوز إلى المحتوى

من «مطالع البدور ومنازل السرور» للغزولي (ت ٨١٥هـ)

الباب الثاني عشر في الطيور المسمعة

القول على الببغاء وهو طائر هندي وحبشي دمث الخلق ثاقب الفهم له قوة على حكاية الأصوات وتلقى التلقين، تتخذه الملوك في منازلهم لينم بما يقع فيها من الأخبار، وفي لونه الأغبر والأخضر والأسود والأحمر والأصفر والأبيض، وقد أهديت لمعز الدولة هدية من اليمن فيها ببغا بيضاء سوداء المنقار والرجلين وعلى رأسها ذؤابة فستقية وكل هذه الألوان معدومة خلا الأخضر، وفي طبع هذا الطائر أنه يتناول طعامه برجليه كما يتناول الإنسان الشيء بيده وله منقار معقق يكسر به الصلب وينقب به ما يعسر نقبه، يتزاوج ويتعاشق ويسكن الذكر إلى أنثاه وله عفة في مأكله ومشربه ومنكحه، ليس بشره ولا أشر وهو بمثابة الإنسان الظريف، والناس يحتالون على تعليمه بأن ينصب له تجاهه مرآة بحيث يرى خياله فيها ويتكلم الإنسان من ورائها فيتوهم أن خياله في المرآة وهو المتكلم فيأخذ نفسه بحكاية ما يسمعه من صوت الإنسان.

الوصف: كتب أبو اسحاق الصابي إلى أبي الفرج أبياتاً في الببغاء منها (توفي سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة):

زارتك من بلادها البعيدةواستوطنت عندك كالقعيدة
ضيف قراه الجوزا والأرزوالضيف في أبياتنا يعز
تراه في منقاره الخلوقيكلؤلؤ بالعقيق
ينظر من عينين كالفصينفي النور والظلمة بصاصين
يميس في حلته الخضراءمثل الفتاة الغادة العذراء
خريدة حذروها الأقفاصليس لها من حبسها خلاص

فأجابه بأبيات منها:

وحسن منقار أشم قانكأنما صيغ من المرجان
للشاعر الببغاء، من قصيدة «من منصفي من محكم الكتاب»
صيرها أفرادها في الجنسبنطقها من فصحاء الأنس
يحكي الذي تسمعه بلا كذبمن غير تغير لجد أو لعب
ذات غشا تحسبه ياقوتاًلاترضى غيير الأرز قوتا
كأنما الحبة في منقارهاحبابة تطفو على عقارها
للشاعر الببغاء، من قصيدة «من منصفي من محكم الكتاب»
أقدامها ببأسها الشديدأوقعها في قفص حديد

وهذه المذكورة تسمى في هذه البلاد الدرة.

ومن ظريف ما سمعته فيها قول الشيخ الإمام العالم النحوي المفنن زين الدين عمر بن المظفر أبي الفوارس الشهير بابن الوردي رحمه الله تعالى فبينما الطاوس مصغ إلى الياسمين وهو على ما ساقه الذنب على ساقه حزين وإذا بدرة خضراء لا بل درة عذراء تقول أف لطاوس الطير من طاوس القراء أيها الطاوس اطريد المعكوس الشريد شغلك ظاهر الثياب عن باطن العيوب إن الله لا ينظر إلى الثياب ولكن ينظر إلى القلوب هلا شغلت بمداواة أمراضك عن بساتينك وغياضك ولم لا أفنيت عن ملبوسك وعجبك ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك شاركت آدم في الخروج من الجنة والأسف عليها فشاركه في التوبة والاستغفار والعودة إليها، على أن آدم خرج من الجنة قهراً ليزرع في الأولى ما يحصده في الآخرة وأما أنا أيها الطاوس فإني رأيت نفوس البشر أشرف النفوس كرمهم الرب وفضلهم وخلق الموجودات لهم فشاركتهم نطقاً وزرقاً ونادمتهم ونديم السعداء لا يشقى فسبحان من بيده الخير المؤلف بين البشر والطير ومن أعجب أحوالي أن الصمت محمود أفعالي لأني طائر ضعيف ولا أقاس على البشر في التكليف:

غائب في القلب حاضركاسر للصب جابر
أنا من خوف جفاهواقع والقلب طائر
أنا بالمحبوب فخرىفانتصب يا من يفاخر
أنا من جودة فكريعرفت باسمي الجواهر
ها أنا الدرة فأعرفقيمتي إن كنت تاجر

القول على القمري: سمي بذلك لبياضه وحكاية صوته وهو يضحك كما يضحك الإنسان ومن طبعه أنه شديد المودة والرحمة.

أما مودته فإنه يفرخ على فنن من أفنان شجرة كلها أعشاش لأبناء جنسه يصاحبها كل يوم ولا يعتزل اعتزال الغراب.

وأما رحمته فإنه يربي ولده ويعف عن أنثاه مادام ولده صغيراً، وهو يطاعم أنثاه وتطاعمه ويظهر منه عليها، وله وفيه من المروءة أنه متى تزوج لايبتغي بأنثاه بدلاً.

وله اعتناء بنفسه وإعجاب بها ومن عادته أنه يعمل عشه في طرف فنن دائم الاهتزاز احترازاً على فرخيهخ ليلاً يسعى إليه من الحيوان الماشي ما يقتلها.

الوصف قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر ملغزاً فيه: ما معمي رأيته في عداد المطير كم له من مترجم كم له من مشجر كم له من كآبة ظهرت بالتدبر كم خواف له بدت لا لتماح المبصر كله معجم وان زال بعض له قرى ذكرت بقوله كم خواف له ما أنشدنيه من لفظه لنفسه ونقلته من خطه المعز الأشرف المرحوم أوحد الدهر ونخبة العصر القاضي أمين الدين محمد الأنصاري صاحب ديوان الإنشاء بالشام المحروس من قصيدة امتدح بها المعز الصاحب المرحوم فخر الدين عبد الرحمن بن مكانس ناظر الدولة الشريفة بالديار المصرية سامحه الله تعالى أولها:

جفون من تأرقها دواميمدامعها تفيض على الدوام

ويقول في آخرها:

قوادمها ينرن ولسن عنهخواف تحت أجنحة الظلام

وقال الشيخ برهان الدين القيراطي:

تنفس الصبح فجاءت لنامن نحوه الأنفاس مسكيه
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة
وأطربت في العود قمريةوكيف لا تطرب عوديه
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة

وأنشدني سيدي القاشي شهاب الدين بن حجر فسح الله في أجله من لفظه لنفسه بتاريخ ثالث عشر ربيع الأول من شهور عام اثنين وثمانمائة بالقاهرة المحروسة بمنزله عمره الله ببقائه بحارة بهاء الدين:

تخيرت رسلاً سرنا عندهم خفاإليكم وتلك الرسل فهي الحمائم
إذا قدمت مني عليكم فيا لهاخوافي سر حملتها قوادم

وأما الفاخت فهي عراقية وليست بحجازية وفيها فصاحة وحسن صوت وصوتها في الحجازيات يشبه صوت المثلث وفي طبعها تأنس بالناس وتعشش بالدور وهذا الحيوان يعمر وقد ظهر منه ما عاش خمساً وعرشين سنة وما عاش أربعين سنة على ما حكاه أرسطو.

الوصف: أنشدني من لفظه لنفسه إجازة أوحد المتكلمين العالم المفنن فريد الدهر المرحوم القاضي أمين الدين الأنصاري صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالشام المحروس ملغزاً في فاختة:

وما طائر يهوى الرياض تنزهاويسوح في أفنائها ويغرد
هجاء اسمه خمس حروف تعدهاوخمساه حرف إن تأملت مفرد
وبعدهما تصحيف باقية إن تردبياناً له أفعى يبين ويشهد
وفيه أخ إن تهت عنه فأختهتدل على ما قد عنيت وترشد

قلت: أنشأت هذا اللغز الظريف التركيب للشيخ العلامة بقية السلف الصالح زين الدين أبي بكر بن عثمان الشهير بابن العجي بمنزلة بمدرسة الكاملية بشارع بين القصرين عند ارتحالي في أوائل سنة خمسة وتسعين وسبعمائة فأجاب بهذه الأبيات:

ايا من له مجد أثيل وسؤددغدا دون مرماه سماك وفرقد
تفيد يسار المقترين يمينهويسراه من يمنى الغمامة أجود
سؤالك عن أنثى طروب ولم تزلعلى عودها في الروض تشدو وتنشد
وتجذبني بالطوق حين نشيدهالنحو التصابي لا أطيق أفند
يطير بها نحو النجاح جناحهافتبلغ

ما تختار ثم وتقصد

وفي بطن أنثى لم تصور وإنماتصورها من جنسها من يرفد
تذكرني تدركاها أم هانئفتشرف في نفسي إذا وتمجد
ومذ بان منها الطرف أمست بعكسهاتخاف الردى ممن لها يترصد
وإن حذفت ثاني الأخير فإنهعلى الحذف خاف بل يلوح ويشهد
وأولها مع مايليه وطرفهالنا فاه بالمعنى الذي منه يقصد
وحرفان منها فرد حرف لناطقوأف لمن للعكس من ذاك يجحد
وتفتح فاها حين يفقد ثالثاًوثالثه يخشاه من يتصيد
فخذه مبيناً مغيضاً عن إساءتيفإنك للإحسان أهل ومقصد
بقيت بقاء الدهر عزك باذخوفي مفرق الجوزا لوءاك يعقد
ولا زلت في الدنيا سعيداً مملكاًحظك في الآخرة النعيم المخلد

وأما الشعين وهو الذي تسميه العامة اليمام وصوته في الترنم كصوت الرباب في الأوتار صوتاً محزوناً جداً وهي متى اختلطت مع أصواتها غيرها حسنت وأما مفردة فلا لأن الزأر مستحسن مع الغناء وغير مستحسن وحده.

وفي طبعه أنه متى فقد أنثاه لم يزل عزباً يأوي إلى بعض فراخه حتى يموت، وكذلك الأنثى إذا فقدت الذكر.

وفي تركيبه أنه إذا سمن سقط ريشه وامتنع من السفاد فهو لذلك لا يشبع نفسه.

وهو طائر ساكن جداً وقد ألهم أنه يحترس من أعدائه بالسوسن يتخذه في وكره.

الوصف: ولنذكر الآن ما وقع للشعراء في أصواتهن جملة لا تفصيلاً فمن ذلك قول الحسام الحاجري (توفي مقتولاً سنة اثنتين وثلاثين وستمائة):

إني لا اعذار في الأراك حمامة الش?ِادي كذلك تفعل العشاق
حكم الغرام الجاجري بأسرهافغدت وفي أعناقها أطواق

قال القاضي الفاضل:

لو كنت جاوبت الحمائم نائحاًقال الوشاة إذاع سرك بائحاً
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «لو كنت جاوبت الحمائم نائحا»
سل طائراً صدع الفؤاد بسحرهأتراه غرد صادعاً أم صادحاً
يا ضعف من أمسى الفريسة في الهوىوغدا الحمام له هنالك جارحاً
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «لو كنت جاوبت الحمائم نائحا»

وقال المناري:

لقد عرض الحمام لنا بسجعإذا أصغى له ركب تلاحا
للشاعر المنازي، اقرأ القصيدة
شجى قلب الخلى فقيل غنيوبرح بالشجى فقيل ناحا

قلت: وبعد هذين أبيات فلا بأس بذكرها وإن لم يكن مما نحن فيه:

وكم للشوق في أحشاء صبإذا اندملت أجد لها جراحاً
للشاعر المنازي، اقرأ القصيدة
ضعيف الصبر عنك وإن تقاوىوسكران الفؤاد وإن تصاحاً
للشاعر راضي القزويني، اقرأ القصيدة
كذاك بنو الهوى سكرى صحاةكأحداق المهى مرضى صحاحاً
للشاعر المنازي، اقرأ القصيدة

قلت: ولهذه الأبيات حكاية غريبة نقلتها من خط الحافظ اليعموري (ولد سنة ستمائة وتوفي سنة اثنتين وسبعين وستمائة) روى أن أبا نصر المناري المذكور واسمه أحمد بن يوسف دخل على أبي العلاء المعري وهو في الشام في جماعة من الأدباء فأنشده كل واحد من شعره ما تيسر حتى أنشده المناري أبياتاً له في وصف واد وهي:

وقانا لفحة الرمضاء وادسقاه مضاعف الغيث العميم
للشاعر حمدة بنت زياد، اقرأ القصيدة
نزلنا دوحة فحنا عليناحنو المرضعات على الفطيم
للشاعر المنازي، اقرأ القصيدة
وأرشفنا على ظمأ زلالاأرق من المدامة للنديم
للشاعر المنازي، اقرأ القصيدة
يصد الشمس أنَّا واجهتناويحجبها ويأذن للنسيم
تروع حصاه حالية العذارىفتلمس جانب العقد النظيم
للشاعر المنازي، اقرأ القصيدة

فقال ابو العلاء: أنت اشعر من بالشام، ثم رحل إلى بغداد فدخل المناري عليه في جماعة من أهلها من الأدباء وأبو العلاء لا يعرف منهم أحداً فأنشده كل واحد ما حضره من شعره حتى جاءت نوبة المناري فأنشده لنفسه الأبيات المتقدمة فقال أبو العلاء ومن بالعراق إشارة إلى قوله من بالشام (توفي المناري سنة سبع وثلاثين وأربعمائة).

وقال الشيخ صفي الدين الحلي:

وبشرت بوفاة الليل ساجعةكأنها في غدير الصبح قد سبحت
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «يا نسمة لأحاديث الحمى شرحت»
مخضوبة الكف لاتنفك نائحةكأن أفراخها في كفها ذبحت

وقال محيي الدين بن عبد الظاهر:

نسب الناس لحمامة حزناًوأراها في الحزن ليست كذلك
خضبت كفها وطوقت الجي??د وغنت وما الحزين كذلك

وقال جمال الدين محمد بن نباتة:

ما لي نديم سوى ورقاء ساجعةمن بعد مغتبقي فيكم ومصطحبي
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «ما لي نديم سوى ورقاء ساجعة»
إذا أدار إدكار الوصل لي قدحاًمن احمر الدمع غناني على قدحي
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «ما لي نديم سوى ورقاء ساجعة»

وله:

ناجتك من مغنى دمشق حمائمفي دف أشجار تشوق لطفها
فإذا أشار لها النديم بلطفهغنت عليه بجتكها وبدفها

وقال علاء الدين الوداعي:

وفي أسانيد الأراك حافظللعهد يروي صبره عن علقمه
للشاعر علاء الدين الوداعي، اقرأ القصيدة
وكلما ناحت به حمامةروى حديث دمعه عن عكرمه

وقال بدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي:

وتنبهت ذات الجناح بسحرةبالواديين فنبهت أشواقي
للشاعر ابن لؤلؤ، اقرأ القصيدة
ورقاء قد أخذت فنون الحزن عنيعقوب والألحان عن اسحاق
للشاعر ابن لؤلؤ، اقرأ القصيدة
قامت تطارحني الغرام جهالةمن دون صحبي بالحمى ورفاقي
أنا تباريني جوى وصبابةوكآبة وأسى وفيض مآقي
وأنا الذي أملى الهوى عن خاطريوهي التي تملي من الأوراق

وقال ناصح الدين الأرجاني (ولد سنة ستين وأربعمائة، وتوفي سنة أربعين وخمسمائة):

من كل أخطب مسكي الإهاب لهفي منبر الإيك تسجاع وتهدار
خطيب خطب وقد أفنى السواد بهفمن بقيته في الجيد أزوار
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «نشدتك الله هل تدرين يا دار»

قلت: وأنشدني من لفظه لنفسه الشيخ عز الدين الموصلي رحمه الله تعالى:

مذغنت الورق على عيدانهاكم خلع الجو عليها من ملح
تدرعت سحبا وخاضت شفقاوطوقت أعناقها قوس قزح

وقال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر:

ذات طوق وذات ريق تغنيفتثني بالوجد من ليس يدري
زيفت ثم كاشفتنا فقلنالك زيق وزيق بالقفر
مانراها قد حدثت خاطر النه??ر بما قد جرى وما منه يجري

وأنشدني من لفظه لنفسه سيدي وأخي تقي الدين أبي بكر بن حجة:

ناحت مطوقة الرياض وقد رأتدمعي تلون بعد فرقة حبه
لكن بتلوين الدموع تباخلتفغدت مطوقة بما بخلت به

وقال الشيخ بدر الدين بن الصاحب:

ناحت حمام البان أن تاهت أسىلم أدر ما غناؤها من شوقها
عجماء لا تظهر حرفاً من شجىلأنها مخنوقة بطوقها

وقال أيضاً:

وذات طوق على الأغصان تذكرنيقوام حسنك في ضمى لمعتنقك
قد سودت مهجتي نوحاً فقلت لهسواد قلبي يا ورقاء في عنقك

وقال الأمير مجير الدين بن تميم:

لم أنس قول الورق وهي حبيسةوالعيش منها قد أقام منغصاً
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة
قد كنت ألبس أخضرا من أغصنفلبست منها بعد ذاك مقفصا

وقال الأمير سيف الدين المشد في قفص:

أنا للطائر سجنأقتنى كل مليح
قضب البان ضلوعيوحمام الأيك روحي

وله على لسان الطائر:

يا غصون البان ماذابلغ الأحباب عني
ما شجاهم طول نوحيما كفاهم فرط حزني
حبسوني عن مطاريلا لمعنى ولفن
غير أني كنت مهماًيشرب الراح أغنى

ولمؤلفه لطف الله به من قصيدة:

حمام الأيك أسعدنيفإني حلف تبريح
وحزني حزن يعقوبفأبكى الصب أو نوحي

وأما الديك فمت ورد فيه أن النبي ﷺ قال: الديك الأبيض صديقي وعدو عدو الله يحرس دار صاحبه وسبع دور حوله وكان يبيته معه، وزعم أهل التجربة أن الرجل إذا ذبح الديك الأبيض الأفرق لم يزل ينكب في أهله وماله.

قيل: والفرخ يخلق من البياض والصفرة غذاؤه، وقيل ليس في الدنيا أبخل من أهل مرو حتى إن الديك ينزع الحبة من أفواه الدجاج مع أن العادة خلاف ذلك وكأن ماء مرو يقضي ذلك فيسري في جميع حيوانها.

كان مروان ابن أبي حفصة من أبخل الناس مع يساره وما أصابه من الخلفاء لاسيما من بني العباس فإنه كان رسمه أن يعطوه لكل بيت يمدحهم به ألف درهم.

قال دعبل: كنت عنده في بعض الأيام أنا وجماعة فأخذنا في الحديث وطال المجلس حتى أضر به الجوع فدعاه بغداه فأتى بصحيفة فيها مرق ولحم ديك قد هرم لا تجز فيه السكين ولا يؤثر فيه ضرس فأخذ قطعة من خبز فحسا بها جميع المرق وفقد رأس الديك فبقي مطرقاً ساعة ثم رفع رأسه إلى الغلام فقال له أين الرأس فقال رميت به قال ولم قال لم أظنك تأكله قال ولم ظننت ذلك والله إني لامقت من يرمي برجله فضلاً عن رأسه والرأس رئيس وفيه الحواس الخمسة ومنه يصيح الديك وفيه عيناه التي يضرب بها المثل فيقال شراب مثل عين الديك ودماغه عجب لوجع الركبة فإن كان بلغ من جهلك أن لا تأكله فعندنا من يأكله فانظر أين هو، فقال والله لا أدري أين رميت به، فقال لكن أنا أدري اين رميت به.. في بطنك.

وكان أيضاً لا يأكل اللحم حتى يجوع فإذا جاع أرسل غلامه فاشترى له رأساً فأكله فقيل له لا نراك تأكل إلا الرءوس في الصيف والشتاء فلم تختار ذلك فقال نعم الرأس أعرف سعره فلا يستطيع الغلام أن يخونني فيه وليس بلحم يطبخه الغلام فيقدر أن يأكل منه إن مس عيناً أو اخذ أذناً وقفت على ذلك وآكل منه ألواناً شتى، آكل عينيه لوناً ودماغه لوناً ولسانه لوناً فقد اجتمعت لي فيه مرافق.

نادرة: قال أبو حاتم الأصمعي قدمت بغداد فدخلت مسجداً يحضره جماعة فسألني بعضهم عن قوله تعالى: (يوجد آية) ما يقول للواحد قلت "ق" قال فالاثنين قلت "قيا" قال فللجماعة قلت "قوا" قال فاجمع الثلاثة قلت قِ قيا قوا وفي ناحية المسجد جماعة فمضوا إلى صاحب الشرطة فقالوا له إن هنا قوماً زنادقة يفسرون القرآن على صياح الديك فما شعرنا إلا بأعوان فأحضرونا بين يديه فأعلمته ما سئلت فعنفي وأمر بضرب أصحابي عشرة عشرة.

وما أحسن قول بعضهم فيه:

قد قلت شعراً مليحاًفسره لي يا مليكي
أكلت ديكاً وديكاًوليس لي غير ديك

وقال ابن المعتز فيه (مولده سنة سبع وأربعين ومائتين، ووفاته سنة ست وتسعين ومائتين):

بشر بالصبح طائر هيفاًمسترقيا للجدار مشترفا
مذكراً بالصبوح صاح بناكخاطب فوق منبر وقفا
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «بشر بالصبح طائر هتفا»
صفق أما ارتياحه لسنا الصب??ح وأما على الدجى أسفاً

ولله أبو علي بن رشيق (توفي سنة وستين وأربعمائة) حيث مزق عنه جلباب الممادح وتركه من شمل الذم في الزي الفاضح فإنه قال:

قام بلا عقل ولا دينيخلط تصفيقاً بتأذين
للشاعر الميكالي، من قصيدة «قام بلا عقل ولا دين»
منبه الأحباب من نومهمليخرجوا في غير ما حين
بصرخة تبعث موتي الكرىقد أذكرت نفح سرافين
للشاعر ابن رشيق القيرواني، من قصيدة «قام بلا عقل ولا دين»
كأنها في خلفه عضةأعضه الله بسكين

وقال الشيخ زين الدين بن الوردي من رسالة منطق الطير فصاح الديك هاأنا أناديك أنا قد أذنت فأقم الصلاة أنت هذا أوان صف الإقدام ووضع الحياة ومن أحسن قولاً ممن دعى إلى الله كم أوقظك وبانقضاء الأوقات أعظك فأشفق عليك بصياحي وأرفرف عليك بجناحي أقسم لك الوظائف بلا حساب وأعرف المواقيت بغير الاصطرلاب أنهاكم عن معصية الله بخروج الوقت فلا تعصوه والله بقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فمن أدعى حسن الصحبة، فليؤثر كإيثاري ولا يختص من رفاقه بحبه كم منحت أهل الدار أخائي ووليتهم ولائي وهم يذبحون أبنائي ويستحيون نسائي.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مطالع البدور ومنازل السرور»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.