يا نسمة لأحاديث الحمى شرحت
الشاعر: صفي الدين الحلي · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة غزل
«يا نسمة لأحاديث الحمى شرحت» من شعر صفي الدين الحلي، من العصر المملوكي، وتقع في 58 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف التاء، وغرضها قصيدة غزل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يا نَسمَةً لِأَحاديثِ الحِمى شَرَحَت ... كَم مِن صُدورٍ لِأَربابِ الهَوى شَرَحَت
بِلَيلَةِ البُردِ يُهدى لِلقُلوبِ بِها ... بَردٌ فَكَم أَنعَشَت صَبّاً بِما نَفَحَت
وَبارِقٍ كَسَقيطِ الزَندِ مُقتَدَحاً ... لَهُ يَدٌ لِزِنادِ الشَوقِ قَد قَدَحَت
بَدا فَذَكَّرَني أَرضَ الصَراةِ وَقَد ... تَكَلَّلَت بِالكَلا وَالشيحِ وَاِتَّشَحَت
وَالريحُ نافِحَةٌ وَالسُحبُ سافِحَةٌ ... وَالغُدرُ طافِحَةٌ وَالوُرقُ قَد صَدَحَت
وَقَهوَةٍ كَوَميضِ البَرقِ صافِيَةٍ ... كَأَنَّها مِن أَديمِ الشَمسِ قَد رَشَحَت
عَذراءَ شَمطاءَ قَد خَفَّ النَشاطُ بِها ... لَولا المِزاجُ إِلى نَدمانِها جَمَحَت
رَقيقَةِ الجِرمِ يَستَخفي الزُجاجُ بِها ... كَأَنَّها دونَ جِرمِ الكَأسِ قَد سَفَحَت
تُبدي عَنِ الماءِ صَبراً كُلَّما تُرِكَت ... غَضبى وَتُزبِدُ مِن غيظِ إِذا اِصطَلَحَت
باكَرتُها وَعُيونُ الشُهبِ قَد غَمِضَت ... خَوفَ الصَباحِ وَعَينُ الشَمسِ قَد فُتِحَت
وَبَشَّرَت بِوَفاةِ اللَيلِ ساجِعَةٌ ... كَأَنَّها في غَديرِ الصُبحِ قَد سَبَحَت
مَخضوبَةُ الكَفِّ لا تَنفَكُّ نائِجَةً ... كَأَنَّ أَفراخَها في كَفِّها ذُبِحَت
وَظَبيَةٍ مِن ظِباءِ التُركِ كانِسَةٍ ... لَكِنَّها في رِياضِ القَلبِ قَد سَرَحَت
إِن جالَ ماءُ الحَيا في خَدِّها خَجِلَت ... وَإِن تَرَدَّدَ في أَجفانِها اِتَّقَحَت
قَسَت عَلى صَبِّها قَلباً وَوَجنَتُها ... لَو مَرَّ تَقبيلُها في الوَهمِ لِاِنجَرَحَت
سَأَلتُها قُبلَةً وَالوَقتُ مُنفَسِحٌ ... لَنا فَما رَخَّصَت فيها وَلا فَسَحَت
وَخِلتُ أَعطافَها بِالعَطفِ تَمنَحُني ... فَما نَحَت ذَلِكَ المَنحى وَلا مَنَحَت
كَم قَد عَصَيتُ اللَواحي في إِطاعَتِها ... وَإِن أَلَحَّت عَلى عَذلي بِها وَلَحَت
مَن لَيسَ يَخشى أُسودَ الغابِ إِن زَأَرَت ... فَكَيفَ يَخشى كِلابَ الحَيِّ إِن نَبَحَت
ما إِن أَخافُ مِنَ الأَيامِ فادِحَةً ... إِذا يَدُ الدَهرِ في أَبنائِهِ فَدَحَت
وَكَيفَ تُفسِدُ أَيدي الدَهرِ حالَ فَتىً ... أُمورُهُ بِالمَليكِ الصالِحِ اِنصَلَحَت
الباسِمِ الثَغرِ وَالأَيّامُ عابِسَةٌ ... وَالأَبلَجِ الوَجهِ وَالأَبطالُ قَد كَلَحَت
وَالشائِعِ الذِكرِ بِالمَعروفِ في زَمَنٍ ... لَو كابَدَتهُ رِياحُ المِسكِ ما نَفَحَت
أَعَزُّ أَظهَرَ مِن راياتِ عَزمَتِهِ ... آياتِ جودٍ لِآياتِ الكِرامِ مَحَت
أَخفى المُلوكَ تَجَلّيهِ لِأَنَّهُمُ ... شُهبٌ إِذا بَزَغَت شَمسُ الضُحى نَزَحَت
تَلوي يَداهُ صِفاحَ الهِندِ عَن غَضَبٍ ... حَتّى إِذا ظَفِرَت عَن قُدرَةٍ صَفَحَت
ما إِن تَزالُ مَقاليتاً خَزائِنُهُ ... لِأَنَّها بِوَليدِ المالِ ما فَرِحَت
لَولا فَنا المالِ لَم تُحمَد مَكارِمُهُ ... وَالراحُ لَولا فَناءُ العَقلِ ما مُدِحَت
أَثنى عَلَيهِ بَنو الآمالِ حينَ غَدا ... يُعطي القَرائِحَ مِنهُم فَوقَ ما اِقتَرَحَت
قالوا وَرَدنا نَداهُ قُلتُ عادَتُهُ ... قالوا وَجادَت يَداهُ قُلتُ ما بَرِحَت
لَو أَنَّ نَيلَ نُجومِ الأُفقِ حاجَتُكُم ... أَو بَدرَها وَاِفتَتَحتُم بِاِسمِهِ نَجَحَت
يا قائِدَ الخَيلِ تَنزو في أَعِنَّتِها ... تَلوي الشَكائِمَ غَيظاً كُلَّما مَرَحَت
حَمرَ الأَديمِ صَقيلاتٍ مَلابِسُها ... كَأَنَّها في دَمِ الأَبطالِ قَد سَبَحَت
تَغدو غَضابى إِذا اِسوَدَّ العَجاجُ لَها ... حَتّى إِذا شاهَدَت ضُحكَ الظُبى فَرَحَت
يَحمِلنَ أُسداً إِلى الهَيجاءِ باسِمَةً ... ثُغورُها وَوُجوهُ المَوتِ قَد كَلَحَت
لا يَستَشيرونَ في الهَيجا سِوى قُضُبٍ ... إِذا اِستُشيرَ بِها في مَعرَكٍ نَصَحَت
خَفّوا إِلى الحَربِ أَقداماً وَلَو وُزِنَت ... حُلومُهُم بِرَواسي أَرضِهِم رَجَحَت
غَضَّ الزَمانُ عُيونَ السَوءِ عَن مَلِكٍ ... كُلُّ العُيونِ إِلى مَعروفِهِ طَمَحَت
مِن فِتيَةٍ بِحُمَيّا الشُكرِ قَد سَكِرَت ... لِفَرطِ ما اِغتَبَقَت بِالمَدحِ وَاِصطَبَحَت
تَلقى العُفاةَ مِنَ المَعروفِ دارِعَةً ... أَعراضُها بِنِصالِ الذَمِّ ما جُرِحَت
يُملي عَلَينا المَعاني حُسنُ أَنعُمِهِ ... كَأَنَّما عَلَّمَتنا ما بِهِ مُدِحَت
يا مَن بِهِ خُتِمَت آيُ السَماحِ لَنا ... كَما بِآياتِهِ مِن قَبلِهِ فُتِحَت
لَولاكَ ما زالَ لَيلُ الخَطبِ مُعتَكِراً ... عَلى الوَرى وَضُحى الإِنصافِ ما وَضَحَت
تَتَبشِرُ الشَمسُ لَمّا لَقَبوكَ بِها ... وَما دَرَت أَنَّها في ذَلِكَ اِفتَضَحَت
لَو أَنَّها جَمَعَت أَوصافَكَ اِتَّفَقَت ... عَلى عِبادَتِها الأَديانُ وَاِصطَلَحَت
وَلَيلِ نَقعٍ حَكَت شُهبُ الرِماحِ بِهِ ... نُجومَ أُفقٍ إِلى جُنحِ الدُجى جَنَحَت
قَدَحتَ فيهِ مِنَ الآراءِ نارَ وَغىً ... فَأَحرَقَت فِئَةً في المُلكِ قَد قَدَحَت
تَدَرَّعَت لِلوَغى حَتّى حَسَرتَ لَها ... مُبارِزاً قَهقَرَت مِن بَعدِ ما جَمَحَت
أَرخى الحِذارُ عَلى الأَرماحِ أَيديهِم ... فَكُلَّما حاوَلوا طَعناً بِها سَبَحَت
يا باذِلَ الخَيلِ عَفواً بَعدَ عِزَّتِها ... وَما جَنَت في الوَغى ذَنباً وَلا اِجتَرَحَت
عِندي أَياديكَ لا تَخفى صَنائِعُها ... هَل تَستُرُ الشَمسَ كَفٌّ بَعدَما وَضَحَت
وَدَّعتُكُم وَثَنائي لا يُوَدِّعُكُم ... وَسِرتُ لا بَعُدَت داري وَلا نَزَحَت
أَشدو بِمَدحِكُمُ حُبّاً وَبي مِحَنٌ ... لَو أَنَّ أَيسَرَها بِالوُرقِ ما صَدَحَت
ما إِن أَفوهُ بِشَرحٍ في المَقالِ لَها ... لَكِنَّها بِلِسانِ الحالِ قَد شَرَحَت
لا أَذمُمُ الدَهرَ في أَمرٍ رُميتُ بِهِ ... وَلا أَقولُ حَصاةُ الحَظِّ ما رَشَحَت
وَكَيفَ أَنسُبُ فَرطَ البُخلِ في زَمَنٍ ... أَكُفُّهُ بِبَقا أَمثالِكُم سَمَحَت
لَئِن نَأَت عَنكُمُ يَوماً جَوانِحُنا ... فَإِنَّ أَرواحَنا في رَبعِكُم جَنَحَت
وَكُلَّ يَومٍ مَقالي عِندَ ذِكرِكُمُ ... يا ساكِني السَفحِ كَم عَينٍ بِكُم سَفَحَت
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف التاء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الجرم: جَرَمَ: الجَرْمُ: القَطْعُ. جَرَمَه يَجْرِمُه جَرْماً: قَطَعَهُ. وَشَجَرَةٌ جَرِيمَةٌ: مَقْطُوعَةٌ. وجَرَمَ النَّخْلَ والتَّمْرَ يَجْرِمه جَرْماً وجِراماً وجَراماً واجْتَرَمه: صَرَمَه: عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، فَهُوَ جارمٌ، … (لسان العرب)
- الزند: زند: الزَّنْدُ والزَّنْدَةُ: خشبتان يستقدح بهما، فالسفلى زَنْدَةٌ والأَعلى زَنْدٌ؛ ابن سيده: الزَّنْدُ العود الأَعلى الذي يقتدح به النار، والجمع أَزْنُدٌ وأَزْنادٌ وزُنودٌ وزِنادٌ، وأَزانِدُ جمع الجمع؛ قال أَبو ذؤيب: أَق … (لسان العرب)
- المزاج: مزج: المَزْجُ: خَلْطُ المِزاجِ بِالشَّيْءِ. ومَزْجُ الشرابِ: خَلْطُه بِغَيْرِهِ. ومِزاجُ الشرابِ: مَا يُمْزَجُ بِهِ. ومَزَجَ الشيءَ يَمْزُجُه مَزْجاً فامْتَزَجَ: خَلَطَه. وشرابٌ مَزْجٌ: مَمْزُوجٌ. وكلُّ نَوْعَيْنِ امْتَز … (لسان العرب)
- النشاط: نشط: النَّشاطُ: ضِدُّ الكَسَلِ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الإِنسان وَالدَّابَّةِ، نَشِطَ نَشاطاً ونَشِطَ إِليه، فَهُوَ نَشِيط ونَشَّطَه هُوَ وأَنْشطه؛ الأَخيرة عَنْ يَعْقُوبَ. اللَّيْثُ: نَشِط الإِنسان يَنْشَط نَشاطاً، فَهُوَ نَ … (لسان العرب)
- بالكلا: كلأ: قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ. قَالَ الفرَّاءُ: هِيَ مَهْمُوزَةٌ، وَلَوْ تَرَكْتَ هَمْزَ مثلِه فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ قُلْتَ: يَكْلُوكم، بواو ساكنة، ويَك … (لسان العرب)
- تكللت: كلل: الكُلُّ: اسْمٌ يَجْمَعُ الأَجزاء، يُقَالُ: كلُّهم منطلِق وكُلُّهن مُنْطَلِقَةٌ وَمُنْطَلِقٌ، الذَّكَرُ والأُنثى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: كُلَّتُهُنَّ منطلِقةٌ، وَقَالَ: العالِمُ كلُّ العالِم، يُرِيدُ … (لسان العرب)
- جمحت: جَمَحَ: جَمَحَتِ المرأَةُ تَجْمَحُ جِماحاً مِنْ زَوْجِهَا: خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ إِلى أَهلها قَبْلَ أَن يُطَلِّقَهَا، وَمِثْلُهُ طَمَحَتْ طِماحاً؛ قَالَ: إِذا رأَتني ذاتُ ضِغْنٍ حَنَّتِ، ... وجَمَحَتْ مِنْ زوجِها وأَنَّ … (لسان العرب)
- رشحت: رشح: الرَّشْحُ: نَدَى العَرَقِ عَلَى الجَسَدِ. يُقَالُ: رَشَحَ فلانٌ عَرَقاً؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ أَرْشَحَ عَرَقاً وتَرَشَّحَ عَرَقاً، بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَدْ رَشَحَ يَرْشَحُ رَشْحاً ورَشَحاناً: نَدِيَ بالعَرَق. … (لسان العرب)