من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عبد العزيز بن سرايا الحلي، أبو الفضل، صفي الدين
الصفحة ١ من ٢
التاجر، ملء فكيه لسان، وحشو لحييه إحسان، وبين جنبيه بحر إلا أنه إنسان، ولا بس برديه شاعر ولكنه حسّان. وزن به بلديّه الحلي فخفّ راجح، وقرن به سلم فسلّم أن الخاسر غير رابح. لو نازع الحكميّ لحكم له عليه من أجمع، أو السّلميّ لعلم من منهما أشجع. وله شرف نفس يرى الجوزاء دون مرامه، والبدر أقلّ من تمامه. أخذ ثأر خاله وقد قتل قهرا بيده، وابتزّ دمه من مخالب الأسود قسرا بمهنده، ولم ينفق سوقه على السوق، ولا لبس عقائله إلا الحرير وحاشاه من السوق. ولم يتخذ من الشّعر سببا، ولا علق لأطماعه بأوتاد طينا، ولا رضي لفواضله من فواصله مكسب، إلا ما جاء من عفو إنعام الملوك هنيئا بلا
تعب، وهنيّا لم يستصعب. أو ما سامح به من حقوق متجره، ويصالح به على مالا يقوّم من جوهره. ووفد على سلطاننا متشرّفا بمدحه، تشوّفا إلى منحه، فأقبل عليه بفضله ووصله، ملء حقيبة رحله. ثم عاد إلى ماردين، مصاحبا لملوكها الكرام، مواظبا لهم دون سائر الندماء. وتردد إلى حماة، أيام الملك المؤيد عماد الدين، أبي الفداء إسماعيل، ثم أيام ابنه الأفضل. وما منهما إلا من كان يعدّ لوفوده الليالي، ويعدّ لوروده الذهب ثمنا للآلي. وهو اليوم باق يمتاح، وحي إليه كلّ قلب حيّ يرتاح. ومن شعره الغرد، وسلسله المطّرد قوله:
لولاك ما نافقت أهل مودّتيوظللت فيك نفيس عمري أنفق
وصحبت قوما لست من نظرائهمفكأنّني في الطّرس سطر ملحّق
وقوله:
وأغرّ أدهم ذي حجول أربعمبيضّها يزهو على مسودّه
خلع الصّباح عليه سائل غرّةمنه، وقمّصه الظّلام بجلده
قلق المراح، فإن تلاطم خطوهظنّ المطارد أنّه في مهده
أرمي الحصى من حافريه بمثلهوأروع ضوء الصّبح منه بضدّه
وقوله:
عاتبته، فتضرّجت وجناتهوازور ألحاظا وقطّب حاجبا
فأرابني الخدّ الكليم وطرفهذو النّون إذ ذهب الغداة مغاضبا
لا غرو إن وهب النّواظر حظوةمن نوره ودعاه قلبي ناهبا
فمواهب السّلطان قد كست الورىنعما وتدعوه القساور سالبا
ملك يرى تعب المكارم راحةويعدّ راحات القراع متاعبا
لم تخل أرض من ثناه وإن خلتمن ذكره ملئت قنا وقواضبا
ترجى مواهبه ويرهب بطشهمثل الزّمان مسالما ومحاربا
كالسّيل يحمد منه عذبا واصلاويعدّه قوم عذابا واصبا
فإذا نظرت ندى يديه ورأيهلم تلف إلاّ صائبا أو صائبا
وقوله:
شام برق الشّام صبحا، فصباوترآه عشاء فعشا
لاح واللّيل به مكتهلوجنين الصّبح حمل في الحشا
وهلال الأفق يحكي قوسهجانب المرآة يبدو من غشا
وحكى المرّيخ في صبغتهخدّ محبوب بلحظ خدشا
وسهيل مثل قلب خافقمكّن الرّعب به فارتعشا
والثّريّا سبعة قد أشبهتشكل لحيان بتخت نقشا
ووميض غادرت غرّتهأدهم اللّيل صباحا أبرشا
وقوله:
والرّيح تجري رخاء فوق بحرتهاوماؤها مطلق في زيّ مأسور
قد جمّعت جمع تصحيح جوانبهاوالماء يجمع فيها جمع تكسير
والرّيح ترقم في أمواجها شبكاوالغيم يرسم أنواع التّصاوير
والماء ما بين مصروف وممتنعوالظّلّ ما بين ممدود ومقصور
والرّيح قد أطلقت فضل العنان بهوالغصن ما بين تقديم وتأخير
والنّرجس الغضّ لم تغضض نواظرهفزهره بين منفض ومزرور
كأنّه ذهب من فوق أعمدةمن الزّمرّد في أوراق كافور
والأقحوان زها بين البهار بهاشبه الدّراهم ما بين الدّنانير
وزامر القوم يطوينا وينشرنابالنّفخ في النّاي لا بالنّفخ في الصّور
وقد ترنّم شاد صوته غردكأنّه ناطق من حلق شحرور
بشامخ الأنف قوّام على قدميشكو الصّبابة عن أنفاس مهجور
شكت إلى الصّحب أحشاه وأضلعهقرض المقاريض أو نشر المناشير
والراقصات وقد مالت ذوائبهاعلى خصور كأوساط الزّنانير
كأنّ في الشّيز يمناها إذا ضربتصبحا تقلقل فيه قلب ديجور
ترعى الضّروب بكفّيها وأرجلهاوتحفظ الأصل من نقص وتغيير
وتعرب الرّقص من لحن فتلحقهما يلحق النّحو من حذف وتقدير
وحامل الكأس ساجي الطّرف ذو هيفصاحي اللّواحظ يثني عطف مخمور
يدير راحا يشبّ المزج جذوتهافلا يزيد لظاها غير تسعير
نارا بدت لكليم الوجد آنسهامن جانب الكأس لا من جانب الطّور
وللأبارق عند المزج لجلجةكنطق مرتبك الألفاظ مذعور
كأنّها وهي في الأكواب ساكبةطير تزقّ فراخا بالمناقير
أقول والرّاح قد أبدت فواقعهاوالكأس ينفث فيها نفث مصدور
أسأت يا مازج الكاسات حليتهاوهل يتوّج ياقوت ببلّور
وقائل إذ رأى الجنّات عاليةوالحور مقصورة بين المقاصير
لمن ترى الملك بعد اللّه؟ قلت لهمقال منبسط الآمال مسرور
لصاحب التّاج والقصر المشيد ومنأتى بعدل برحب الأرض منشور
فقال: تعني به كسرى؟ فقلت له:كسرى بن أرتق لا كسرى بن سابور
لا تفخر الشّمس إلاّ أنّها لقبله، وشبه له في العزّ والنّور
رأت بنو أرتق نهج الرّشاد بهوليس كلّ زناد في الدّجى يوري
كم عصبة مذبدا سوء الخلاف بهابادت بصارم عزم منه مشهور
مشوا كمشي القطا، حتى إذا حملواثقل القيود مشوا مشي العصافير
إن كان بالجوسق النّعمان ساد، فكممن جوسق لك بالشّعبين معمور
في كلّ مستصعب الأرجاء ممتنعتبنى القناطير فيه بالقناطير
لا أدّعي العذر عن تأخير قصدكمليس المحبّ على بعد بمعذور
بل إن غدا طول بعدي عن جنابكمذنبي العظيم فهذا المدح تكفيري
فاستجل بكر قريض لا صداق لهاسوى القبول وودّ غير مكفور
على (أبي الطيّب) الكوفيّ مفخرهاإذ لم أضع مسكها في مثل (كافور
رقّت لتعرب عن رقّي لمجدكمحبّا وطالت لتمحو ذنب تقصيري
وقوله:
يا من يعير الغصن لين قوامهويغير بدر التّمّ عند كماله
ما حلّت الواشون ما عقد الهوىتفنى الليالي والغرام بحاله
وقوله:
زوّجت أبكار الظّبا بنفوسهموجعلت أطراف الرماح شهودا
كفروا فآمنت الرءوس لأنهاخرّت لسيفك ركّعا وسجودا
وجرت على الخيل الدماء مذالةفكأنما كسيت بهنّ جلودا
بقساور قلّت عديدا في الوغىومن الشجاعة أن تقلّ عديدا
رفضوا الدروع عن الجسوم وأسبغوافوق الجسوم من القلوب حديدا
وقوله:
ومجلسنا الأنيق تضيء فيهأواني الرّاح من ورق وعين
فأطلقنا فم الإبريق فيهوبات الزّقّ مغلول اليدين
وشمعتنا شبيه سنان تبرتركّب في قناة من لجين
ونحن نزفّ أعياد النّصارىبشطّ محوّل والرّقمتين
نوحّد راحنا من شرك ماء،ونولع في الهوى بالمذهبين
وورد كالمداهن من عقيقوقدّاح كأزرار اللّجين
وقوله:
وبكر فلاة لم تخف وطء طامثولا افتضّها من قبل مهري ناكح
كشفت خمار الصّون عن حرّ وجههاضحى، ولثام الصّبح في الشرق طائح
وأنكحتها يقظان من نسل لاحقفأمست به مع عقمها وهي لاقح
من الشّهب في إدراكه الشّهب طامعفناظره نحو الكواكب طامح
أخوض به بحر الدّجى وهو راكدوأورده حوض الضّحى وهو طافح
وقوله:
أهلا بها كالقضب في كثبانهاجعلت شواظ النّار من تيجانها
باحت أسرّة وجهها بسرائرضاقت صدور النّاس عن كتمانها
وقوله:
أهلا بشهب عند إشراقهايحكي الدّجى من نورها الواضح
ينضب بحر اللّيل إذ تغتديناهلة من لجّه الطّافح
كأنّما إيماضها عزمةمن عزمات الملك الصّالح
وقوله:
يا ضعيف الجفون أضعفت قلباكان قبل الهوى قويّا مليّا
لا تحارب بناظريك فؤاديفضعيفان يغلبان قويّا
وقوله:
ما زال كحل النّوم في ناظريمن قبل إعراضك والبين
حتى سرقت الغمض من مقلتييا سارق الكحل من العين
وقوله:
تنبّأ فيك قلبي فاسترابتبه قوم وعمّهم الضّلال
وصدّهم الهوى أن يؤمنوا بيوقالوا: إن معجزه محال
فمذ سلّمت سلّمت البراياإليّ، وقيل: كلّمه الغزال
وقوله:
وربّ ليل خضت تيّارهبأدهم يسبق جري الرّياح
محجّل الأربع ذي غرّةميمونة الطّلعة ذات اتّضاح
كأنّه قد شقّ بحر الدّجىوبعده خاض غدير الصّباح
لم تعلم الأبصار في جريهقادمة خفّت به أم جناح
وقوله:
لحى الله الطّبيب لقد تعدّىوجاء لقلع ضرسك بالمحال
أعاق الظّبي في كلتا يديهوسلّط كلبتين على غزال
وقوله:
قلوبنا مودعة عندكمأمانة يعجز عن حملها
إن لم تصونوها بإحسانكمردّوا الأمانات إلى أهلها
وقوله:
لعمرك ما تجافى الطّيف جفنيلفقد الغمض إذ شطّ المزار
ولكن زارني من غير وعدعلى عجل فلم ير ما يزار
وقوله:
عاتبت من أهواه فيهجري وأكثرت الملامه
فأجابني: أقللت حببك لي فأبديت الجهامه
فأجبت: إنّ كرامتيفرض عليك إلى القيامه
فأجابني: من لا لهحبّ فليس له كرامه
وقوله:
وساق من بني الأتراك طفلأتيه به على جمع الرّفاق
أملّكه قيادي وهو رقّيوأفديه بعيني وهو ساقي
وقوله:
خفيّ الكيد تعرفه المناياإذا ما أنكر السّيف النّجادا
ترى الأسياف قد مطرت نجيعاإذا أوداجه قطرت مدادا
وقوله:
ولا تطلبوا ما بأيدي الأنامتصيروا بذلك أعداءهم
لذلك قد قال رب العبادولا تسألوا الناس أشياءهم
وقوله:
قال العذول: لم اعتزلت عن الورىوأقمت نفسك في المقام الأوهن
ناديت طالب راحة، فأجابنيأتعبتها بطلاب ما لم يمكن
وقوله:
اسمع مخاطبة الجليس ولا تكنعجلا بنطقك قبلما تتفهّم
لم تعط مع أذنيك نطقا واحداإلاّ لتسمع ضعف ما تتكلّم
وقوله:
أنا الذي خالفت كلّ الورىفي خبر أثبته الوقت
لما أتاني عمر زائراأنمته ثمّ تنبّهت
وقوله:
ومليح له رقيب قبيحيتعنّى وغيره يتهنّى
وليس فيه معنى يقال ولكنهو عند النحاة جاء لمعنى
وقوله:
عرضنا أنفسا عزّت لديناعليكم فاستخفّ بها الهوان
ولو أنّا دفعناها لعزّتولكن كلّ مجلوب مهان
وقوله:
ويظهر منك زور وازورارفلي في عود صحبته الخيار
أتهجرني وما أسلفت ذنباإذا اختلّ الخليل لغير ذنب
قلت: انظر إلى هذا الشعر ما أظرفه، وما أرقّ مزاج كأسه وألطفه. ولقد أحسن إذ قال: فلي في عود صحبته الخيار. إذ كان لا يعرف ما يلجأ إليه وقت الاضطرار، فإن المرء قد يهون عليه قدر البلوى قبل وقوعها، ثم لا يجدها من نفسه إذا وقعت. ولقد تطارف في قوله:
إذا صدّ الحبيب لغير ذنبوقاطعني وأعرض عن وصالي
أمثّله وأنكح عند صلحيبأير الفكر في ثقب الخيال
وقوله:
تزوّج شيخ في جواري صبيّةفلم يستطع غشيانها حين جاءها
ولو أنني بادرتها لتركتهايرى قائم من دونها ما وراءها
وقوله في رجل اسمه أحمد، كان يرمى بابنة، وهو يدّعي حبّ غلام اسمه عمر:
توالت على أحمد ابنةفأقبل يشكو إليّ الألم
فقلت له: إنها فتنةفنبّه له فتنة ثم نم
وقوله في غلام اسمه لؤلؤ:
وصفوك عندي بالجواد فلم أزلمتعجّبا حتّى رأيتك تركب
وعجبت إذ سمّتك أمّك لؤلؤافكأنها علمت بأنك تثقب
وقوله:
وبه الجواري المنشآت كأنّهاأعلام بيد أو فروع قنان
نهضت بأجنحة القلوع كأنّهاعند المسير تهمّ بالطّيران
والماء يسرع في التّدفّق كلّماعجلت عليه يد النّسيم الواني
طورا كأسنمة القلاص وتارةمتفتّل كأكارع الغزلان
ومنه قوله:
نسج الغبار على الجياد مدارعاموصولة بمدارع الفرسان
ودما بأذيال الدروع كأنّهحول الغدير شقائق النّعمان
وفلك حدّ جموعهم بصوارمككراك نافرة عن الأجفان
وقوله:
قيل إنّ العقيق يبطل السّحر تختيمه لسر حقيقي
فأرى مقلتيك تنفث سحراوعلى فيك خاتم من عقيق
وقوله:
ورنّح الرّقص منه عطفاحفّ به اللطف والدخول
فعطفه داخل خفيفوردفه خارج ثقيل
وقوله:
حرّضوني على السلوّ وعابوالك وجها به يعاب البدر
حاش لله ما لعذري وجهفي التّسلّي ولا لوجهك عذر
وقوله:
وقهوة كوميض البرق صافيةكأنّها من أديم الشّمس قد رشحت
رقيقة الجرم يستخفي الزّجاج بهاكأنّها دون جرم الكأس قد سفحت
باكرتها وعيون الشّهب قد غمضتخوف الصّباح وعين الشمس قد فتحت
وبشّرت بوفاة اللّيل ساجعةكأنّها في غدير الصّبح قد سبحت
مخضوبة الكفّ لا تنفكّ نائحةكأنّ أفراخها في كفّها ذبحت
ومنها قوله:
تلوي يداه صفاح الهند عن غضبحتى إذا ظفرت عن قدرة صفحت
ما إن تزال مقاليتا خزائنهلأنّها بوليد المال ما فرحت
أثنت عليه بنو الآمال حين غدايعطي القرائح منهم فوق ما اقترحت
قالوا: وردنا نداه، قلت: عادتهقالوا: وجادت يداه، قلت: ما برحت
وله في طلب ثأر خاله صفي الدين محاسن بن محاسن أشعار تحرّك بها القرائح، وتحرض على جمع ذلك الدم الطائح. وسآتي على بعض ينبئ عن الكل، ويظهر الكثر منه بالقل، وإن لم يكن كلّ ما أورد منها نادرا من شرط الاختيار، لتعلق بعض الساقط بالمختار، على أنه ليس في شعره ساقط، ولا في نجومه هابط.
فمنها قوله يخاطب أحد أعمامه عقيب واقعة جرت لهم بالعراق، وأجرت كلّ دم مهراق، وهو:
ما دام وعد الأماني غير منتجزفطول مكثك منسوب إلى العجز
هذي المغانم فامدد كفّ منتهبوفرصة الدّهر فاسبق سبق منتهز
واغز العدى قبل تغزونا جيوشهمإنّ الشّجاع إذا ملّ الغزاة غزي
والق العدوّ بجأش غير محترسمن المنايا وجيش غير محترز
ما عذرنا وبنو الأعمام ليس بهمنقص ولا في صفاح الهند من عوز
وكلّ ذي صمم في كفّ ذي همموكلّ ذي ميس في كفّ ذي ميز
فاقمع بنا الضّدّ ما دامت أوامرنامطاعة، ومعالينا على نشز
إنّ الولاية ثوب قد خصصت بهجاءت كفافا فلم تفضل ولم تعز
ومنها ما كتبه إلى بعض الأصحاب يعتبه لتأخره عن المساعدة، وهو قوله:
وعدت جميلا وأخلفتهوذلك بالحرّ لا يجمل
وقلت بأنّك لي ناصرإذا قابل الجحفل الجحفل
وكم قد نصرتك في معركتحطّم فيه القنا الذّبّل
بذا يتفاوت قدر الرّجال فتعلم أيّهم الأكمل
كما قاله الصّقر في عزّةبه حين فاخره البلبل
وقال: أراك جليس الملوك ومن فوق أيديهم تحمل
وأنت كما علموا أخرسوعن بعض ما قلته تنكل
وأحبس مع أنّني ناطقوحالي عندهم مهمل
فقال: صدقت ولكنّهمبذاك دروا أنّني الأفضل
لأنّي فعلت وما قلت قطّوأنت تقول، ولا تفعل
ومنها قوله، وقد أخذ بثأره، وتقاضاه ببتّاره، وبرد غليله بأخذ دمه، وتخليق صدر السيف بعندمه، وانطفأ لاعج أواره، وسكن قلق جهد ولم يواره، وهو:
سل الرّماح العوالي عن معاليناواستشهد البيض هل خاب الرّجا فينا
وسائل العرب والأتراك ما فعلتفي أرض قبر عبيد الله أيدينا
لمّا سعينا فما رقّت عزائمناعمّا نروم ولا خابت مساعينا
يا يوم وقعة زوراء العراق وقددنّا الأعادي كما كانوا يدينونا
بضمّر ما ربطناها مسوّمةإلاّ لنغزو بها من بات يغزونا
وفتية إن نقل أصغوا مسامعهملقولنا أو دعوناهم أجابونا
قوم إذا استخصموا كانوا فراعنةيوما وإن حكّموا كانوا موازينا
إنّ الزّرازير لمّا قام قائمهاتوهّمت أنّها صارت شواهينا
بيادق ظفرت أيدي الرّخاخ بهاولو تركناهم صاروا فرازينا
ذلّوا بأسيافنا طول الزّمان فمذتحكّموا أظهروا أحقادهم فينا
لم يغنهم مالنا عن نهب أنفسناكأنّهم في أمان من تقاضينا
أخلوا المساجد من أشياخنا وبغواحتى حملنا فأخلينا الدّواوينا
ثمّ انثنينا وقد ظلّت صوارمناتميس عجبا وتهتزّ القنا لينا
وللدّماء على أثوابنا علقبنشره عن عبير المسك يغنينا
إنّا لقوم أبت أخلاقنا شرفاأن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا
بيض صنائعنا سود وقائعناخضر مرابعنا حمر مواضينا
لا يظهر العجز منّا عن بلوغ منىولو رأينا المنايا في أمانينا
ما أعوزتنا فرامين نصول بهاإلاّ جعلنا مواضينا فرامينا
نغشى الخطوب بأيدينا فندفعهاوإن دهتنا دفعناها بآدينا
ومن غرر محاسنه، ودرر قلائده، أرجوزته المزدوجة ذات التخميس، التي ضمنها رمي البندق، وذكر فيها طير الواجب، وهي:
دارت على الدّوح سلاف القطرفرنحت أعطافه بالسّكر
ونبّه الورق نسيم الفجرفغرّدت فوق الغصون الخضر
تغني عن العود وصوت الزّمر
تبسّمت مباسم الأزهاروأشرق النّوّار بالأنوار
وظلّ عقد الطّلّ في نثاروباكرتها ديم الأمطار
فكلّلت تيجانها بالدّرّ
قد أقبلت طلائع الغيومإذ أذن الشّتاء بالقدوم
فمذ حداها سائق النّسيمجفّت ربى العقيق والغميم
وباكرت أرض دياربكر
أما ترى الغيم الجديد قد أتىمبشّرا بالقرب من فصل الشّتا
فاعقر همومي بالعقار يا فتىفترك أيّام الهنا إلى متى؟
وإنّها محسوبة من عمري
فانهض لنهب فرصة الزمانفلست من فجواه في أمان
واشرب على النّايات والمثانيإنّ الخريف لربيع ثان
كأنّه بالصّرع عيد النّحر
هذي الكراكي نحونا قد قدمتفاقدة لإلفها قد عدمت
لو علمت بما تلاقي ندمتفانظر إلى أخياطها قد نظمت
شبه حروف نظمت في سطر
تذكّرت مربعها فشاقهافأقبلت حاملة أشواقها
تجيل في مطارها أحداقهاتمدّ من حنينها أعناقها
لم تدر أنّ مدّها للجزر
يا سعد كن في حبّها مساعديفإنّها مذ عشت من عوائدي
ولا تلم من بات فيها حاسديفلو ترى طير عذار خالد
أقمت في حبّ العذار عذري
طير بقدر أنجم السّماءمختلف الأشكال والأسماء
إذا جلا الصّبح دجى الظّلماءيلوح من فوق طفيح الماء
شبه نقوش خيّلت في ستر
في لجّة الأطيار كالعساكرفهنّ بين وارد وصادر
جليلها ناء عن الأصاغرمحدودة منذ عهود النّاصر
معدودة في أربع وعشر
شبيطر ومرزم وكركيوصنف تمّ وإوزّ تركي
ولغلغ يشبه لون المسكوالكيّ والعنّاز يا ذا الشّكّ
ثمّ العقاب مقرن بالنّسر
ويتبع الغرنوق صنف مبدعأنيسة إنسيّة إذ تصرع
والصّوغ والحبرج فهي أجمعخمس وخمس كملت وأربع
كأنّها أيّام عمر البدر
فابكر إلى دجلة والأقطاعفإنّها من أحمد المساعي
واعجب لما فيها من الأنواعمن سائر الجليل والمراعي
وضجّة الشّيق وصوت الخضر
ما بين تمّ ناهض وواضعوبين نسر طائر وواقع
وبين كيّ خارج وراجعونهضة الطّير من المرابع
كأنّها أمثال غيم تسري
أما ترى الرّماة قد ترسّمواولارتقاب الطّير قد تقسّموا
بالجفت قد تدرّعوا وعمّموالّما على سفك دماها صمّموا
جاؤوا إليها في ثياب حمر
قد فزعوا عن كلّ عرب وعجموأصبحوا بين الفيافي والأكم
من كلّ نجم بالسّعود قد نجموكلّ بدر بشهاب قد رجم
عن كلّ محنيّ شديد الظّهر
محنّية في رفعها قد أدمجتأدركها التّثقيف لّما عوّجت
قد كبست بيوتها وسرّجتكأنّها أهلّة قد أخرجت
بنادقا مثل النّجوم الزّهر
قد جوّدت أربابها متاعهاوأتعبت في حزمها صنّاعها
وهذّبت رماتها طباعهاإذا لمست خابرا أقطاعها
حسبتها ملمومة من صخر
إذا سمعت صرخة الجوارحتصبو إلى أصواتها جوارحي
وإن رأيت أجم البطائحولم أكن ما بينها بطائح
يضيق عن حمل الهموم صدري
من لي بأنّي لا أراك سائحابين المرامي غاديا ورائحا
لو كان لي دهري بذاك سامحافالقرب عندي أن أبيت نازحا
أقطع في البيداء كلّ قفر
نذرت للنّفس إذا تمّ الهناوزمّت العيس لإدراك المنى
أن أقرن العزّ لديها بالغنىفمذ رأت أنّ الرّحيل قد دنا
فطالبتني بوفاء نذري
تقول لي لّما جفاني غمضيوأنكرت طول مقامي أرضي
وعاقني صرف الرّدى عن نهضيما للّيالي أولعت بخفضي
كأنّها بعض حروف الجرّ
فامض ركاب العزم في البيداءوازور بالعيس عن الزّوراء
ولا تقم بالموصل الحدباءإنّ شهاب القلعة الشّهباء
يحرق شيطان صروف الدّهر
نجم به الأنام تستدلّمن عزّ في حماه لا يذلّ
في القرّ شمس والمصيف ظلّوبل على العفاة مستهلّ
أغنى الأنام عن هتون القطر
وقال في الفهد:
ويوم دجن معلم البردينسماؤه بالغيم في لونين
كأنّها وقد بدت للعينفيروزج يلمع باللّجين
قضيت فيه بالسّرور دينيوسرت أفلي مفرق الشّعبين
بأدهم محجّل الرّجلينسبط الأديم مطلق اليدين
خصب الغطاة ماحل الرّسغينوسرب وحش مذ بدا لعيني
عارضته في منتهى السّفحينبأرقط مخطّط الأذنين
ناتي الجبين أهرت الشّدقينأفطس سبط الشّعر صافي العين
ينظر في اللّيل بجمرتينذي كحل سال من العينين
فخطّ لامين على الخدّينمحدّد النّابين والظّفرين
كأنّما يكشر عن نصلينليس لها عهد بضرب قين
رقيق لحم الزّند والسّاقينذي ذنب أملس غير شين
فخاتل السّرب بخطوتينوأردف الخطو بوثبتين
فكان فيها كغراب البينفرّقها قبل بلوغ الحين
ونال منها أعفر المتنينأجيد مصقول الإهاب زين
جدّله في ملتقى الصّفّينولم يحل ما بينه وبيني
نلت بمهري وبه كفلينيالهما للصّيد عدّتين
لا يحسن اللّهو بغير ذين
وقال في ذلك:
وليلة في طول يوم العرضسماؤها من دكنه كالأرض
مخضت فيها العيش أيّ مخضوفزت فيها بالنّعيم المحض
وغضّ جفن الدّهر أيّ غضّفبتّ من صروفه أستقضي
أرفع قدر عيشتي بالخفضلا أكحل الجفن بها بغمض
مع كلّ ساق كالقضيب الغضّيدير راحا بالسّرور يقضي
ساطعة كالبرق عند الومضحتى إذا آن قضاء الفرض
وشقّ جيب الفلق المبيضّعرضت خيلي فأجدت عرضي
واخترت منها سابقا لي يرضييفوت لمح الطّرف حين يمضي
كأنّما الأرض به في قبضيلا فرق بين طوله والعرض
جعلته وقاية لعرضيثمّ غدوت لمرامي أقضي
من كلّ سرب شارد منقضّبأرقط الظّهر صقيل بض
كسبج في ذهب مرفضّأهرت رحب الصّدر نائي الغمض
مستثقل الشّلو خفيف النّهضعريض بسط الكفّ عند القبض
مدرّب النّاب لغير عضّمنتصب الأذنين عند الرّكض
فخاتل السّرب بغير وفضمنخفضا للختل أيّ خفض
مصافحا بالبطن ظهر الأرضيجسّها بالكفّ جسّ النّبض
حتى إذا أمكن قرب البعضعاجلها كالكوكب المنقضّ
فعانق الأكبر عند النّهضعناق ذي حبّ لربّ بغض
فهاض منه العظم عند الهضّورضّ منه الصّدر أيّ رضّ
فقمت أسعى خيفة أن يقضيخضّبت كفّي بالدم المرفضّ
أرضيته من نحره ببرضوعدت مسرورا بعيش مرض
راض من الدّهر بما لي يرضيأغضّ عن زلاّته وأغضي
وقال فيه:
وأهرت الشّدقين محبوك المطامحدّد الأنياب مرهوب السّطا
أفطس تبري الإهاب أرقطاكلون تبر بمداد نقّطا
ألبسه الخالق حسنا مفرطاوخطّ في الخدّين منه خططا
مستثقل الجسم خفيف إن خطامجرّب الإقدام مأمون الخطى
يسبق في إرساله كدر القطاأضحى على قنيصه مسلّطا
حتى إذا من العقال نشطاوفى لنا فعلا بما قد شرطا
قلت وقد بتّ به مغتبطاوالشّلو من قنيصه معتبطا
بذاك أم بالخيل تعدو المرطى
وقال يصف الكلب:
وأخطل من الكلاب أعصليخال مرحوضا وإن لم يغسل
أعصم مثل الفرس المحجّلمختصر الشّلو ثقيل المحمل
منفسح الهامة ناتي المقلآذانه كالسّوسن المهدّل
منسرح الزّور فسيح الكلكلمنهضم الخصر عريض الكفل
ذي أيطل خال ومتن ممتليخصيب أعلى العضد محل الأسفل
قصير عظم السّاعد المفتّلمقتصر الأيدي طويل الأرجل
مزدحم الأطفار ثبت العضلذي ذنب سبط قصير أفتل
أملس في دقّته كالمغزليبيت غضبان إذا لم يرسل
قيد الأراوى وعقال الأيّلرعت به سرب الظباء الجفّل
فاعتصمت منه بأعلى الجبلحتى إذا انقضّ انقضاض الأجدل
فما ارتضى منها بدون الأوّلغادره مجندلا في الجندل
فظلّ صحبي في نعيم مقبللهم غريض لحمه والشكر لي
وقال في صيد النعام:
وربّ يوم أدكن القتامممتزج الضّياء بالظّلام
سرنا به لقنص الآراموالصّبح قد طوّح باللّثام
كراقد هبّ من المنامبضمّر طامية الحوامي
معتادة بالكرّ والإقدامتحجم في الحرب عن الإحجام
حتى إذا آن ظهور الجاموالبرّ بالآل كبحر طام
عن لنا سرب من النّعاممشرفة الأعناق كالأعلام
فاغرة الأفواه للهيامكأينق فرّت من الزّمام
وحش على مثنى من الأقداممل طير تدعى وهي كالأنعام
تطير بالأرجل في المواميكأنّما أعناقها السّوامي
أراقم قد قمن للخصامفحين همّ السّرب بانهزام
ألجمت القسيّ بالسّهاموأرسل النّبل كوبل هام
فعنّ رأل عارض أماميكأنّما درّع بالظّلام
نيطت جناحاه بعنق سامكأنّها في حسن الالتئام
هاء شقيق وصلت بلامعارضته تحت العجاج السّامي
بسابق ينقضّ كالقطاميخلو العنان مفعم الحزام
يكاد يلوي حلق اللّجامذي كفل راب وشدق دام
وصفحة ريّا ورسغ ظامفحين وافى عارضا قدامي
أثبتّ في كلكله سهاميفمرقت في اللّحم والعظام
فخرّ مصروعا على الرّغامقد ساقه الخوف إلى الحمام
فأعجب الصّحب به اهتماميحتى اغتدى كلّ من الأقوام
يقول: لا شلّت يمين الرّامي
وقال يصف فرسا أدهم محجلا:
وأدهم يقق التّحجيل ذي مرحيميس من عجبه كالشّارب الثّمل
مطهّم مشرف الأذنين تحسبهموكّلا بارتقاب السّمع عن زحل
ركبت منه مطاليل تسير بهكواكب تلحق المحمول بالحمل
إذا رميت سهامي فوق صهوتهمرّت بهاديه وانحطّت على الكفل
قلت: وهذا معنى ظنّه أبا عذرته، وهو لابن السراج. ولقد اجتمعنا ليلة نحن، وهو عند شيخنا شهاب الدين محمود، ودار بيننا في هذا ما ليس هذا موضعه، إلاّ أنه لم يسعه الجحود. عدنا إلى ذكره فنقول، وله:
شكرتك عني شاردات قصائدبصنائع فاهت بشكر صنائع
تنفي الحداة بها عن الجفن الكرىوتخيط من طرب جفون السامع
وله:
غدا رجب يؤمّن حين أدعولمجدك أن يزيد به ارتقاء
أصمّ ظلّ مستمعا دعائيفها أنا أسمع الصّمّ الدّعاء
وله:
قدمت، وقد لاح الهلال مبشّرابعودك، إنّ السّعد فيه قرينه
ويخبر أنّ النّصر فيه مقدّرألم تره قد لاح في الغرب نونه
وله:
قوم يعزّون النّزيل، فطالمابخل الحيا، وأكفّهم لم تبخل
يفنى الزّمان وفيه رونق ذكرهمكبلى القميص، وفيه عرف المندل
قلت: هذا هو العذب المنسجم الذي لا كلفة عليه، ولا تقعر فيه. قوي التركيب، حسن الأساليب، لا كما رغب فيه أهل العصر من حبّ اللين الذي لا يتماسك رغبة في التورية، التي لا تسع أفهامهم سواها من البديع، ولا تعرف غيره من الحسن.
عدنا إلى تتمة مختاره. ومنه على مذهب المديح، قوله:
يقبّل الأرض عبد تحت ظلّكمعليكم بعد فضل الله يعتمد
ما دار ميّة من أسنى مطالبهيوما، وأنتم له العلياء والسّند
وله:
حرّضوني على السّلو وعابوالك وجها به يعاب البدر
حاش لله ما لعذري وجهفي التّسلّي ولا لوجهك عذر
وله:
وخلّ دعاني للصّبوح أجبتهوقلت له: أهلا وسهلا ومرحبا
وأبرزها صفراء تحسب كأسهاغشاء من البلّور يحمل كهربا
وله:
وراح لها طبع كعكس حروفهاتصيّر ضيق الصدر من حرّها رحبا
إذا لمعت في الليل غرّة وجههاتصيّر دهم الليل من نورها شهبا
وله:
قد أتانا الربيع والزهر يبديلهبا خلته مشاعل جمر
وبدا النرجس المحدّق يحكيشائبا فوق رأسه طاس تبر
وله:
وشدت في الدّوح صادحةبضروب السجع والملح
كلما ناحت على شجنخلتها غنّت على قدح
وله:
وراح في لجين الكأس تحكيبصفرة لونها ذوب النّضار
وقد عقد الحباب لها نطاقالمعصم كأسها شبه السّوار
وله:
قد مرّ لي ليلة بالدّير صالحةمع كلّ ذي طلعة بالبدر مشتبه
وقد عزمت بأن أغشاه ثانيةفهل تعين على غيّ هممت به
وله:
ولما شاقنا نظم بديعوقد أرخى المدام لنا نقابا
جعلنا الماء شاعرنا فلماجرت في فكره نظم الحبابا
وله:
إن أكن قد جنيت في السّكر ذنبافاعف عنّي يا راحة الأرواح
أيّ عقل يبقى هناك لمثليبين سكر الهوى وسكر الرّاح
قلت: وهذا وإن كان متداولا، قد ابتذلته الألسنة، فإنه عذب سائغ شرابه، لذيذ يطرب سماعه، يهز الأعطاف، ويحرك الجماد، وهكذا شأن كل كلمه، وجميع قوله، حتى تجربة قلمه. ومن بقية ما له قوله:
قد أضحك الرّوض مدمع السّحبوتوّج الزّهر عاطل القضب
وقهقه الورد للصّبا فغداتملأ فاه قراضة الذّهب
وأقبلت بالرّبيع محدقةكتائب لا تخلّ بالأدب
فغصنها قائم على قدموالكرم جاث له على الرّكب
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع