من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عبد العزيز بن سرايا الحلي، أبو الفضل، صفي الدين
الصفحة ٢ من ٢
وقوله:
وللنّرجس الغضّ ما بينناوجوه بحضرتنا ناضره
كأن تحدّق أزهارهاعيون إلى ربّها ناظره
وقوله:
جدت بخطّ بغير وجهذاك حال عليّ يبطي
وليس ذا مذهبي، ولكنأريد وجها بغير خطّ
وقوله:
عذرتك إذ حالت خلائقك التيأطلت بها باعي وقصّرت آمالي
لأنّك دنياي التي هي فتنتي،فلا عجب ألاّ تدوم على حال
وقوله:
يا مالكا أصبح لي صارماأعدّه يوم الوغى للضّراب
حاشاك أن ترضى بقول العدىسيفك هذا لا يفكّ القراب
وقوله:
يا مهيني عند المغيب ومبدمع حضوري خضوع عبد لمولى
لا تقم لي مع التّقاعد عنّيفقيام النّفوس بالودّ أولى
وقوله:
حالي وحالك كالهلال وشمسهمذ أكسبته النّور في إشراقه
فإذا نأى عنها حظي بكمالهوإذا دنا منها رمي بمحاقه
وقوله:
لّما استعرت من المهذّب جوخةولّى وأولاني جفا وصدودا
حاولتها عاريّة مردودةفرجعت منها عاريا مردودا
وقوله:
إنّ البخيريّ مذ فارقتموه غدايسفي الرّماد على كانونه الحرب
لو شئتم أنّه يمسي أبا لهبجاءت بغالكم حمّالة الحطب
وقوله:
سألتكم ردّ جوابي فكميد لكم من قبلها عندي
فقلّدونا منّة واعجبوامن سائل يقنع بالرّدّ
وقوله:
تركت إجابة كتبي إليكلحقّ تشبّه بالباطل
لأنّي سألتك ردّ الجوابولا تعرف الرّدّ للسّائل
وقوله:
كنت أخشى عذل العواذل حتىصرت مستثقلا لردّ جوابي
فتركت التّثقيل في بعث كتبيواستراحت عواذلي من عتابي
وقوله في ذم ماطل للوعود:
لمّا تطاول بي إفراط مطلك ليوضاع وقتي بين العذر والعذل
أيقنت أن لست إنسانا لبطئك ذالقوله خلق الإنسان من عجل
وقوله في طبيب يدعى إسحاق:
مباضع إسحاق الطّبيب كأنّهالها بفناء العالمين كفيل
معوّدة ألاّ تسلّ نصالهافتغمد حتى يستباح قتيل
وقوله:
إني مدحتك كي أجيد قريحتيوعلمت أن المدح فيك يضيع
لكن رأيت المسك عند فسادهيدنوه من بيت الخلا فيضوع
وقوله:
صدقوا بأنّ النّجم محتشمبالمال لا بالفضل والخطر
لكنّه مع فرط حشمتهكقميص يوسف قدّ من دبر
قلت: هكذا فليكن التعريض الذي أسهل منه بري المدى، وقرض المقاريض على طول المدى. لقد أكل عرضه، وشرب ماء حياته، إذ عرّضه لهذا البلاء، ومزّقه كلّ ممزّق. وبمثل هذا تطيّر السّمع، ويضحك الأعداء.
عدنا إلى قوله ومنه:
طفلة غضّة الحياء من الدّلل ولكن خدودها جمريّه
هي مع حسنها حريريّة الجسم ولكن أشفارها صوفيّه
وهذا نظم مهزول، ومعنى مبذول، وللناس فيه شتى المحاسن.
عدنا وقوله:
وذات حر جادت به فصددتهاوقلت لها مقصودي العجز لا الفرج
فدارت ودارت سوء خلقي بالرضىولم يعل من فرط الحياء لها رهج
إذا ما دفعت الأير فيها تجشأتوذاك ضراط لم يتم له نضج
وقوله:
ولقد تعاطيت اللواط فلم أجدعلقا لأقسام الصناعة يكمل
بل ضاع بينهما الصواب فواسعيخرى عليّ وضيّق لا يدخل
وقوله:
ولم أنس إذ أولجت في النجم فيشةكجلمود صخر حطّه السيل من عل
فقلت لها مهلا إذا رمت عودةوإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
فمثل هذا التضمين وإلا فلا، ومثل هذه التورية وإلا فدع.
عدنا، وقوله في عمر:
أنا الذي خالفت قول الورىفي خبر أثبته الوقت
لما أتاني عمر زائراأنمته ثم تنبّهت
وقوله:
ولم أر كالمحبوب ليلة وصلهوقد راضه لومي له وعتابيا
إذا كان غضبانا لقيني بوجههوبالظهر يلقاني إذا كان راضيا
وقوله:
تعلّمت فعل الخير من غير أهله،وهذّب نفسي فعلهم باختلافه
أرى ما يسوء النّفس من فعل جاهل،فآخذ في تأديبها بخلافه
قلت: وهذا مبتذل، إلاّ أنه كما ابتذلت الشمس وهي محبوبة، ورزق النطاف وهي مشروبة، وخلاف النفس مشروع والحظ فيه، وللعلماء في النفس أقوال ليس هذا موضعها، ولا نرى في أفق الأدب مطلعها.
عدنا إلى قوله، ومنه:
من لم تضمّ الضّيوف ساحتهفستره أن تضمّه الحفره
ومن غدا عرضه المهلّب في النّاس غدا وجهه أبا صفره
وقوله:
عجبا لفودي بعد فقد شبيبتيوكأنّ ضوء الشّيب فيه ظلام
لّما نضت عنه اللّيالي صبغهاخلعت عليه ضياءها الأيّام
وقوله:
لا غرو إن قصّ جناحي الرّدىفعذره في فعله واضح
يضرب عن ذي النّقص صفحا ولايقصّ إلاّ الدّرهم الرّاجح
قلت: والأشبه بهذا أن يكون قول ملك متظلم أعيا لحاقه القرناء، وعنّى بعده الأمثال، فوقفوا وجرت سلاهبه، وتصنّعوا وأتت طبعا مواهبه، تلتهب ذكاؤه والخلق تغشاه، وينهب نائله والأسد تخشاه. رأى نفسه فوق الجوزاء، وخدين الشهب الأغراء. قد جعل للآمال مآلفا، وللآمال ملتفا. يسدي الرّفد إلى أربابه، ويحسب المجد من آرابه، فبلي بداهية الدهر، وشنعاء الحادث النكر، وقدم عليه من لا يدرك أدنى شوطه إذ يسعى على مهل، ولا تقمص بخلق جلبابه إلا إذا فضل. فلم يجد إلا أن تنفّس الصعداء، ويتحمل الداء. لا يقعده إذا بدر إلا سابق القدر، وإلا فهو أوثب من أرقم، وأمرّ إذا غضب من علقم. لو قد قام لاقتاد دهم الليل في رسنه، واخضرّ الشجر مخبلا بوسنه، ولكنه فردد لا يغالب، وسؤدد هدر ما ثمّ من به يطالب.
عدنا إليه. قال أيضا في البازي:
قد ارتدى ذيل الصباح الأكهبوالصّبح مثل الماء تحت الطّحلب
مثقّل الكفّ بباز أشهبمنتصب القامة سامي المنكب
ذي عنق خصب ورأس مجدبعيونه مثل الجمان المذهب
قد بدّلت من سبج بكهربمحدّد المنسر شين المخلب
حتف الحبارى وعقال الأرنبمهذّب الخلق قليل الغضب
يرتاح للعود وإن لم يطلبكفاضل حاول حفظ المنصب
وقال:
سوابقنا والنّقع والسّمر والظّبىوأحسابنا والحلم والبأس والبشر
هبوب الصّبا واللّيل والبرق والقضاوشمس الضّحى والطّود والنار والبحر
وقوله، وفيه استخدامان:
لئن لم أبرقع بالحيا وجه عفّتيفلا أشبهته راحتي في التّكرّم
ولا كنت ممّن يكسر الجفن في الوغىإذا أنا لم أغضضه عن رأي محرم
وقال:
ولقد أسير على الضّلال ولم أقلأين الطّريق وإن كرهت ضلالي
وأعاف تسآل الدّليل ترفّعاعن أن يفوه فمي بلفظ سؤال
وقال:
ولائي لآل المصطفى عقد مذهبيوقلبي من حبّ الصّحابة مفعم
وما أنا ممن يستجيز بحبّهممسبّة أقوام عليهم تقدّموا
ولكنّني أعطي الفريقين حقّهموربّي بحال الأفضليّة أعلم
فمن شاء تعويجي فإنّي معوّجومن شاء تقويمي فإنّي مقوّم
وقال:
لما رأت علياك أني كالذيأبدو فينقصني السقام الزائد
وافيتني ووفيت لي بمكارمفنداك لي صلة وأنت العائد
وقال:
ولقد ذكرت القرب منكوطيب أيّامي الخوالي
فطفقت أصفق راحتيّوعند صفقتها مقالي:
كيف السّبيل إلى سعاد ودونها قلل الجبال
وقال:
وعود به عاد السّرور لأنّهحوى اللّهو قدما وهو ريّان ناعم
يغرّب في تغريده وكأنّهيعيد لنا ما لقّنته الحمائم
وقال:
عود حوى في الروض أعوادهكلّ المعاني وهو رطب قويم
فحاز شدو الورق في سجعهورقّة الماء ولطف النّسيم
وقال في جملة وصف رسالة:
فكم بكر معنى حوى طرسهاوإن كان في حسن لفظ عوان
إذا ما شققت صدور البيوتوجدت بهنّ قلوب المعاني
وقال من أبيات:
وشدت فأيقظت الرقود بشدوهاوأعارت الأيقاظ طيب رقودها
خود شدت بلسانها وبنانهاحتى تشابه ضربها بنشيدها
وكأنّ نغمة عودها في صوتهاوكأن رقّة صوتها في عودها
إنّي لأحسد عودها إن عانقتعطفيه أو ضمته بين نهودها
وأغار من لثم الكؤوس لثغرهاوأذوب من لمس الحليّ لجيدها
وقال:
ومجلس لذّة أمسى دجاهيضيء كأنّه صبح منير
تجمّع فيه مشموم وراحوأوتار وولدان وحور
تلذّذت الحواس الخمس فيهبخمس يستتمّ بها السّرور
فكان الضّمّ قسم اللّمس فيهوقسم الذّوق كاسات تدور
وللسّمع الأغاني والغوانيلأعيننا وللشّمّ البخور
وقال في إبريق:
وإبريق له بطن عجيبإذا ما أرسلت منه السّلاف
كتمتام تلجلج في حديثيردّد لفظه والتاء قاف
وقال في رواقص:
بحر من الحسن لا ينجو الغريق بهإذا تلاطم أعطاف بأعطاف
ما حركته نسيم الرّقص من مرحإلاّ وماجت به أمواج أرداف
وقال:
ليهنك أنّ لي ولدا وعبداسواء في المقال وفي المقام
فهذا سابق من غير سينوهذا عاقل من غير لام
وقال في باب:
وباب إذا أمّه قاصدرآه من الغيث أدنى وأندى
له الفتح دأب ومن شأنهيردّ وقاصده لن يردّا
وقال في النيل:
وفي النّيل إذ وفّى البسيطة حقّهاوزاد على ما جاءه من صنائع
فما إن توفّى النّاس من منعميشار إلى إنعامه بالأصابع
وقال:
وكيف أنسى مليكا فضل أنعمهفرضي ونفلي في سرّي وإعلاني
جعلت نفسي كشطر اسمي لخدمتهوكيف لا وهو عندي شطره الثّاني
وقال:
أحنّ إليكم كلّما ذرّ شارقويشتاق قلبي كلّما مرّ خاطف
واهتزّ من خفق النّسيم إذا سرىولولاكم ما حرّكتني العواصف
وقال:
رعى الله من فارقت يوم فراقهمحشاشة نفس ودّعت يوم ودّعوا
ومن ظعنت روحي وقد سار ظعنهمفلم أدر أيّ الظّاعنين أشيّع
وقال:
يا قرير العيون رقّ لعينفجّرتها دموعها تفجيرا
لم تطلّق من بعدك الغمض إلاّلترى منك نظرة وسرورا
وقال:
لي في ضميرك شاهد فيه غنىلك عن قراءة ما حوى قرطاسي
ولئن وقفت عليه معتبرا لهما في وقوفك ساعة من باس
وقال:
ولقد ذكرتك والعجاج كأنّهظلّ الغنيّ وسوء عيش المعسر
والشّوس بين مجدّل في جندلمنّا وبين معفّر في معفر
فظنت أنّي في صباح مشرقبضياء وجهك أو مساء مقمر
وتعطّرت أرض الكفاح كأنّمافتقت لنا ريح الجلاد بعنبر
وقال:
ولقد ذكرتك والجماجم وقّعتحت السّنابك والأكفّ تطير
والهام في أفق العجاجة حوّمفكأنّها فوق النّسور نسور
فاعتادني من طيب ذكرك نشوةوبدت عليّ بشاشة وسرور
فظننت أنّي في مجالس لذّتيوالرّاح تجلى والكؤوس تدور
وقال:
ولقد ذكرتك حين أنكرت الظّبىأغمادها وتعارفت في الهام
والنّبل من خلل العجاج كأنّهوبل تتابع من فروج غمام
فاستصغرت عيناني أفواج العدىوتتابع الأقدام في الإقدام
ووجّدت برد الأمن في حرّ الوغىوالموت خلفي تارة وأمامي
وقال:
غارت وقد قلت لمسواكها:أراك تجني ريقها يا أراك
قالت: تمنّيت جنى ريقتيوفاز بالتّرشاف منها سواك
وقال:
يا من حمت عنّا مذاقة ريقهارفقا بقلب ليس فيه سواك
فلكم سألت الثّغر وصف رضابهفأبى وصرّح لي سفيه سواك
وقال:
قد شهدنا فعل البلى بمغانيك ودمع الغيوم فيها سجام
واقترضنا منها الدّموع فقالت:كلّ قرض يجرّ نفعا حرام
قلت: لقد أتى من الفقه بهذه اللطيفة. فإن قيل: فما الذي جرّه البكاء من النفع؟ قلنا: أشياء، نحو سقيا المعاهد، وإطفاء حر الفؤاد الواقد، وتخفيف ثقل البكاء عن العيون التي كثر بكاؤها. وقد قال الأول: وأثقل محمول على العين ماؤها. وقد ذكرت بالدمع بيتين كنت قلتهما، وإن لم يكن معناهما من هذا في:
عما جرى لي من دموع كأنهنّ اللآلي
خففت وطأة الغرام ولكنغرقت في الجفون طيف الخيال
عدنا إليه. قال:
ألا يا مالك الرّقّ من ملّكك الرّقّا
إذا لم تقض أن أسعدلا تقض بأن أشقى
تصدّق بالذي يفنىوخذ أجر الذي يبقى
وذكّر عطفك الميّال والرّدف بما ألقى
وقال:
وجه من البدر أحلىومنه بالمدح أحرى
طرفي به يتحلّىوخاطري يتحرّى
بمنظر يتجلّىوناظر يتجرّى
خدّ يقرّ بقتليوردفه يتبرّى
وقال:
ولم أنس إذ زار الحبيب بروضةوقد غفلت عنّا وشاة ولوّام
وقد فرش الورد الخدود ونشّرتلمقدمه للسّوسن الغضّ أعلام
أقول وطرف النّرجس الغضّ شاخصإلينا وللنمّام حولي إلمام
أيا ربّ! حتى في الحدائق أعينعلينا وحتى في الرّياحين نمّام
قلت: وهكذا التورية، وبمثل هذا تضيء القريحة المورية. تأمل كيف بدأه:
أن الحبيب زاره بروضة، ثم ذكر مع كل من الزهر ما يناسبه ويدنو منه ويقاربه، حتى إذا انقضى من هذا أربه، عاد إلى مناسبة تتمة البيت الأول، وقد قال فيه:
وقد غفلت عنا وشاة ولوّام، ليستوفي معنى البيت الذي بنى عليه، فتظلّم من الحدائق، إذ لها أعين، وفيها نمّام، يعني النرجس والنمّام، وهذا في غاية التمام.
وقال:
رعى الله ليلتنا بالحمىوأمواه أعينه الزّاخره
وقد زين حسن سماء الغصونبأنجم أزهاره الزّاهره
وللنّرجس الغضّ ما بينناوجوه بحضرتنا ناضره
كأنّ تحدّق أزهارهاعيون إلى ربّها ناظره
وقال:
قال الحيا للنّسيم لمّاظلّ به الزّهر في اشتغال
وضاع نشر الرّياض حتىتعطّرت بردة الشّمال
أما ترى الأرض كيف تثنيعليّ منها لسان حالي
فاعجب لإقرارها بفضليوسكرها بي وشكرها لي
وقال:
خلياني أجرّ فضل بروديراتعا في رياض عين البرود
كم بها من بديع زهر أنيقكفصول منظومة وعقود
زنبق بين قضب آس وبانوأقاح ونرجس وورود
كجبين وعارض وقواموثغور وأعين وخدود
وقال يعاتب من اعتذر بالثلج:
عذرك بالثلج عن زيارتنامبدولة باؤه من الكاف
والغير لما أراد زورتناسعى إلينا من نشره حافي
وعندك المال والرجال ومافي تاسع النحل وافر واف
بل أبدلت ذلك الولاية ياأحمد لما وليت بالقاف
قوله: تاسع النحل وافر واف: أراد بذلك قوله تعالى ﴿وَاَلْخَيْلَ وَاَلْبِغالَ وَاَلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾
وكتب مع طبق حلاوة أهداه مع غلام:
عبدك قد أرسل أدنى خدمةإليك يا من بالجميل قد سبق
فانظر بعين الجبر أو عين الرّضانحو غلام وكتاب وطبق
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع