من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
محمد بن محمد بن محمود أبو عبد الله، شهاب الدين
عرف بابن دمرداش. عدل مات على الشهادة، وعاش مدرّعا بالزهادة، وكان في أول أمره على ما كان عليه آباؤه من معاناة الجندية، ومعاياة البروق بمخاصمة سيوفه الهندية. خدم الملك المنصور صاحب حماة، واتخذه من نداماه، وأمطره بواكف نعماه، وأسرى إليه صباه ونعاماه. ثم كره حماة بعد صاحبها المنصور، وعاف موردها، واستنزر إثمدها، ولم ير بعده من يرى أن يكون له خديما، أو يعد له نديما. وطفق يقلب يديه، وصدره طافح، وقلبه لهمه مكافح، وحاله لا يلمّ شعثه، كأنه لمّة المحرم، وحظه لا يضيء، كأنه صحيفة المحرم، فخلع عن منكبه ذلك الرداء، وانتهى في معالجة نفسه إلى أن كوى ذلك الداء. وعاد إلى دمشق، وعانى بيع الكتب ومشتراها، وحصل منها الفرائد كما تراها. ثم فقد ما بيده، إلا ما حصله من ذلك الربح الظاهر، وحصنه حفظا في خزانة الخاطر. ثم استرزق بالعدالة بما يقسم له بين الشهود، ويقدر له من المتيسّر الموجود، غير منافس مثلهم في الجعالة، ولا لابسا خلق تلك الحالة، قانعا بما سمحت له به النفوس، وسنحت له ديم الكرم بغير عبوس.
وكان حقيقة تمنح جوهرا، وحقيبة تنفح عنبرا. ومن شعره المطرب نغمه،
المطيب تفتيت المسك لممه، قوله مما أنشدنيه:
أحسن إلى الناس مهما دمت مقتدراعلى الجميل ففعل الخير ينتهز
ولا تكن كأناس أخّروه إلىغد فلما أتاهم في غد عجزوا
وقوله مما أنشدنيه:
ومهفهف الأعطاف معسول اللّمىكالغصن يعطفه النسيم إذا سرى
قال اسقني فأتيته بزجاجةملئت قراحا وهو لاه لا يرى
وتأرّجت برضا به وأمدهامن نار وجنته شعاعا أحمرا
ثم انثنى ثملا وقد أسكرتهبرضا به وبوجنتيه وما درى
وقوله مما أنشدنيه:
قال لي ساجي اللواحظ صف ليهيفي: قلت: يا رشيق القوام
لك قدّ لولا جوارح عينيك تغنّت عليه ورق الحمام
وقوله مما أنشدنيه:
بالله إن جزت وادي الأراكوقبّلت أغصانه الخضر فاك
اهد إلى عبدك من بعضهافإنني والله مالي سواك
وقوله مما أنشدنيه:
أقول لمسواك الحبيب لك الهنابرشف فم ما ناله ثغر عاشق
فقال وفي أحشائه لاعج الجوىمقالة صبّ للدّيار مفارق
تذكرت أوطاني فقلبي كما ترىأعلّله بين العذيب وبارق
وقوله، وهو مما أنشدنيه:
جيادك يا من طبّق الأرض عدلهوحاز بأعلى الجدّ أعلى المناصب
إذا سابقتها في المهامه غرّةرياح الصّبا عادت لها كالجنائب
ولو لم يكن في ظهرها كعبة المنىلما شبهت آثارها بالمحارب
وقوله:
ولما التقينا بعد بين وفي الحشالواعج شوق في الفؤاد تخيّم
أراد اختباري بالحديث فما رأىسوى نظر فيه الجوى يتكلم
وقوله:
حتّام لا تصل المدام فقد أتتلك في النسيم من الحبيب وعود
والنهر من طرب يصفّق فرحةوالغصن يرقص والرياض تميد
وقوله:
قد صنت سرّ هواكم ضنّا بهإنّ المتيّم بالهوى لضنين
فوشت به عيني ولم أك عالمامن قبلها أنّ الوشاة عيون
وقوله:
روى دمع عيني عن غرامي فأشكلاولكنه ورّى الحديث فأشكلا
وأسنده عن واقديّ أضالعيفأضحى صحيحا بالغرام معلّلا
وقوله:
وافى النسيم وقد تحمّل منكملطفا يقصّر فهمه عن علمه
وشكا السّقام وما درى ما قد حوىوأنا أحق من الرسول بقسمه
وقوله:
إن طال ليلي بعدكم فلطولهعذر وذاك لما أقاسي منكم
لم تسر فيه نجومه لكنهاوقفت لتسمع ما أحدّث عنكم
وقوله:
عجبا لمشغوف يفوه بمدحكمما ذا يقول وما عساه يمدح
والكون إمّا صامت فمعظّمحرماتكم أو ناطق فمسبّح
وقوله:
من لأسير أمست قرينتهفي الدّوح عن حاله تسائله
فهو يغنّي مبدا الحزين لهاوهي بأوراقها تراسله
وقوله:
حتى إذا رقّ جلباب الدّجى وسرتمن تحت أذياله مسكيّة النفس
تبسّم الصّبح إعجابا بخلوتناووصلنا الطاهر الخالي من الدّنس
وقوله:
بالرّوح أفدي منطقيّا علابرتبة النحو على نشوه
منطقه العذب الشهيّ الذيقد جذب القلب إلى نحوه
وقوله:
يا سيدي أوحشت قوما ما لهمعن حسن منظرك الجميل بديل
وتعلّلت شمس النهار فما لهامن بعد بعدك بكرة وأصيل
وبكا السّحاب مساعدا لتفجّعيمن طول هجرك والنسيم عليل
وقوله:
انظر إلى الأزهار تلق رؤوسهاشابت وطفل ثمارها ما أدركا
وعبيرها قد ضاع من أكمامهاوغدا بأذيال الصّبا متمسكا
وقوله:
ولما أشارت بالبنان وودّعتوقد أظهرت للكاشحين تشهّدا
طفقنا نبوس الأرض نوهم أننانصلّي الضحى خوفا عليها من العدى
وقوله:
ما أبطأت أخبار من أحببتهعن مسمعي بقدومه ورجوعه
إلاّ جرى قلمي إليه حافياوشكا إليه تشوقي بدموعه
وقوله:
يقولون شبّهت الغزال بأهيفوهذا دليل في المحبة واضح
ولو لم يكن لحظ الغزال كلحظه احورارا لما تاقت إليه الجوارح
وقوله:
يقول لي الدولاب راض حبيبك الملول بما تهوى من الخير والنفع
فإني من عود خلقت وها أناإذا مال عنّي الغصن أسقيه من دمعي
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع