من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
محمد بن العفيف، سليمان بن علي بن عبد الله بن علي، التلمساني، أبو عبد الله، شمس الدين
نسيم سرى، ونعيم جرى، وطيف لا بل أخفّ موقعا في الكرى، لم يأت إلاّ بما خفّ على القلوب، وبرئ من العيوب، ورقّ شعره فكاد يشرب، ودقّ فلا غرو للقصب أن يرقص، وللحمام أن يطرب. ولزم طريقة دخل بها بلا استئذان، وولج القلوب ولم يقرع باب الآذان، وجاء بكلّ لطيف، وأجاد التورية والكلّ معها لفيف، وبرز على أقرانه ففات الرّفقة، وملأ العين بما جاء به من الرّقّة، وكان لأهل عصره، فمن جاء على آثارهم افتتان بشعره، وافتنان فيه وفي ذكره، وخاصة أهل دمشق، فإنّه بين عمائم حياضهم ربّي، وفي كمائم رياضهم خبّي، حتّى تدفّق نهره، وأينع زهره، وكان يرى أنّهم جلدته، وأبناء بلدته، وإن كان قديمه من بلد سوى بلدهم، ولمولد غير مولدهم.
وقد أدركت جماعة من خلطائه لا يرون عليه تفضيل شاعر، ولا يروون له
شعرا إلاّ عظّموه كالمشاعر، ولا ينظرون له بيتا إلا كالبيت، ولا يقدّمون عليه سابقا، لو قلت: ولا امرأ القيس لما باليت. ومرّت له ولهم بالحمى أوقات لم يبق لهم من زمانها إلاّ تذكّره، ولا من إحسانها إلاّ ما تشكره. وأكثر شعره - لا بل كلّه - رشيق الألفاظ، سهل على الحفّاظ، لا يخلو من الأمثال العاميّة، وما تحلو به المذاهب الكلاميّة، فلهذا علق بكلّ خاطر، وولع به كلّ ذاكر، وعاجله أجله فاخترم، وأحرم أحبابه لذّة الحياة وحرم. ذكر شيخنا أبو حيّان وهو آخر من ذكره في مجاني العصر، وقال: مولده بالقاهرة في عشر جمادى الآخرة، سنة إحدى وستين وستمئة، ومما أنشد له قوله في طبّاخ:
ربّ طبّاخ مليحفاتر الطرف غرير
مالكي أصبح لكنشغّلوه بالقدور
وقوله:
أسير أجفان بخدّ أسيلكليم أحشاء بطرف كليل
في حبّ من حظّي كشعر لهلكن قصير ذا وهذا طويل
ليس خليلا لي ولكنّهيضرم في الأحشاء نار الخليل
يا ردفه جرت على خصرهرفقا به ما أنت إلاّ ثقيل
وقوله:
وقد سوّد حظّي منك يا أبهى الورى غرّة
سواد الخال والعارض والمقلة والطّرّة
قديم الهجر من لفتىقديم في الهوى هجره
رأينا من جفا وجناولكن زدت في كرّة
فهل تسنح أو تسمح بالوصل ولو مرّة
فقد أصبحت لا أملك من صبري ولا ذرّة
وقد صيّرني هجركفي كس أخت ما أكره
عذيري فيه من قمريريك بخدّه الزّهره
إذا قارن بالأكؤسإذ بشرتها ثغره
أراك الذّهب المصريي فوق الفضّة الفقرة
ومما أنشد له الفاضل أبو الصفا الصّفديّ قوله:
ومليح كالبدر زار بليلفجلا حسنه الدّجى إذ تجلّى
وما درى منزلي ولكنّ قلبيبلهيب الجوى هداه ودلاّ
وعجيب منه فقيه ذكيّبمحلّ النزاع كيف استدلاّ
وقوله:
ولقد أتيت إلى جنابك قاضياباللّثم للعتبات بعض الواجب
وأتيت أقصد زورة أحيا بهافرددت يا عيني هناك بحاجب
وقوله في رسّام:
قلت لرسّامكمبك الفؤاد مغرم
قال متى أذيبهفقلت حين ترسم
وقوله:
يا بأبي معاطف وأعينيصول منها رامح ونابل
فهذه ذوابل نواضروهذه نواظر ذوابل
وقوله:
حللت بأحشاء لها منك قاتلفهل أنت منها نازل أم منازل
أرى الليل مذ حجّبت ما حال لونهعلى أنه بيني وبينك حائل
أيسروا يا طلعة البدر طالعومن شقوتي حظّ بخدّك نازل
ولو أنّ قسّا واصف منك وجنةلأعجزه نبت بها وهو باقل
وقوله:
بلا غيبة للبدر وجهك أجملوما أنا فيما قلته متقوّل
لحاظك أسياف ذكور فما لهاكما زعموا مثل الأرامل تغزل
وما بال برهان العذار مسلّماويلزمه دور وفيه تسلسل
ولا عيب عندي فيك إلا صبابةلديك بها كلّ امرئ متبدّل
وعهدي أنّ الشمس بالصّحو آذنتوسكري أراه من محيّاك يقبل
وقوله:
في غزلي من لحظ ذاك الغزالأخبار صبّ قتلته النّبال
غصن سقته أدمعي ثمّ ماأثمر لما مال إلاّ الملال
وهبته ياقوت دمعي ولايسمح لي مبسمه باللآل
حلّ ثلاثا يوم حمّامهذوائبا تعبق منها الغوال
فقلت والقصد ذؤاباتهواسهري في ذي الليالي الطّوال
وقوله:
وكم يتجافى خصره وهو ناحلوكم يتحالى ثغره وهو بارد
وكم يدّعي صونا وهدب جفونهتفتّرها للعاشقين مواعد
وقوله:
مثل الغزال نظرة ولفتةمن ذا رآه مقبلا ولا افتتن
أحسن خلق الله ثغرا وفماإن لم يكن أحقّ بالحسن فمن
وسنّ في شرع الهوى تسهّديوحرّم الأجفان لذّات الوسن
في ثغره وصدغه ووجههالماء والخضرة والوجه الحسن
وقوله:
وبين الخدّ والشفتين خالكزنجيّ أتى روضا صباحا
تحيّر في الرياض فليس يدريأيجني الورد أم يجني الأقاحا
وقوله:
كأنّ ذاك الخال لما غدايلوح في سلسلة من عذار
أسيود يخدم في جنّةقيّده مولاه خوف الفرار
قلت والمذكور له محاسن كثيرة سوى هذا، منها قوله في نحوي:
يا ربّ نحويّ له مبسمتقبيله غاية مطلوبي
قد صغّر الجوهر من ثغرهلكنّه تصغير تحبيب
وقوله في مليح يعمل الكوافي اسمه علي:
اسم حبيبي وما يعانيقد أظهرا لوعتي وحبّي
قالوا: عليّا، فقلت: قدراقالوا: كوافي، فقلت: قلبي
وقوله:
عذار فيه قد عبثوامحبّوه وقد عنتوا
يخاف عيون واشيهفيمشي ثمّ يلتفت
وقوله:
إنّي لأشكو في الهوىما راح يفعل خدّه
ما كان يعرف ما الجفالكن تفتّح ورده
وقوله:
بعث العتاب برقعة محمرّةجاءت تهدّدنا بفرط جفائه
فسألتها عنه فقالت إنّهذبح الوداد فكنت بعض دمائه
وقوله:
ما أنت عندي والقضيب اللّدن في حال سوا
هذاك حرّكه الهواء وأنت حرّكت الهوى
وقوله:
جلا ثغرا وأطلع لي ثنايايسوق بها إلى قلبي المنايا
وأنشد ثغره يبغي افتخاراأنا ابن جلا وطلاّع الثنايا
وقوله:
لي من هواك بعيده وقريبهولك الجمال بديعه وغريبه
يا من أعيذ جماله بجلالهحذرا عليه من العيون تصيبه
إن لم تكن عيني فإنّك نورهاأو لم تكن قلبي فأنت حبيبه
هل حرمة أو رحمة لمتيّمقد قلّ فيك نصيره ونصيبه
لم يبق لي سرّ أقول تذيعهكلا ولا قلبا أقول تذيبه
والنجم أقرب من لقاك منالهعندي وأبعد من رضاك مغيبه
والجوّ قد رقّت عليّ عيونهوجفونه وشماله وجنوبه
هي مقلة سهم الفراق يصيبهاويسحّ وابل دمعها فيصوبه
وقوله:
دعاه ورقم الليل بالبرق مذهبهوى بك لبّاه الفؤاد المعذّب
بروحي يا طيف الحبيب محافظعلى العهد، يدنو كيف شئت ويقرب
ومن كلّما عاتبته رقّ قلبهوأقسم لا يجفو ولا يتجنّب
يعلّمه فرط القساوة أهلهويعطفه الخلق الجميل فيغلب
يشقّ جلابيب الدّجنّة زائريعلى رغم من يلحى ومن يترقّب
فأخجله مما أبثّ له الهوىويخجلني من كثر ما يتأدّب
فلو رمت أني عنه أثني عن الهوىغرامي لنادى لطفه أين تذهب
وقوله:
أخجلت بالثّغر ثنايا الأقاحيا طرّة الليل ووجه الصّباح
وأعجمت أعينك السّحر مذأعرب منهنّ صفاح فصاح
فيا لها سودا مراضا غدتتسلّ للعشاق بيضا صحاح
يا للهوى هل مسعد مغرمارأى حمام الأيك غنّى فناح
يا بانة مالت بأعطافهعلّمتني كيف مهزّ الرّماح
وأنت يا أسهم ألحاظهأثخنت والله فؤادي جراح
وقوله:
أوّل عهدي بالحبّ فيك غداآخر عهدي بالصّبر والجلد
وأنت يا طرفه السّقيم أماترحم ما قد حكاك من جسدي
يميل قلبي لرشف ريقتهمن أين للنار نسبة البرد
حسبي وحسب الهوى وحسبك مايفعله الهجر بي فلا تزد
وقوله:
تعالوا نعيد الوصل نحن وأنتمفلا رأي منا عند من دام صدّه
ولا تفتحوا للعتب بابا فربّمايعزّ علينا بعد ذلك سدّه
ومنتقم مني وذنبي عندهمقالي وهذا الحرّ قلبي عبده
رعى الله ليلا زارني فيه والدّجىيلثّمه لولا تضوع ندّه
فلما بدا واشي الصّباح بوشيهونيط علينا من ندى الجوّ برده
ترقرق درّ الدمع في متن لحظهفحقّقت أن السيف فيه فرنده
أقول لقلبي والغرام يقودهوسيف التجنّي والتّمنّي يقدّه
سأسري وجنح الليل يسطو ظلامهوأسقي وقلب الشمس يلمح وفده
أروم بعزمي فوق ما دون نيلهلواء المنايا خافق الظلّ بنده
ولا ذنب لي إلاّ الكمال على الصّبافمن لي بعيب أو بشيب أعدّه
وقوله:
ولقد أقول لصاحبيّ برملة الجرعاء ما بين النقا والغار
حثّا النياق بنا تسير ونحن فيقلب الدّجى أخفى من الأسرار
لا تخد عنّكما المعاطف إنّهاقد أنحلت سمر القنا الخطّار
وتوقيا تلك المحاسن إنّهانار القلوب وجنّة الأبصار
وقوله:
أما وتمايل الغصن النضيروحسن تلفّت الظّبي الغرير
وصدغ قد حكا لما تبدّىخيال الروض في صفو الغدير
لقد نشطت لواحظه لقتليبعزم وهي توصف بالفتور
كما جهلت ذوائبه غراميذهولا وهي توصف بالشّعور
هلال في التباعد والتدانيغزال في التلفّت والنفور
أعاين من محاسنه ودمعيطلوع الشمس في اليوم المطير
وقوله:
غادرني بغدرهعلى هجير هجره
فلم يحرّك في الهوىلسانه بذكره
وطرفه الساحر إنشككتم في أمره
كيف يذوق عاشقحلاوة في صبره
يا عاشقين حاذرواإذا وفى من غدره
يريد أن يخرجكممن عقلكم بسحره
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع