تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

عبد الله بن عمر بن نصر الله الأنصاري، أبو محمد، موفق

المعروف بالورن، الواعظ، الكحال، المتطبّب. واعظ لا يغر، ولا فظ بلفظ الدّر، وطبيب يمسح بيده السّقام، وكحّال لا تروّع بعده العيون بالمنام. دمث الأخلاق، غيث الروض فخاب سعي نسيمه الخفّاق، وتنقّل في السّكنى بمصر والشام، ثم اتخذ بعلبك من مساكنها دارا، ورضي بساكنها جارا، ثمّ لما حمّ حمامه، وقاربت الممات أيامه، رحل إلى مصر فتوسّد بها فراش التراب، وحطّ بها رحله، ثمّ لم يبعث له ركاب، وشعره الذّ من غفلة الرقيب، وزورة الحبيب، فمنه قوله:

يسائل طرفي عن خيالك في الكرىفيخبر سهدي أنّ طرفك راقد
ويحسب وكرا ناظري طائر الكرىوما هو إلا للسّهاد مصائد

وقوله:

قلبي وطرفي في ديارهمهذا يهيم بها وذا يهمي
رسم الهوى لما وقفت بهاللدمع أن يجري على الرّسم

وقوله:

تشابهت والصّبح في نورهاففرّق الساقي بفرق دقيق
ومزّقت ثوب الضحى فانثنىمن بزلها يرفي بخيط رقيق

وقوله:

رقّ النسيم لطافة فكأنّمافي طيّه للعاشقين عباب
وسرى يفوح معطّرا وأظنّهلرسائل الأشواق فيه جواب

وقوله:

إن ضيّعوا عهدي فعهد هواهمبين الجوانح سرّه مكنون
وحياتهم، أما السّلوّ فإنّهشك وأما حبّهم فيقين

وقوله:

شمت الحسود لأني ضنيت وما درىأنّي بأثواب الضّنا أتشرّف
يا غائبين وما ألذّ نداهموحياتكم قسمي وعزّ المصحف

وقوله:

رتق الحمى حدّث بأخبار لوعةلها من فؤادي بالجفون تواتر
ويا نسمات الصّبح قولي لراقدهناك الكرى، إنّي لبعدك ساهر

وقوله:

خليلي ما للبرق يخفق غيرةأبرق حماها مثل قلبي عاشق
وما للمطايا قد حداها اشتياقهاحتى لها مثلي تحنّ الأيانق
تميل غصون البان شوقا لقدّهافتنطق إشفاقا عليها المناطق
وينشقّ قلب للشقائق غيرةإذا حدّقت حينا إليها الحدائق

وقوله:

نقل الأراك بأنّ ريقة ثغرهمن قهوة مزجت بماء الكوثر
يا طيب ما نقل الأراك لأنّهيرويه نقلا عن صحاح الجوهر

حكى الفاضل أبو العبّاس بن العطّار، الكاتب، أنّ أخت الشيخ قطب الدين موسى بن القويني كانت مزوّجة في الرّحبة، فلمّا مات زوجها توجّه أخوها قطب الدين لإحضارها فأقام عندها لتقضي مدّة العدّة، ثمّ يحضرها، فكتب إليه الورن:

مولاي قطب الدين موسى دعوةمن نازح يسلو قطيعة وصله
أتراك ما آنست نار تشوّقييا من قضى أجلا وسار بأهله

قال: وكان بالبقاع قاض يلقّب شهاب الدين، وله ولد مليح اسمه موسى فأتاه فقيه مشهور يحبّ الغلمان، وكان قد أطلّ شهر رمضان، فتلقّاه القاضي، وأنزله عند ابنه، فكتب إليه الورن:

قل لشهاب الدين يا حاكمافي سرعة الحبّ على الجار جار
آويت في ذا الشهر ضيفا يرىأنّ دبيب الليل مثل النهار
وهو فقيه أشعريّ الخصايعلّم الصّبيان باب الظّهار
إياك إن لاحت له غفلةلفّ كبار البيت بعد الصّغار

قال: وكان بالبقاع وال من أهل الأدب، يعرف بابن درباس، واسمه عليّ، وكان ينظم الشّعر ويتوالى، والوزير بدمشق إذ ذاك بدر الدين جعفر بن الآمدي، وكان يتوالى أيضا. فاتّفق أنّه ولّى عنده بالبقاع كاتبا ممن سلم من التّشمير من

ديوان المطابخ، وكان من حديث هؤلاء أنهم سرقوا قندا كبيرا، كان قد حمل من غور الكرك، ليطبخ بدمشق للسلطان، فبلغ ذلك الملك الظاهر بيبرس، فأمر بهم فسمّروا، وطيف بهم على الجمال، إلاّ هذا الكاتب، فإنّه شفع فيه، فأطلق بعد أن قدّم الجمل ليسرّ، فلمّا استخدمه ابن الآمدي بالبقاع، ضيّق على ابن درباس، فأقام يعمل قريحته فيما يكتبه إلى ابن الآمدي فيه، فلم يأت بشيء، فسأل الورن في ذلك فكتب:

شكية يا وزير العصر أرفقهاما كان بأملي هذا من ولاك علي
لم يبق في الأرض مختار إلا فتىمن بقايا وقعه الجمل

فضحك ابن الآمدي، وقال: قال الحق والله، ثم عزل ذلك الكاتب، ولم يستخدمه بعدها.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.