تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

جوبان القواس

واسمه رمضان، ولقبه أمين الدين. لسان ينفق درّا، وبيان ينفث سحرا، وسنان يصيب نحرا، وحسّان يؤيّد بروح القدس إذا قال شعرا، كان لا يقرأ ولا يكتب، ولا سلف له سابق بأديب، ولا درس، بل كان شغله صنعة القسيّ يطلع أهلّتها، ويصنع من سقام الأصيل حلّتها. وحكى لي شيخنا شهاب الدين محمود الحلّي الكاتب عنه، أنه كان يدّعي الأميّة، وكان بخلاف ما يدّعيه، قرأ وكتب وحفظ المفصّل في النحو. وحكى لي صاحبنا الشيخ جمال الدين، أبو زكريا يحيى بن الغويرة السّلميّ عنه، أنّه كان يأخذ الخطوط المنسوبة الفائقة بخط ابن البوّاب، والوليّ التبريزي، وأمثالها ويضعها قدّامه بحيث يراها، ثمّ يقصّ من التّوّ مثلها ويلصقها أسطرا على الدروج، لا يفرّق بين ما قصّه منها بالمقصّ وبين ما كتبه أولئك الكتّاب بالقلم. وحكى لي حسن بن المحدّث الكاتب أنه كان يكون قاعدا في عمل صناعته وهو ينظم القطعة من الشّعر، النظم الجيّد المرضي، وفي شعره ما يبلّل بقطره الغمائم، ويلطم بنشره اللطائم، ومنه قوله:

وعهدي بوجه الأرض مبتسما فلمتغرغر منه الدّمع في مقل الغدر
إذ أرجف الماء النسيم لوقتهكساه شعاع الشمس درعا من التّبر

وقوله:

نصون الحميّا بالقناني وإنّمانصون القناني بالحميّا ولا ندري
ولما حكى الرّاووق في العين شكلهوقد علق العنقود في سالف الدّهر
تذكّر عهدا بالكروم فكلّهعيون على أيام عصر الصّبا تجري
يناولنيها مخطف الخصر أغيدفلله ذاك الأغيد المخطف الخصر
يقول وفرط السّكر يثني لسانهإلى غير ما يرضي التّقى وهو لا يدري
ومن كان لا تحوي ذراعاه مئزريفدون الذي تحوي أنامله خصري

وقوله:

لك بين حزني والسّرور مقامفلذاك أعذر في الهوى وألام
ولك السّرى بين الرّقاد ويقظتيفالوجد لا فكر ولا أحلام
يا حيرة العشّاق في سبل الهوىإذ ليس يدرك علمه فيرام
كتب الغرام على صحيفة خدّهمت عاشقا فلتتعب اللّوام

وقوله:

أدر علينا كأس ذكر الحبيبفإنّه يسكر سكرا عجيب
لو نسيمات بنشر الحمىتأتي مع الصّبح لمات الكئيب
وا رحمتا للصّبّ إن عرضوابذكر من يهواه عند الرقيب
يروم أن يكتم أحوالهوكيف تخفى لمحات المريب

وقوله في مليح له خال رقم ديباجة خدّه، وخال أنّه هو سبب صدّه، وأتى بلفظة حاله هنا تورية حسنة على ابتذالها وكثرة استعمالها:

وأسمر يخجل سمر القنامعسوله تحمي بعسّاله
يتمنّى خال على خدّهوآفة العشاق من حاله

وقوله:

تحمّلت فيك السّقم حتى رحمتنيفحاكيت حالي والتوجّع مسقم
وأحرقت قلبي بالجفا وسكنتهفلا غرو إن فاحت عليك جهنّم
ومذ غاض ما استودعت في الخدّ من دميبكيت به إلاّ فمن أين لي دم

وقوله:

لولا عيون الرشأ الأكحلما وصل السّهم إلى مقلتي
رقّ لي العاذل من لوعتيفكيف لو شاهده عذّلي

وقوله:

سار مزموم ركبهموهو عنّي مجنّب
فأنا اليوم بعدهمبالمغاني مشبّب

وقوله في القوس، وبذل فيه جهد استطاعته، وأجاد في صناعته:

أنا عون على هلاك عداكازادك الله نصرة وحماكا
فادعني في الوغى تجدني صبورانافذ السّهم في العلا فتّاكا
ربّ في الحرب نلت مطلبك الأقصى وما بي من قدرة لولاكا

وقوله في مليح لعب بالصوالجة، فطارت الكرة إلى وجهه فأثّرت فيه، وحقّقت باللّدم له بالبدر التّشبيه:

وافى وقد أثّرت في وجهه كرةجاءته قاصدة من غير مقتصد
لم ألق في حرجي من فعلها ألمابقدر ما نالني من شدّة الحسد

وقوله:

ربّح وخذ بنسيئةواشرب وامطل ودافع
فأحقّ ما أكل المحالي مال أرباب المطامع

وقوله، وهما في جملة قطعة من قطعه السائرة، وأبياته التي علقت بكلّ ذاكرة:

لاح الهلال ابن يوميه فأذكرنيشرب المدامة تجلى من يد السّاقي
كأنّه شفق للكأس قد نقصتبالميل والخمر شفّاق على الباقي

وقوله:

تفرّق عقله فرقاكذاك يصاب من عشقا
وأودع قلبه حجرامن الوجنات فاحترقا

وقوله:

قابل مذلّة من أتاك بعذرهبالصفح إنّ العذر خير شفيع
وإذا غفرت فلا تشوب حلاوة الغفران منك مرارة التقريع

وقوله:

أغايظه ليعرض بالتجنّيفيحلو لي إذا أبدى الدلالا
وإن عرف الفتى مقدار شيءعزيز من بضاعته تغالى

وقوله:

جئت أريد الحمّام يومافغرّني النقش والحصير
أنقل خوف الوقوع رجليفيها كما ينقل الضرير
جهنّم لا يصاب فيهاوهج بل الكلّ زمهرير
وكلّما جاءها زبونقلنا ألم يأتكم نذير

وقوله:

نفس الخسيس البخيل كامنةفيه ولو حاز ملك قارون
يعطي ويقري وفي مخايلهمنّ شحيح وكظم مغبون

وقوله:

حمانا الترك وانتهكوا حماناوليس يفي التواصل بالصدود
حمونا بالصوارم والعواليوجاروا باللواحظ والقدود

وقوله يرثي صديقا له:

كيف نسلو يا زين أو نتناسىخلقا منك يطرب الجلاّسا
لست أبكي عليه لكن على نفسي أبكي فقد عدمت النّاسا

وقوله:

ولما نزلنا دوحة الزهر نجتليمحاسن ما قد نظّمته يد القطر
فما خلتها إلاّ تماثيل عنبروقد جلّلت من فوقها شبك الدّرّ

وقوله:

أرني المنافس في الدنيا ليجمعهاحرصا وللرزق حكم يبطل السّببا
كلاعب النّرد يفني في تصرّفهجهدا ويمنعه المقدار ما طلبا

وقوله:

وباقة ألّفت من نرجس نضرتروق أبصارنا بالمنظر العجب
تخال مائدة من فضّة وضعتوبثّ فيها سكاريج من الذّهب

وقوله:

أيّها الحادي أقم نفسافلعمري فيك إحسان
اسأل الأحباب أن يعدواعودة فالقوم قد لانوا
رحلوا والقلب بينهميتوارى وهو وجلان
خيفة ممّن يهيم بهمكلّ من في الركب غيران

وحكي أنه كان يعهد غلاما مصونا، ذا جمال رائق، وكمال فائق، وحسن يعذر به الوامق، وانجذاب يطمع بمثله العاشق، وكان يعهده يجرح قلبه ولا يكلّمه، ويروي نظره منه ولا يطفأ تضرّمه، فمرّ به وقد تمادى عليه زمان في

حانوت معلّمه، فمذ رآه افترّ له بمبسمه، فأراد أن يجلس إليه فأشار إليه ألاّ يفعل، فعلق قلبه برحم إيمائه، وقوي طمعه في الوصول إلى نجم سمائه، وكان الغلام قد خاف معلّمه لأنّه كان به مفتونا لا يكفّ عنه نظرا، ولا يبصر غيره ولا يرى، وكان المعلّم وهو الذي راض جامح ذلك الغلام، وعلّمه أن يرمي بطرفه تلك السّهام، فانصرف عنه وهو يقول:

أقصد حانوته فيغمزنيأن لا تقف عندنا لتهتكنا
فإنّ هذا معلّمي رجلقد لاط قسطا من عمره وزنا
لا جمّل الله من معلّمهبالسّتر عرقا إن مات أو دفنا
علّمه صنعة يعيش بهامعه، وأخرى بها أموت أنا

قلت، وقد سكّن (معه) في هذا البيت وهو معيب. وكان شيخنا شهاب الدين محمود ﵀ يقول: قلّ أن نهضت قافية مقيّدة، أو عمّر بيت سكّنت فيه مع.

قلت: وفي قول شيخنا هذا مطلقا نظر، و (مع)، الساكنة مع غير ضمير أخفّ منها ساكنة مع الضمير. ثمّ نرجع إلى تتمّة شعره فنقول، ومنه قوله:

ألقت هواي في هواكم فراضنيفلم يبق لي نفس تخالف عن أمري
وقد كنت ذا صبر على ما ينوبنيفعلّمني هجرانكم قلّة الصّبر

وقوله:

لما بدا الشّعر على سالفيهسعى به من كان يسعى إليه
ما عاينت من قبله مقلتيبدرا عراه النّقص من جانبيه

وقوله في الحشيشة:

إذا فرص بدت لك فانتهزهافأعمار السّرور بها قصار
وخذها من معنبرة بلونكلون الآس يلحقها اصفرار
تطوف على الأكفّ بغير كاسلها، وحياتها الحبّ الصغار
وودّع غيرها إن خفت عارافحسوة غيرها ذل وعار
فلو أنّ الحشيش تزيد فهمالنال بفهمه الرّتب الحمار

وقوله:

يعبث عجبا بقلوب الورىفي الشّحّ بالوصل وبذل السّماح
يؤنس بالنرجس من يجتنيفإن لوى أطعمه بالأقاح

وقوله في الأذريون، وأهل دمشق تسمّيه (الكركاش):

انظر إلى الكركاش وهو محدّقكالتّبر محتاط عليه يدار
فكأنّه فم شادن متبسّممن فوق رأس لسانه دينار

وقوله:

تبّا لحمّام نشبنا بهالم نر فيها خصلة صالحة
فبابها كالفحم لكنّهاكالثّلج منها نقطة راسخة
والماء كالبولة لكنّهسخن غليظ سهك الرائحة
فيها ضباب عاقد تغتديأوجهنا في نقعه كالحة
والسّدر كالوحل على أرضهاقد لزم الشّعر من البارحة
وما الذي يذهب غيّابهوليس فيه نقطة شارحة
وفيم أترف من أحذمعلامة الشّرّ به لائحة
تتلو علينا كلّما جئناهـ نتلو سورة الفاتحة

وقوله:

نفّش غصن البان أذنابهواهتزّ عند الصّبح عجبا وفاح
وقال هل في الروض مثلي وقدعزوا إلى غصني قدود الملاح
فحدّق النرجس يهزا بهوقال حقّا قلته أو مزاح؟!
قال له البان ألا تستحيما هذه إلاّ عيون وقاح

وقوله:

وعدت زورة إذا الليل جنّافتجافى الكرى جفون المعنّى
وغدا بين خوفه والدّجى هلل إليه الصباح أو هي أدنى

وقوله:

ذو مقلة صحيحةألحاظها منكسرة
كأنّها من فعلهبصبّها معتذرة
أوصافه كاملةوفي الورى مختصرة
يا ربّ خذ رقيبهفهو أشدّ العشرة

وقوله:

لئن جحدتني العينان ظلماوجوب دمي فإنّ الخدّ يشهد
بخلت على الخليل بغير ذنبجناه بطيب مرشفك المبرّد

وقوله في المائدة وهي الخونجاه:

وذات أصل لها زكيّيصلح بين المغاضبين
تسعى على الرأس إن أتتناطورا وطورا على اليدين

وقوله:

وذات وجهين وما فيهماعين ولا أنف ولا حاجب
لها فم ليس له مدخلوهو لّما يسقونه شارب

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.