تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

عمرو بن مسعود بن عمرو الكتاني

المحّار، السرّاج، أبو حفص. هو السّراج المنير، والمحّار محاره، الدرّ خاطره، الحسن التصوير، والكتانيّ الذي دون صناعته قدر الحريريّ والحرير، الحلبيّ الذي لو تقدّم زمانه ابن حمدان لما طابت لأبي الطيّب عنده أردان، ولا كان له من الكنديّ أو نظرائه أخدان، ولقال بلدي أنا أولى به وهو أولى بي، وأنا أحقّ بذهبه

وهو أحقّ بذهبي، وجاري ولا واحد جاء من تنوفة، وشاعر من حلب ولا شاعر من أهل الكوفة. وهو ممن اجتمعت به ورويت عنه ما تروي منه النّهلة، ولقطت من عجالته ما لا تحصّله المهلة. وكان قد لبس زيّ المتصوّفة، ونسك آخر عمره نسك أهل المعرفة، وكان جلّ أدبه الموشّحات والزّجل، وأجادهما أجل، وكان فيهما أجلّ، ومن شعره قوله يصف مرآة من سبج:

ومرآة من السّبج المحلاّبدت في راحة الملك الهمام
تراءى وجهه فيها فقلناأهذا البدر يجلى في الظلام

ومنه قوله:

رأيته في المنام معتنقييا ليت ما في المنام لو كانا
ثم انثنى معرضا فواعجبييهجرني نائما ويقظانا

وقوله:

بعثت نحوي المشط يا مالكيفكدت أن تسلبني روحي
وكيف لا تسلب روحي وقدبعثت منشورا لتسريحي

ومنه قوله في معالج مقيرة:

بروحي أفدي في الأنام معالجامعاطفه أزهى من الغصن الغضّ
إذا ما امتطى لطفا مقيرة لهوأقعدها واحمرّ سالفه الفضيّ
رأيت محيّاه وما في يمينهكشمس تجلّت دونها كرة الأرض

ومنه قوله يصف الجوسق الذي بناه، وأظهر بالذّهب المموّه عن الأصل غناه:

لله جوسقك الرفيع محلّهطال المجرّة سقفه المرفوع
يغنيك عن زهر الربى إذهابهفلديك منه مربع وربيع
مختارة منه المحاسن كلّهافصفاته ما مثلها مجموع

ومنه قوله يصف طيب حماة، وما يرشف العاصي الجوسق من لماه، وينزلها لدمشق منزلة الضّرة، ويفضّلها على أكفافها المخضّرة:

يا حبّذا وادي حماة وطيبهوطلاوة العاصي بها والجوسق
فاتت منازل جلّق فلحسنها الشقراء تكبو خلفها والأبلق

ومنه قوله وقد ناوله صاحب حماة قرص حلواء أو خشكنانكه:

يا ملكا جود راحتيه لميحوج السائل السّؤالا
ما زلت تسمو في الجود حتّىأهديت لي الشمس والهلالا

ومنه قوله:

لنا مغنّ حسن صوتهيطرب من لحنه العرب
يرقص من يسمعه طيبةوهكذا المرقص والمطرب

ومنه قوله في مركب:

وأدهم أحسن شكل يرىقد راق حسنا وحلا منظرا
يزيد عن مرّ نسيم الصّبالطفا على الماء إذا ما سرى
أغرب ما فيه على حسنهرجاله تمشي به القهقرى
البرق لو جاراه قلنا انظرواكيف يعدّي الأدهم الأشقرا

ومنه قوله في وصف باب رخام مشحّم عليه جامة ذهب وحلق، من رآه قال سبحان من علّم الإنسان ما لم يعلم وأتقن ما خلق:

قالوا تشبّه ذا الباب الرّخام فماتقول في حسن هذا الجام والحلق
فقلت شمس عليها هالة طلعتتمزّق الغيم عنها حمرة الشّفق

ومنه قوله:

قالوا هوى بابن الأمير جوادهفقلوبنا كادت عليه تفطّر
فأجبتهم لا تعجبوا لوقوعهإنّ السّحاب إذا سرى يتقطّر

ومنه قوله:

لو جاد لي باللثم تحت اللّثامغنيت عن شرب كؤوس المدام
عذاره أوضح عذري بهلام، لمن عنّف فيه ولام
إذا رنا يخجل ريم الفلاوإن بدا يفضح بدر التّمام
أو انثنى قالت غصون النّقالله ما أعدل هذا القوام

وقوله:

إنّ بني مزهر وإن صغرتأقدارهم من أكابر الفجرة
لا يعرف الخير عندهم فلذامعرفة الخير عندهم نكرة
إذا تأمّلتهم وجدت علىوجوههم من مهانة قترة
ترهقها ذلة اليهود وإشراك النّصارى وخسّة السّحرة
أبوهم مزهر فمذ نشأتفروعه ما رأوا لها ثمرة
ودوحة لا تظلّ صاحبهافلا سقى الله تلكم الشجرة

ومنه قوله:

أحببته ساجي اللواحظ أهيفامرّ الجفا عذب اللّمى حلو الجنى
قالوا تهيم بحسنه فأجبتهمما ذا عليّ إذا عشقت الأحسنا

ومنه قوله في قنديل:

يا حسن بهجة قنديل خلوت بهوالليل قد أسبلت منه ستائره
أضاء كالكوكب الدرّيّ متّقدافراق باطنه نورا وظاهره
تزيده ظلمة الليل البهيم سناكأنما الليل طرف وهو باصره

ومنه قوله في حمام بعض مقاصيده بطّالة:

سقيا لحمّام الأمير التيرقّت بها من بعدها الحال
حلّ بها الفالج من بردهافجنبها الواحد بطّال

ومنه قوله في مليح اسمه شعبان:

أحبّ شعبان وأرجو بأنأرزق في حبّي له صبرا
ما اتّفق الناس على نصفهإلاّ وفيه الآية الكبرى

ومنه قوله في فوّارة ماء تبيض جؤجوا، وترقص لؤلؤا:

ومائسة القوام إذا تثنّتيروقك شكلها الحسن البديع
تريك من العيون لها قوامافتثنيه وسائره دموع

ومنه قوله في مليح محموم، لازمت بدنه ثمّ قبّلت فمه:

لا أحسد الناس على نعمةلكنني أحسد حمّاكا
أما كفاها أنّها عانقتقدّك حتّى قبّلت فاكا

ومنه قوله في قريب منه:

قالوا حبيبك قد غدا ذا هزّةأتقول تلك عقوبة الهجران
فأجبتهم: حاشاه لكن الهوىأبدا يهزّ معاطف الأغصان

ومنه قوله في إبريق فخّار:

يا حبّذا شكل إبريق تميل لهمنا القلوب وتصبو نحوه الحدق
يروق لي حين أجلوه وتعجبنيمنه محاسن ذاك الجسم والعنق
كم قد شربت به ماء الحياة ولنينالني منه لا غصّ ولا شرق
حتى غدا خجلا مما أقبّلهفظلّ يرشح من أعطافه العرق

ومنه قوله في شخص من نحاس يجري منه الماء:

وصامت صامت موضوعه عجبفأمره مبهم المعنى وموضوح
له عيون بأعضاء يفجّرهاماء الحياة، وما في جسمه روح

ومنه قوله في مليح اسمه محمود:

يقول لي منكر حالي بهمن لك في ذا الحيّ مقصود
فقلت لا تسأل عن مقصديفيه فقصدي فيه محمود

ومنه قوله يشفع في مسجون اسمه كمال:

فقال أيرتجى منّي تمامأسرّ به وفي السّجن كمال

ومنه قوله يذكر الشّتاء الكالح وثلجه المكفهرّ وثغره الفاتح:

يا شهر كانون أمرضت الغصون ومذأمتّها لبست أنوارها حزنا
والمزن غسّلها من ماء أدمعهوالثّلج حاك لها من نسجه كفنا

ومنه قوله:

انظر إلى النهر في تسلسلهوصفوه، قد وشا على السّمك
توهّم الرّيح صيدها فغداينسج متن الغدير كالشبّك

ومنه قوله في الياسمين وقد لاحت نجومه المشرقة، وبدت وكأنّه على صدر الغواني في الأزر الخضر، صلبه المعلقة:

كأن الغصون من الياسمين وأزهاره حين يعلوه طيب
نساء من الروم هيف الخصور على صدر كلّ فتاة صليب

ومنه قوله في زهر الخوخ، وهو الدراقن:

وللزهريّ زهر راق لوناتجلّى في بياض واحمرار
كأن عيونه ترنو إليناعيون حشوها أثر الخمار

وقوله، وقد دخل الملك المنصور من فامية إلى حماة، وتركه في مخيمه بها، وكانوا بها في حمى نرجس:

رحلت فأصبحت روضة النّرجس الذي عهدت بها الأزهار وهي بواسم
مقرّحة الأجفان خفّاقة الحشاتود اشتياقا لو بكتها الحمائم

ومنه قوله في مليح يعلوه صفرة ذهّبت أديمه الفضّيّ، ووشعت أصلها نسيمه الروضي:

قالوا: حبيبك أصفر فأجبتهمما ذاك منقصة لفرط بهائه
ولذاك إنّ الحسن رقّ بخدّهفأراك لون محبه في مائه

ومنه قوله في معذّر رآه في قباء أزرق كالبدر في الصحو أشرق، أو الشمس في غيم ذلك الاستبرق، إلا أن عارضه قد لوي ونام لما شرب من ماء خده وروي:

ولما لاح في الأزرقمن مزروه المزري
بخدّ مشرق اللونعليه عارض ملوي
أرانا الشمس في الغيموبدر التمّ في الصحو

ومنه قوله:

أرى لابن سعد لحية قد تكاثفتعلى وجهه واستقبلت غير مقبل
ودارت على أنف عظيم كأنه«كبير أناس في بجاد مزمّل»

ومنه قوله في زامرة سوداء قبيحة:

ولربّ زامرة تهيج بزمرهاريح البطون فليتها لم تزمر
شبّهت أنملها على مزمارهاوسوادها الداجي القبيح المنظر
بخنافس قصدت كثيفا فاعتدتتدنو إليه على خيار الشنبر

ومنه قوله في أحدب يدعى الحسام:

وأحدب أنكروا عليه وقدسمّى حساما وغير منكور
ما لقبوه الحسام عن سفهلو لم يروا قدّه القلا جوري

ومنه قوله في نجار مليح رآه بالمعرة:

قالوا المعرة قد غدت من فضلهايسعى إلى أبوابها وتزار
وجبت زيارتها علينا عندماشغف القلوب حبيبها النجار

ومنه قوله يخاطب رجلا أهدى له زيتا:

أنور الدين يا مردي الأعاديبصارمه إذا اشتدّ الهياج
أتاني الزيت منك فزدت نوراولولا النور ما عرف السراج

ومنه قوله من أبيات طارت في كل سماع، وعلقت بكل الأسماع، صنعت في موضع من الغناء، ما سمع منه أطيب، ولا هزّ المعاطف منه أطرب. طالما كانت لأغصان القدود مميلات، وقضيت بها ليال، وإنما العمر هاتيك الليلات:

ما بثّ شكواه لولا مسّه الألمولا تأوّه لولا شفّه السقم
ولا توهم أنّ الدّمع مهجتهأذابها الوجد حتى سال وهم دم
صبّ له مدمع صب يكفكفهفتستهل غواديه وتنسجم
أراد إخفاء ما يلقاه من ألمحتى لقد كان بالسلوان يتهم

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.