من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
علي بن المظفر الكندي الوداعي
شاعر له لسان لا ينبو له ضرب، ولا تخبو له نار حرب. أولع من النار بتخليد الفساد، ومن النار بتخليف الرماد. أفنى أعراق الأعراض قرضا وأنهك عظام العظام رضا. وتتبع المساوئ ودوّنها، والمخازي وسطّر أدونها. وخلّد القبائح وكتب، وأظهر الفضائح وكذب. وولع بالكبراء ولع الخمر بالعقول، وعبث بالأمراء وكان لا يبقي فيما يقول. وكان ممن غالب صباه على تأديب
نفسه فتأدب، ثم ما تأدب، وصفا منهله ثم تطحلب، لأنه أشغله بإفشاء المعايب، وإنشاء المثالب. وكتب أول حاله للصاحب عز الدين بن وداعة، ثم كان ينقل في الوظائف التي بها ينتفع، إلا أنه لا يرتفع. ثم استكتب بالبيرة، ثم بديوان الإنشاء بدمشق. بعد عطلة ضاق بها عطنا، وضاع فيها فهمه فحار لا يهتدي، ولا يأنس فطنا، فما صدر عنه ما يثبت، ولا ظهر ما يكتب له إلا ما يكبت. فما عدم من عزاء القديم امتهانا، ولا خلّد له بالديوان إلا أنه خلد فيه مهانا.
وكان ممن لا يؤخر في رجال الحديث، والقراءة علو رواية، وعلوم دراية، وتعاليق فيها بخطه، وكان غاية. وقرأت عليه بعض كتب الأدب، أول ما عقّت عني التمائم، ولبثت على رأسي العمائم. وكان سريع الإفهام سرى القدح في زناد الأفهام. وله تذكرة جمعها عدة أجزاء، وديوان شعر، أول ما بدأه بأعراض أصحابه الأعزاء، معما فيهما من محاسن أخر، ومعادن درر. ووقفهما ببعض الجهات، وملأهما حراما وحلالا، وبينهما شبهات. فانتدب قاضي القضاة نجم الدين، أبو العباس، أحمد بن صصري التغلبي، فكشط ما ضمهما من القبائح وتطهيرهما، وقد غمس فيهما يده في دماء تلك الذبائح، وها ديوانه الآن منقّى من ذلك الغلث، مبقى ما سوى ذلك العبث. أجل، إلا ما غمض على بديهة المعارف، وخفى بهرجه على بصيرة الصيارف. وكنت قد استعرت نسخة منه، فلما انقضت إفادتها، وطلب مني إعادتها، كتبت معها:
بعثت بديوان الوداعيّ مسرعاإليك وفي أثنائه الذمّ والمدح
حكى شجر الدفلاء شكلا ومخبرافباطنه سمّ وظاهره سمح
وها أنا ذاكر من شعر المبتدع، الوداعي إلا أنه الدر الثمين لا الودع. فمنه
قوله:
يا من يلوم كريما يهشّ للتعظيمما يقبل النفخ إلا ظرف صحيح الأديم
ومنه قوله:
يا سائلي من أين تأكلهاك حالي عن يقين
إن الذي خلق الرّحىيأتي إليها بالطحين
ومنه قوله في نصراني مليح رآه سائحا، وكالظبي في جنبات الوادي سارحا:
وسائح وهواه في كل قلب مقيم
مذ أشبه الظبي أضحى في كل واد يهيم
ومنه قوله:
أشكو إلى الرحمن بوابكموما أرى من طول تعميره
ملازم الباب مقيم بهكأنه بعض مساميره
ومنه قوله وقد مرّ بالنّيرب فرأى تمايل غصونه ما أطرب:
ويوم لنا بالنّير بين رقيقةحواشيه خال من رقيب يشينه
وقفت فسلمنا على الدّوح غدوةفردّت علينا بالرؤوس غصونه
ومنه قوله:
أما ترى الجامع في ليلة النصف التي تزهى بأنوارها
قد وقّدوه فحكى روضةذهبيّة أوراق أشجارها
قلت: وقد ذكرت بهذين البيتين بيتين كنت قلتهما في هذا المعنى، ليلة نصف شعبان سنة تسع عشرة وسبعمائة بدمشق، ونحن بالجامع الأموي، وقد علقت مصابيح الوقود، كأنها خدود، وأقبل شاب ما طرّ شاربه، هو البدر التمام في تلك الليلة أو يقاربه، ثم طفق في الجامع يتمشى، ويأخذ بمجامع القلوب ولا يخشى، فقلت:
ولاحت مصابيح الوقود كأنهاعيون رأت معنى الحبيب فحدّقت
وولّت تريد العود من خوف خدّهوقد سرقت منه الشعاع فعلّقت
عدنا إليه. ومنه قوله، وقد وكل السلطان ابن المقدسي، وهو ناصر الدين محمد بن عبد الرحمن بن نوح، وكان من علمت فعلاته وعرفت عليه ولم يسرق عملاته:
قل للمليك أمدّه ربّ العلى منه بروح
إن الذي وكّلته لا بالنصيح ولا الفصيح
وهو ابن نوح فاسأل القرآن عن عمل ابن نوح
ومنه قوله، وقد طلبت منهم بغال، ورميت عليهم جواري من سبي بيروت:
أيها الكتّاب قد زال زمان الافتقار
وغنينا واحتشمنا ببغال وجواري
ومنه قوله، وقد رفعت الديادب النار منذرين بالعدو، ثم أصبح الخبر ساكنا، والبلد آمنا، وقد خمدت جمرة ذلك الليل وأصبحت رمادا، وسطح بياض النهار وما رأوا في مساء تلك الليلة إلا سوادا:
لا تخافوا رفع نارعندما لاح السواد
إنها جمرة ليلأصبحت وهي رماد
ومنه قوله، وقد اهتم المتحدث بالشام في توسعة الميدان، عند قدوم الملك الأشرف:
علم الأمير بأن سلطان الورىيأتي دمشق ويطلق الأموالا
فلأجل ذلك زاد في ميدانهاليكون أوسع للجواد مجالا
ومنه قوله، وقد أهدي قطرا:
أرسلت قطرا وسؤليله قبول وعذر
ثم الأباليج يأتيوأول الغيث قطر
ومنه قوله، قد سبق الأعسر الأمراء في عمل ما خصّه من الميدان:
لقد جاد شمس الدين بالمال والقرىفليس له في حلبة الفضل لاحق
وأعجز في هذا البناء بسبقهوكلّ جواد في الميادين سابق
ومنه قوله في الصاحب محي الدين، محمد بن النحاس، أحد أئمة الحنفية، وكان له ولد اسمه يوسف أجاد:
من مثل محي الدين دامت حياتهإلى مذهب الدين الحنيفي يرشد
لقد أشبه النّعمان وهو حقيقةأبو يوسف في علمه ومحمد
ومنه قوله:
كفى أسفا أننا جميعا ببلدةلا نلتقي يوما ولا نتزاور
وما ذاك من بغض ولكن عيونناعلى بعضنا من بعضنا تتغاير
ومنه قوله:
يفدي عدوّك سبعةممن يحبّك في البرايا
وكذلك البقر التيفي العيد تنحر للضحايا
ومنه قوله، وقد اجتاز في طريقه بجفان كرم:
لله كرم أصله وفروعهطابت وطالت فهو غير مذمّم
نصبت بمدرجة الطريق جفانهوكذاك عادات الكريم المطعم
ومنه قوله، وقد غنى الفصيح، ومال الشمع وطرب في جملة الجمع:
وفصيح ما سمعنالأغانيه مثالا
أطرب الحيّ إلى أنطرب الشمع فمالا
ومنه قوله:
يوم يقول بشكلهقوموا اعبدوا الله الأحد
قزح كمحراب بداوالبرق قنديل وقد
والرّعد فيه مسبّححبّات سبحته البرد
ومنه قوله:
أيها الزائر ربعيبعد هجر ونفور
ليس في الدنيا مكانيسع اليوم سروري
ومنه قوله:
رمتني سود عينيهفأصمتني ولم تبطي
وما في ذاك من بدعسهام الليل ما تخطي
منه قوله، وأحسن كلّ الإحسان:
أبا أقضى القضاة ومن نداهله نشر يعطّر كلّ ناد
لقد جنّت دواتي من بياضفعوّذها بحرز من مداد
ومنه قوله:
يا حسنه من حمدار لقدحارت عقول الناس في وصفه
كأنه من عظم أردافهقد حمل الكاره من خلفه
منه قوله، وتطارف:
لنا صاحب قد هذّب الطبع شعرهفأصبح عاصيه على فيه طيّعا
إذا خمّس الناس القصيد لحسنهفحقّ لشعر قاله أن يسبّعا
ومنه قوله:
أتيت إلى البلقاء أبغي لقاكمفلم أركم فازداد شوقي وأشجاني
فقال لي الأقوام: من أنت راصدلرؤياه، قلت: الشمس. قالوا: بحسبان
ومنه قوله:
إن هذا الفتى فتى سبانيحسن نقش العذار في وجنتيه
يا نديمي في المدامة إنيأشتهي أن أدقّ يوما عليه
ومنه قوله، قد طلب بخيل الحجر:
حرت في أمري فدلّوني وقولوا: أين أذهب
ومتى ينجو ضعيفوهو بالخيل يطلب
ومنه قوله، وقد مرّ بباب عمّي الصاحب شرف الدين، ﵀، في الشتاء، فوجد كرمة هناك، لم ترم ورقها، ولا جرد الأجيرد رونقها:
قد أسقط البدر أوراق الغصون وفيأبواب دارك غصن يانع الورق
هذا يحقق عند الناس كلهمبأن ربعك من ريب المنون يقي
ومنه قوله في مليح هرب فنطق على جناح الحمام الرسائلي برده:
وذي دلال أهيف كمسرّحوا من الحمام نوبة في ردّه
لأنها تعرفه من طول ما غنتعلى مائس غصن قدّه
ومنه قوله، وقد سمع قائلا يقول عنه: هذا رافضيّ، والقائل يعيش أبوه وجدّه، وهما شيخان:
قل للذي بالرّفض أتهمني أضلّ الله قصده
أنا رافضيّ ألعن الشيخين أباه وجدّه
ومنه قوله:
أنا كأس من المدامة فانكنت تفاحة من البستان
كنت ذوبا مثل العقيق ولكنجمدتني مخافة السلطان
ومنه قوله في كاتب مليح:
اسمع حديثي ثم من بعدهكن عائبي إن شئت أو عاتبي
أصبح جسمي قلما من ضنىوما براه غير ذا الكاتب
ومنه قوله:
قالوا: حبيبك قد دامت ملاحتهوما أتاه عذار إن ذا عجب
فقلت: خدّاه تبر والعذار صداوقد زعمتم بأن لا يصدأ الذهب
ومنه قوله:
لا أرى لفظ عارضيه قبيحايا عذولا عن حبه ظلّ ينهى
وجهه روضة وليس عجيباأنه يلقط البنفسج منها
ومنه قوله:
أحببته رشأ عليه شقرةمن أجلها ذهب العذار مفضض
قل للعواذل فيه هل أنكرتمأن البنفسج منه زهر أبيض
ومنه قوله في أعمى يرى بابنه:
موسويّ الغرام يهوى بسمعيهـ ويشكو من رؤية العين ضرّا
يتوكّا على قضيب رطيبوله عنده مآرب أخرى
ومنه قوله:
ركبدار وجندار غوانيورئيس قرية وأمين خان
لئام أمهاتهم زوانوإلا أين أولاد الزواني
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع