تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

عبد المجير، أحمد بن الحسين الخياط، مجير الدين

شاعر لا يقدر على مبالغه، ولا يعصى الحصا على ماضغه. قريحته مقتدرة، وفكرته مبتدرة، وخاطره السمح لا يقابله بالمعذرة. ولم يكن في سوق الشعر متكسبا، ولا بما يتسنّى من جوائزه متسببا، بل كان يكتفي بصناعة يده، وبضاعة شمم يكفى بها منه مسترفده، مع قليل مال يصلحه فينمي، ويستسفحه فيهمي، إلا أنه رزق خياط يجنيه من حرث إبرته، وتأييد بمقدار ما يبيعه من نظر مقلته، مع أنه بدا بناظره فخاطه بالإعجاب، وخاطه بكبرياء بلغت به العجب العجاب. ومن شعره السهل الذي لو دعي أجاب، قوله:

يغنيه عن بعث الكتائب كتبهوكأنما في كلّ سطر فيلق
والمرء يفتن بابنه وبشعرهوكلاهما شيء لعمرك يعشق

ورأيت بخط المجير المذكور فصلا أتبعه بشعر لخصتهما وهو: ولقد ورد على رجل من مصر يتعاطى أنه شاعر، ولم يكن خبيرا بما يحتاج إليه، بل كان نظّاما لحّانا، يخطئ الأوزان، ويخالف اللغة في غير مكان، فأصلحت من هذيانه على ما أفضى إليه حال لفظه، ونسقت له أساليب من كلامي، زيّنت بها قبح ما جاء به من بشاعة نظمه، وبرد سرده، ولم يخل من قصيده وضيعا ولا رفيعا، ولا عبدا ولا حرّا. وكل هذا وأنا أنظم له القصائد، وهو بحبالي الصائد، ثم ثلبني، فنقل إليّ، فقلت:

عتبت وقلت إني قيل عنيمقال ما سمعنا منه أكذب
وإني قانع بقليل شكرفقل لي ما لكثر الذمّ أوجب
ولا تعجب لقلب الخير سرّافذمّك لي بظهر الغيب أعجب
وإن تر أنّ في عتبي صوابافترك العتب منك عليّ أصوب
وقد قلت الذي عندي وهذانهاية حالنا فاجنب أو اركب
ولم أسلفك إلا كلّ خيروإن تعتب فإنّي غير معتب

ومن شعره قوله:

صبح العوافي تنفّسفي ليل سقمي وعسعس
وعاد نطق حياتيوكان بالموت أخرس
ونافس البرء سقميفكان بالنفس أنفس
والموت لم ينج منهسمّ العرانين أخنس
وكل عال ونكسفي هوّة الهلك ينكس

ومنه قوله:

يدافع الموت في تقلّبهموج المنايا وسيلها دفع
وليس من تحت سبع أرقعةيبقى ذباب كلاّ ولا سبع

ومنه قوله:

سدّ عليّ النهيج والأرقوساقني في لجامه العرق
واتّسعت فيّ للردى سبلفيها تضيق الأنفاس لي طرق
وفي عروقي وأعظمي ودميجرت خيول الحمام تستبق
أظلّ لا أطعم الطعام فإنطعمت منه أكاد أختنق
وفي سحاب الحياة بارقةفي جوّ جوفي بالموت تأتلق
ولي بتقدير خالقي علقمن حيث لا نطفة ولا علق

ومنه قوله في وزن درعية المعري التي أولها: هم الفوارس بات في إدراعها، قصيدة منها:

ماذية لو أرسلت من خالقفي سيله فاتته في إسراعها
لو أن أرجل نملة دبّت علىسربالها ما غاص طرف ذراعها
عاديّة تنبو الصوارم في الوغىعنها لرقّتها وغلظ طباعها
لو ألقيت في قفرة دويّةحام القطا طمعا بحومة قاعها
خصراء محكمة القتير لسردهاحبك يضيع الفكر في أوضاعها
زغف دلاص ستر كلّ مقنعإن آذنت حرب بكشف قناعها
كم قطّعت بيض الظّبا بوصالهاوتدافعت سمر القنا بدفاعها
وثوابت الخرصان لو قارعنهالتقصّفت وتقصّدت بقراعها
لطفت على فرط الكثافة حلّةقد طرّزت بالبرق من تلماعها
سمح الزمان بحين عصر ولادهاومسامع الدنيا ثديّ رضاعها

ومنه قوله يصف مقتل أفعى:

نفر الحباب فخلت سيل الجدولمتدفقا نحو الأباطح من عل
أو أسمرا متأطّرا يوم الوغىفي كفّ مشبوح الذراع شمردل
يرنو بأخرز شبه جذوة قابسمتوقدا في جنح ليل أليل
فهو الشجاع مدرّبا بإهابهفمسربل درعا وغير مسربل
وكأنما حدق الجراد لباسهأو رقش وشي فوق ردّ أسحل
بادرته بمهند ضمّ الصفابفرنده يغري بضربة فيصل
وكأنه ليل سطا بسوادهعند الصدام بياض صبح منجلي
متململا من فوق مفرش تربهيعلو أعالي رأسه بالأسفل
وكأنّما هو بالدماء مضمّخليل كقنو النخلة المتعثكل
تملو لهازمه لفرقة نفسهبتكشّر عن كلّ ناب أعصل
فقتلت منه أفعوانا قاتلاكم قد أصاب ضريبة في المقتل

ومنه قوله:

أين من أعطافهمكانت تهزّ الأريحيّة
وعلى الشعر يجازون الجوائز السنيّة
ذهبوا لم يبق فيالدنيا منهم بقيّة
غبروا لذكر منهمعطّر أفواه البريّة

ومنه قوله:

لا ترفعنّ دنيّافرفعه لك خفض
ودسه حيث تراهبتركه فهو أرض

ومنه قوله:

لا شيء فوق الموت تألمهإلا إذا أضيافه ارتحلوا
لو أن كعب الجود عاصرهبسماحه لم يضرب المثل

ومنه قوله في حائك صار خطيبا:

وحائك صار خطيبا ومذصار خطيبا قد بدا منصرما
ظنّ وقد صار على منبربأنه قد صار فوق السما
وهو الذي من نفق في الثرىإلى الثريّا قد رقي سلّما

ومنه قوله، وقد ولي شمس الدين محمد بن الرزيز خطابة الجامع الكريمي بقبيبات دمشق، وقام شخص اسمه ابن العديسة واعظا:

في الدهر شيء عجيبمرآه يقذي اللواحظ
ابن الرزيز خطيبوابن العديسة واعظ

ومما أملانا من نثره قوله مع قصيدة كتب بها إلى بعض الرؤساء، وهو:

فأرسلتها كالمهدي قطرة إلى البحر المحيط، أو النافخ بغيه ليزيد بنفسه في الهواء البسيط.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.