تجاوز إلى المحتوى

من «مطالع البدور ومنازل السرور» للغزولي (ت ٨١٥هـ)

الباب الثالث عشر في الشطرنج والنرد وما فيهما من محاسن مجموعة

قال الشيخ شمس الدين خلكان في تاريخه رأيت خلقاً كثيراً يعتقدون أن الصولي هو واضع الشطرنج وهو غلط وإنما واضعه صصه بصادين مهملتين أحدهما مكسورة والثانية مشدودة مفتوحة وفي الآخر هاء ساكنة وأدزشير بن بابك أول ملوك الفرس الأخيرة هو الذي وضع النرد ولذلك قيل النردشير نسبوه إليه وازدشير لفظ عجمي تفسيره بالعربي دقيق وحليب فأزد دقيق وشير حليب وقيل دقيق وحلاوة وقيل هو بالزاي لا بالراء وضعه مثالاً للدنيا وأهلها فرتب الرقعة اثني عشر بيتاً بعدد شهور السنة والمهارك ثلاثين قطعة بعدد أيام الشهر والفصوص مثل الأفلاك ورميها مثل تقبلها ودورانها والنقط فيها بعدد الكواكب السيارة كل وجهين منها سبعة الشش ويقابله إليك والبنج ويقابله الجو والجهار ويقابله السا وجعل ما يأتي به اللاعب من النقوش كالقضاء والقدر والجهار تارة له وتارة عليه وهو يصرف المهارك على ما جاءت به النقوش لكنه إذا كان عنده حسن نظر عرف كيف يتأتى وكيف يتحيل على الغلب وقهر خصمه مع الوقوف عندما حكمت به الفصوص.

ولما تم وضعه واشتهرت افتخرت به الفرس وكان ملك الهند يومئذ بلهيث فوضع له صصه المذكور الشطرنج فقضت حكماء ذلك العصر بتفضيله على النرد ولما عرضه على الملك وأوضح له أمره سأله أن يتمنى عليه عدد تضعيف بيوته قمحاً فاستصغر الملك ذلك من همته وأنكر عليه ما قابله من النزر القليل في ذلك فقال له ما أريد غير ذلك فأمر له بذلك فلما حسب أرباب الديوان ذلك قالوا للملك ما عندنا ما يقارب القليل منه فأنكر ذلك فأوضحوا له بالبرهان فأعجبه الأمر الثاني أكثر من الأول.

قال القاضي شمس الدين بن خلكان ولقد كان في نفسي حزازة من هذه المبالغة حتى اجتمع بي بعض حساب الإسكندرية وذكر لي طريقاً يبين لي ما ذكروه وأحضر لي ورقة بصحبة ذلك وهو أنه ضاعف الأعداد إلى البيت السادس عشر فأثبت اثنين وثلاثين ألف وسبعمائة وثمانية وستين حبة وقال نجعل هذه الجملة مقدار قدح وقد عبرتها فكان الأمر كما ذكروه والعهد عليه في هذا النقل ثم ضتعف السابع عشر إلى البيت العشرين فكان فيه ويبة ثم انتقل من الوبيات إلى الأردب ولم يزل يضعفها حتى انتهى في البيت الأربعين إلى مائة ألف أردب وأربعة وسبعين ألف أردب وسبعمائة اثنين وستين أردباً وثلثي أردب وقال في هذا المقدار شونة ثم ضاعف الشون إلى بيت الخمسين فكانت الجملة ألفا وأربعة وعشرين شونة ثم قال هذا المقدار مدنية ثم إنه ضاعف إلى البيت الرابع والستين وهو آخر الأبيات فكانت الجملة ستة عشر ألف مدينة وثلاثمائة وأربعاً وثمانين مدينة وقال يعلم لأنه ليس في الدنيا مدن أكثر من هذا العدد انتهى.

قال أبو عبد الله محمد بن الأكفاني إذا جمع هذا هرماً واحداً مكعباً كان طوله ستين ميلاً وعرضه كذلك وارتفاعه كذلك بالميل الذي هو أربعة آلاف ذراع بالعمل الذي هو ثلاثة أشبار معتدلة على أن الأردب المصري مساحته ذراع مكعب وزنه مائتان وأربعون رطلاً وكل رطل مائة وأربعة وأربعون درهماً والدرهم أربعة وستون حبة من القمح.

قال عمر بن الخطاب (وقد ذكر عنده الشطرنج إني لأعجب من ذراع في ذراع يديرها الحكماء مذ وضعت لم يقفوا لها على غاية.

قيل سبب وضع الشطرنج أن ملوك الهند ما كانوا يروا القتال فإذا تنازعوا في كورة او مملكة تلاعبا بالشطرنج فيأخذها الغالب من غير قتال.

ذمها: ذكر الصولي في كتابه كتاب شعراء مصر أن خرسان الشاعر كان حاذقاً بلعب الشطرنج فعابها الحسين الجمل مكائده له فقال صاحبها أبداً مشغول بهموم يحلف بالله كاذباً يعتذر مبطلاً ويشتم نفسه ويسخط ربه وكل صناعة يجوز المكاثرة فيها غيرها فإن صاحبها يغلب في ساعة فيقضي دعواه وهو لعب الصائم إذا جاع والعامل إذا عزل والمخمور حتى يفيق وإنما يهزم خشب خشباً ثم عن الرجل يسأل عن غلامه فيقال له هو يلعب فيضربه ولايستحي أن يقول قم حتى نلعب وهو يلاعبه وأن تقول في الكناس ما أحذقه وفي الطنبور ما اضربه وإذا اعترف عن الشطرنج قلت ما ألعبه فما يقول في صناعة العبارة عن الكناس أحسن من العبارة عن صاحبها.

قال الجاحظ: سمعت النظام يقول في الشطرنج غنيان عجزاً عن الأدب فتلاعباً بالخشب.

دخل أبو العبيس على أبي تمام وهو يلعب بالشطرنج وكان وسخاً فقال ما أوسخ هذا الشطرنج فقال أبو تمام واللعب أوسخ.

نادرة: حكي أن بعضهم كان إذا لعب الشطرنج ضارب خصمه فوصف لبعض الظرفاء فقال أنا ألتزم اللعب معه وما يحصل بيننا ضراب فلما أتى به ولعبا قال له في أثناء اللعب شاه استر فقال مليح والله القرنان أنت والقواد أنت فقال يا أخي ما الذي قلت لك قال قلت استر وهي اشتر وما يشتر إلا الجمل والجمل تصحيفه حمل والجمل اسم نجم في السماء يقاربه الجدي والجدي كبش والكبش القرنان هو الذي يقود فقال يا أخي ما رأيت من يضارب بتصحيف وتفسير إلا أنت.

نادرة: سأل بعض الأكابر إنساناً فقال تعرف اللعب بالشطرنج فقال لا والله يا مولانا ولكن لي أخ اسمه عز الدولة وهو أخي لأمي أكبر مني بسنتين وأكبر بشيء يسير كان قد حصل بيني وبينه خصومة غاظته فسافر من مدة عشرة أعوام وسكن مدينة قوص وبلغني أنه فتح له دكان عطر وإلى الآن ماورد على المملوك منه كتاب وهو أيضاً ما يعرف بلعب الشطرنج.

ومشى البيدق مع شاب موسوم بالجمال فقال شمس الدين المنجمة الشاعر أراك يا بيدق تفرزن حول هذا النفس، فقال له وإذا كان ذلك فقال أخشى عليك من ذلك الرخ لايقطعك من الحاشية ويرميك عن الفرس ويقطع عليك الرقعة ولو كان في كفيك الفيل يشير بقوله ذلك الرخ إلى أحد الأعيان كان يحب الشاب المذكور.

نادرة: بعض الأجناد كان كثيراً يلعب الشطرنج مع مخدومه وكان الجندي خليعاً فأعطاه الأمير فرساً وقال له لا تفرط فيها قال نعم وبعد ذلك ألفاه راجلاً وهو لابس جوخة قال ويلك أين الفرس فقال ياسيدي ضربني الشتاشاه مات سترت بالفرس.

وما أحسن قول القاضي الفاضل يصف حصار قلعة وجثا المنجنيق يحاكمها ولسان حبلة يخماصمها والخادم تحت المنجنيق الإسلامي يعرض وجهه للمنجنيق الفرنجي ونقل قطع الستائر نقل قطع الشطرنج جنب التراس بيادق والجنابي رخاخ وجنب القلاع صيد والمنجنيقات فخاخ.

وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة وظرف:

أشكوا السقام وتشكو مثله أمرأتيفنحن في الفرش والأعضاء نرتج
نفسان والعظم في نطع يجمعناكأنما نحن في التمثيل شطرنج
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «أشكو السقام وتشكو مثله امرأتي»

وله ملغزاً فيه:

وما صامت يمضي ويرجع حائراًويقضي على أوصاله الوصل والصد
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «وما صامت يمضي ويرجع حائرا»
كأن الأسى آلى عليه إليهفما فيه إلا النفس والعظم والجلد
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «وما صامت يمضي ويرجع حائرا»
وأحرفه خمس على أن شطرهثلاث أخماس الحروف التي تبدو
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «وما صامت يمضي ويرجع حائرا»

وله فيمن يلعب غائباً:

ولاعب يعرب شطرنجهعن ذهنه المتقد الصائب
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «ولاعب يعرب شطرنجه»
يغيب لكن ذهنه حاكميا حبذا من حاكم غائب

وله:

لله في الشطرنج فكرة لاعبإن غاب أو حضر اجتنيت حدايقه
شكرته نفس اللعب أو نفس النهيهاتيك صامته وهذي ناطقه

وقال الشيخ بدر الدين بن الصاحب:

تأمل تر الشطرنج كالدهر دولةنهاراً وليلاً ثم بؤساً وأنعما
محركها باق ويفنى جميعهاوبعد الفنا تحيى وتبعث أعظما

قلت: وهذا يشبه قول القاضي الفاضل وقد أخرج له السلطان الملك الناصر صلاح الدين من القصر من يعاني خيال الظل ليفرجه فقام الفاضل فقال له صلاح الدين عن كان حراماً فما نحضره وكان حديث عهد بخدمته قبل أن يلي السلطنة فما أثر أنه يتكدر عليه فقعد إلى آخره فلما انقضى ذلك قال له السلطان كيف رأيت ذلك فقال موعظة عظيمة رأيت دولاً تمضي ما كأنها ودولاً تأتي ولما طوى الأزار طي السجل الكتاب إذا بالمحرك واحد فأخرج هذا الجد في هذا الهزل.

وللشيخ بدر الدين أيضاً مضمناً:

أميل لشطرنج أهل النهيوأسلوه من ناقل الباطل
للشاعر بدر الدين ابن الصاحب، اقرأ القصيدة
وكم هذبت طبع لعابهاوتأبى الطباع على الناقل

وقال:

لعبت بالشطرنج في غايةتقصر الأوصاف عن حدها
إن صاح في الأقران لي بيدقتموت منه الشاة في جلدها

وقال أيضاً وكان يلعبها غائباً وله يد طولى فيها:

لي في الشطرنج نقلأتقن الأدمان حفظه
ألعب الغائب منهافأراه طيف يقطه

وكتب إلى شيخنا العلامة عز الدين الموصلي من حماة المحروسة كتاباً وفيه من المتجددات قوله مضمناً:

جاهل شطرنج يناجي وقدأمات نفس اللعب من عكسه
ما تفعل الأعداء في أحمقما يفعل الجاهل في نفسه

وقال جممال الدين بن نباتة:

أفديه لاعب شطرنج قد اجتمعتفي شكله من معاني الحسن أشتات
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «أفديه لاعب شطرنج قد اجتمعت»
عيناه منصوبة للقلب غالبةوالخد فيه لقتل النفس شامات
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «أفديه لاعب شطرنج قد اجتمعت»

وقال صلاح الدين الصفدلي:

ألاعب بالشطرنج بدر ملاحةمحاسنه تزهى على طلعة الشمس
سترت ضناً جسمي فلما رأيتهيروم قطاعي خفت منه على نفسي

وقال زين الدين بن الوردي:

لاعبت بالشطرنج منأضحى كشمس طالعه
نفسي به ماتت وماتعجبني المقاطعه
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «لا عبت بالشطرنج من»

ومن الاستشهادات اللطيفة ما أنشده الشيخ نور الدين علي بن سعد المعري صاحب المرقص والمطرب وغيره وقد رأى شخصاً يلعب الشطرنج ويضرب بالرقعة القطع ضرباً عنيفاً فقال:

رفقاً بهن فما خلقن حديداأو ما تراها أعظماً وجلوداً
للشاعر أبو جعفر البياضي، اقرأ القصيدة

قلت: وهذا البيت أول قصيدة للشريف البياضي في وصف النوق ولقد أجاد نور الدين رحمه الله تعالى.

وعلى ذكر نور الدين فما أحسن ما كتب به إلى القاهرة المحروسة سيدنا ومولانا الفاضل المؤرخ المحدث المفنن شهاب الدين أحمد بن القاضي نور الدين علي الشهير بابن حجر (مولده سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة) فسح الله في أجله وذلك من بعض متجدداته:

مولاي نور الدين صبحك الهنابسعادة تبقى لديك سرورها
لا تحتجب عن مقلتي فأنا أمرءإن لم تكن عيني فإنك نورها

ونقلت من خط الشيخ بدر الدين أبي المحاسن محمد بن ابراهيم اليشتكي أحد فضلاء الديار المصرية وبقية متأخريها سلمه الله تعالى في القاء العاشر من الشطرنج على قاعدة الحكاية المشهورة ولم أعلم الضابط في هذه الأعداد له أم لغيره وأنسيت أن أسأله:

موت عدوي يزين حزميوألحق سيف به قتالي

(القاء التاسع)

ولما فتنت بلحظ لهعذرت فما خفت من شامت

(القاء الثامن)

أبثك يا عز شوقي لعلتمنى بعطف به راحتي

(القاء السابع)

يا مليح بت شاكي بثهومتى رق ظلوم لشكي

(القاء السادس)

إن كان في صدك قتليأنا لنى فقد أحبابي

(القاء الخامس)

تنكر في حبه جائراًفبات وفوه يبث الحرق

(القاء الرابع)

وفاتن منظره فتنةليس يرى حرف الجفا عاشقة

اللام ألف بحرف واحد.

قال المنقول من خطه أنشدني من لفظه لنفسه صاحبنا جلال الدين بن خطيب داريا سلمه الله تعالى في القاء الثالث.

بك يا خير من

جد يحجب الغ?_?ي إذا قيل أي حصر تصيد وقال القاضي السعيد بن سنا الملك:

ويوم مطير قد ترنم رعدهوصفق لما أحسن القطر في
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «غدا الحسن شورى في الملاح وإنما»
ورقعة ماء تحت برد فواقعالرقص

وقال الشيخ شمس الدين بن الصائغ (ولد سنة عشر وسبعمائة، وتوفي سنة ست وسبعين وسبعمائة):

لما غدا بدر الدجى لاعباًبالنرد يلقى الفص مثل الشرك
وفاق في الحسن وفي لعبهناديت بالله ما أقمرك

وقال زين الدين بن الوردي:

مهفهفان لعباًبالنرد أنثى وذكر
قالت أنا قمريةقلت اسكتي فهو قمر
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «مهفهفين لعبا»

ولبعضهم يوري بأعداد النرد:

ساعدني جاري على شادنأعطيته خمساً بمقدار
فما تأتي إليك من يكهإلا بهذا البنج والجار

في القاء الخامس من قطع النرد من نظم الشيخ صلاح الدين الصفدي:

لاتبك إن هب ريح نجدأنك يا بئس ما بليت

اللام ألف حرفان.

وله في القاء السابع:

قدر شاني بكل شينعدمت في ذا صلاح خبري

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مطالع البدور ومنازل السرور»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.