تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب مما قدّمنا ذكره، وبينه وبين ما ذكرنا بعض الفرق

يقال: أجرأ من الليث، وأجبن من الصّفرد، وأسخى من لافظة. وأصبر على الهون من كلب، وأحذر من عقعق»

، وأزهى من غراب، وأصنع من سرفة وأظلم من حيّة، وأغدر من الذئب، وأخبث من ذئب الحمز وأشدّ عداوة من عقرب، وأروغ من ثعلب، وأحمق من حبارى، وأهدى من قطاة، وأكذب من فاختة، وألأم من كلب على جيفة، وأجمع من ذرّة، وأضلّ

من حمار أهلي، وأعقّ من ضبّ، وأبرّ من هرّة، وأنفر من الظليم، وأضلّ من ورل وأضلّ من ضبّ، وأظلم من الحيّة.

فيعبّرون عن هذه الأشياء بعبارة كالعبارة عن الناس، في مواضع الإحسان والإساءة، حتّى كأنّهم من الملومين والمشكورين، ثم يعبّرون في هذا الباب الآخر بدون هذا التعبير، ويجعلون خبرهم مقصورا على ما في الخلقة من الغريزة والقوى فيقولون: أبصر من عقاب، وأسمع من فرس، وأطول ذماء من ضبّ، وأصحّ من الظليم.

والثاني يشبه العبارة عن الحمد والذمّ، والأوّل يشبه العبارة عن اللائمة والشكر. وإنّما قلنا ذلك، لأنّ كلّ مشكور محمود، وليس كلّ محمود مشكورا؛ وكلّ ملوم مذموم وليس كلّ مذموم ملوما. وقد يحمدون البلدة ويذمّون الأخرى، وكذلك الطعام والشراب، وليس ذلك على جهة اللّوم ولا على جهة الشكر؛ لأنّ الأجر لا يقع إلّا على جهة التخيّر والتكلّف، وإلّا على ما لا ينال إلّا بالاستطاعة والأوّل إنّما ينال بالخلقة وبمقدار من المعرفة، ولا يبلغ أن يسمّى عقلا، كما أنّه ليس كلّ قوّة تسمّى استطاعة. والله ﷾ أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.