من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب ما ذكر صاحب الديك من ذمّ الكلاب
وتعداد أصناف معايبها ومثالبها، من لؤمها وجبنها وضعفها وشرهها، وغدرها وبذائها، وجهلها وتسرّعها، ونتنها وقذرها، وما جاء في الآثار من النّهي عن اتخاذها وإمساكها، ومن الأمر بقتلها وطردها، ومن كثرة جناياتها وقلّة ردّها ومن ضرب المثل بلؤمها ونذالتها، وقبحها وقبح معاظلتها ومن سماجة نباحها وكثرة أذاها، وتقذّر المسلمين من دنوّها، وأنّها تأكل لحوم الناس، وأنّها كالخلق المركّب والحيوان الملفّق: كالبغل في الدوابّ وكالراعبيّ في الحمام، وأنّها لا سبع ولا بهيمة، ولا إنسيّة ولا جنّيّة، وأنّها من الحنّ دون الجنّ، وأنّها مطايا الجنّ ونوع من المسخ، وأنّها تنبش القبور وتأكل الموتى، وأنّها يعتريها الكلب من أكل لحوم الناس.
فإذا حكينا ذلك حكينا قول من عدّد محاسنها، وصنّف مناقبها، وأخذنا من ذكر أسمائها وأنسابها وأعراقها، وتفدية الرجال إيّاها واستهتارهم بها، وذكر كسبها وحراستها، ووفائها وإلفها وجميع منافعها، والمرافق التي فيها، وما أودعت من المعرفة الصحيحة والفطن العجيبة والحسّ اللطيف والأدب المحمود. وذلك سوى صدق الاسترواح وجودة الشمّ، وذكر حفظها ونفاذها واهتدائها، وإثباتها لصور أربابها وجيرانها، وصبرها، ومعرفتها بحقوق الكرام، وإهانتها اللئام، وذكر صبرها على الجفا، واحتمالها للجوع، وذكر ذمامها وشدّة منعها معاقد الذّمار منها، وذكر يقظتها وقلّة غفلتها وبعد أصواتها، وكثرة نسلها وسرعة قبولها وإلقاحها وتصرّف أرحامها في ذلك، مع اختلاف طبائع ذكورها والذكور من غير جنسها، وكثرة أعمامها وأخوالها، وتردّدها في أصناف السّباع، وسلامتها من أعراق البهائم، وذكر لقنها وحكايتها، وجودة ثقافتها ومهنها وخدمتها، وجدّها ولعبها وجميع أمورها؛ بالأشعار المشهورة والأحاديث المأثورة، وبالكتب المنزّلة والأمثال السائرة، وعن تجربة النّاس لها وفراستهم فيها، وما عاينوا منها؛ وكيف قال أصحاب الفأل فيها، وبإخبار المتطيّرين
عنها، وعن أسنانها ومنتهى أعمارها وعدد جرائها، ومدّة حملها، وعن أسمائها وألقابها، وسماتها وشياتها، وعن دوائها وأدوائها وسياستها، وعن اللاتي لا تلقن منها وعن أعراقها والخارجيّ منها وعن أصول مواليدها ومخارج بلدانها.
وذكر صاحب الديك ما يحفظ من أكل الكلاب للحوم النّاس فقال: قال الجارود بن أبي سبرة في ذلك:
ألم تر أنّ الله ربّي بحولهوقوّته أخزى ابن عمرة مالكا
فمن كان عنه بالمغيّب سائلافقد صار في أرض الرّصافة هالكا
تظلّ الكلاب العاديات ينشنهإذا اجتبن مسودّا من الليل حالكا
وقال نفيع بن صفّار المحاربي من ولد محارب بن خصفة في حرب قيس وتغلب:
أفنت بني جشم بن بكر حربناحتى تعادل ميل تغلب فاستوى
أكل الكلاب أنوفهم وخصاهمفلتبك تغلب للأنوف وللخصى
وقال أبو يعقوب الخريمي، وهو إسحاق بن حسّان بن قوهي في قتلى حرب ببغداد:
وهل رأيت الفتيان في باحة المعرك معفورة مناخرها
كلّ فتى مانع حقيقتهيشقى به في الوغى مساعرها
باتت عليه الكلاب تنهشهمخضوبة من دم أظافرها
وقال أبو الشمقمق (وهو مروان بن محمد، مولى مروان بن محمّد، ويكنى أبا محمّد):
يوسف الشاعر فرخوجدوه بالأبلّه
حلقيّ قد تلقّيكامنا في جوف جلّه
خيّطوها خشية الكلب عليه بمسلّة
وذكر لي عن أبي بكر الهذليّ، قال: كنّا عند الحسن إذ أقبل وكيع بن أبي سود
فجلس، فقال يا أبا سعيد: ما تقول في دم البراغيث يصيب الثوب: أيصلّى فيه؟
فقال: يا عجبا ممّن يلغ في دماء المسلمين كأنّه كلب، ثم يسأل عن دم البراغيث!! فقام وكيع يتخلّج في مشيته كتخلّج المجنون، فقال الحسن: إنّ لله في كلّ عضو منه نعمة فيستعين بها على المعصية، اللهمّ لا تجعلنا ممّن يتقوّى بنعمتك على معصيتك!!
وقال صاحب الديك: أشياء من الحيوان تضاف إلى نتن الجلود وخبث الرائحة، كريح أبدان الحيّات، وكنتن التّيوس وصنان عرقها، وكنتن جلد الكلاب إذا أصابه مطر. وضروب من النّتن في سوى ذلك، نحن ذاكروها إن شاء الله تعالى.
وقال روح بن زنباع الجذاميّ في امرأته، وضرب بالكلب المثل:
ريح الكرائم معروف له أرجوريحها ريح كلب مسّه مطر
قال: وكانت امرأة روح بن زنباع أمّ جعفر بنت النّعمان بن بشير، وكان عبد الملك زوّجه إيّاها، وقال: إنّها جارية حسناء، فاصبر على بذاء لسانها.
وقال الآخر:
وريح مجروب وريح جلّهوريح كلب في غداة طلّه
وأنشد أبو زيد في ذلك:
كأنّ ريحهم من خبث طعمتهمريح الكلاب إذا ما بلّها المطر
ومما ذكر به الكلب في أكله العذرة، قول الراجز:
أحرص من كلب على عقي صبي
وقال مثل ذلك حنظلة بن عرادة في ذكره لابنه السّرندى:
ما للسّرندى أطال الله أيمتهخلّى أباه بقفر البيد وادّلجا
مجع خبيث يعاطي الكلب طعمتهوإن رأى غفلة من جاره ولجا
ربّيته وهو مثل الفرخ أصربهوالكلب يلحس من تحت استه الرّدجا
يقال للذي يخرج من بطن الصبيّ حين يخرج من بطن أمه عقي بكسر العين، ويقال عقى الصبي يعقي عقيا، فإذا شدّ بطنه للسّمن قيل قد صرب ليسمن. والعقي وهو العقية الغيبة، وإيّاه عنى ابن عمر حين قيل له: هلّا بايعت أخاك ابن الزّبير؟
فقال: إنّ أخي وضع يده في عقية ودعا إلى البيعة. إنّي لا أنزع يدي من جماعة وأضعها في فرقة.
وفي الحديث المرفوع: «الراجع في هبته كالرّاجع في قيئه». وهذا المثل في الكلب.
ويقال: «أبخل من كلب على جيفة» »
. وقال بعضهم في الكلب: الجيفة أحبّ إليه من اللّحم الغريض، ويأكل العذرة ويرجع في قيئه، ويشغر ببوله فيصير في جوف فيه وأنفه، ويحذفه تلقاء خيشومه.
وقال صاحب الكلب: إن كنتم إنّما تستسقطون الكلب وتستسفلونه بهذا وأشباهه، فالجيفة أنتن من العذرة، والعذرة شر من القيء، والجيفة أحبّ إلى أشراف السباع ورؤسائها من اللحم العبيط الغريض الغضّ.
والأسد سيّد السباع، وهو يأكل الجيفة، ولا يعرض لشرائع الوحش وافتراس البهائم، ولا للسابلة من الناس، ما وجد في فريسته فضلة. ويبدأ بعد شرب الدّم فيبقر بطنه ويأكل ما فيه من الغثيثة والثفل والحشوة والزّبل، وهو يرجع في قيئه، وعنه ورث السّنّور ذلك.
وهو المضروب به المثل في النّجدة والبسالة، وفي شدّة الإقدام والصّولة، فيقال: «ما هو إلّا الأسد على براثنه» و «هو أشدّ من الأسد» و «هو أجرا من الليث العادي» و «فلان أسد البلاد» و «هو الأسد الأسود». وقيل لحمزة بن عبد المطّلب أسد الله. فكفاك من نبل الأسد أنّه اشتقّ لحمزة بن عبد المطّلب من اسمه. ويقال للملك أصيد إذا أرادوا أن يصفوه بالكبر وبقلّة الالتفات، وبأنّ أنفه فيه أسلوب ولأنّ الأسد يلتفت معا لأنّ عنقه من عظم واحد. وقال حاتم:
هلّا إذا مطر السماء عليكمورفعت رأسك مثل رأس الأصيد
وقال الآخر:
يذودون كلبا بالرّماح وطيّئاوتغلب والصّيد النواظر من بكر
وقال الآخر:
وكم لي بها من أب أصيدنماه أب ما جد أصيد
وبعد فإنّ الذي يأكل الجيفة لم يبعد من طبع كثير من الناس؛ لأنّ من الناس من يشتهي اللحم الغابّ، ومنهم من يشتهي النّمكسود. وليس بين النّمكسود وبين المصلوب اليابس كبير فرق، وإنّما يذبحون الدّيكة والبطّ والدّجاج والدّرّاج من أوّل الليل، ليسترخي لحمها، وذلك أول التّجييف.
فالأسد أجمع لهذه الخصال من الكلب، فهلّا ذكرتم بذلك الأسد وهو أنبه ذكرا وأبعد صيتا.
وأمّا ما ذكرتم من نتن الجلد ومن استنشاق البول، فإنّ للتيس في ذلك ما ليس للكلب، وقد شاركه في الحذف ببوله تلقاء أنفه، وباينه بشدّة الصّنان؛ فإنّ الأمثال له أكثر ذكرا. وفي العنز أيضا عيوب.
وفي توجيه التيس ببوله إلى حاقّ خيشومه قال الشاعر لبعض من يهجوه:
دعيت يزيد كي تزيد فلم تزدفعاد لك المسمي فأسماك بالقحر
وما القحر إلّا التيس يعتك بولهعليه فيمذي في لبان وفي نحر
وقال آخر في مثل ذلك:
أعثمان بن حيّان بن لؤمعتود في مفارقه يبول
ولو أنّي أشافهه لشالتنعامته ويفهم ما يقول
وبعد: فما يعلم من صنيع العنز في لبنها وفي الارتضاع من خلفها إلّا أقبح.
وقال ابن أحمر الباهليّ في ذلك:
إنّا وجدنا بني سهم وجاملهمكالعنز تعطف روقيها وترتضع
وقلتم: هجا ابن غادية السلمي بعض الكرام، حين عزل عن ينبع، فقال لمن ظنّ أنّه إنّما عزل لمكانه:
ركبوك مرتحلا فظهرك منهمدبر الحراقف والفقار موقع
كالكلب يتبع خانقيه وينتحينحو الذين بهم يعزّ ويمنع
وقال ابن هرمة الفهريّ:
فما عادت لذي يمن رؤوساولا ضرّت بفرقتها نزارا
كعنز السّوء تنطح من خلاهاوترأم من يحدّ لها الشّفارا
وما نعلم الرّجوع في الجرّة، وإعادة الفرث إلى الفم ليستقصى مضغه إلّا أسمج وأقذر من الرّجوع في القيء. وقد اختار الله ﷿ تلك الطبيعة للأنعام، وجعل
الناس ليسوا لشيء من اللّحمان أشدّ أكلا ولا أشدّ عجبا به منكم، ولا أصلح لأبدانهم ولا أغذى لهم من لحوم هذه الأنعام أفتائها ومسانّها.
وقال صاحب الديك: ما يشبه عود الماشية في الجرّة، ورجوعها في الفرث تطحنه وتسيغه، الرجوع في القيء. وقد زعمتم أنّ جرّة البعير أنتن من قيء الكلاب لطول غبوبها في الجوف، وانقلابها إلى طباع الزّبل، وأنّها أنتن من الثلط. وإنّما مثل الجرّة مثل الرّيق الذي ذكره ابن أحمر فقال:
هذا الثناء وأجدر أن أصاحبهوقد يدوّم ريق الطّامع الأمل
فإنّما مثل القيء مثل العذرة؛ لأنّ الرّيق الذي زعمتم، ما دام في فم صاحبه، ألذّ من السلوى، وأمتع من النسيم، وأحسن موقعا من الماء البارد من العطاش المسهوم.
والريق كذلك ما لم يزايل موضعه، ومتى زايل فم صاحبه إلى بعض جلده اشتدّ نتنه وعاد في سبيل القيء.
فالرّيق والجرّة في سبيل واحد، كما أنّ القيء والعذرة في سبيل واحد. ولو أن الكلب قلس حتّى يمتلئ منه فمه، ثم رجع فيه من غير مباينة له، لكان في ذلك أحقّ بالنظافة من الأنعام في جرّتها، وحشيّها وأهليّها، وإنّ الأرانب لتحيض حيضا نتنا، فما عاف لحمها أصحاب التّقذّر لمشاركتها الأنعام في الجرّة.
فقال صاحب الكلب: أمّا ما عبتموه من أكل العذرة، فإنّ ذلك عامّ في الماشية المتخيّر لحمها على اللّحمان، لأنّ الإبل والشياه كلّها جلّالة وهنّ على يابس ما يخرج من الناس أحرص؛ وعلى أنها إذا تعوّدت أكل ما قد جفّ ظاهره وداخله رطب، رجع أمرها إلى ما عليه الكلب. ثم الدّجاج لا ترضى بالعذرة، وبما يبقى من الحبوب التي لم يأت عليها الاستمراء والهضم، حتّى تلتمس الديدان التي فيها، فتجمع نوعين من العذرة لأنها إذا أكلت ديدان العذرة فقد أتت على النّوعين جميعا. ولذلك قال عبد الرحمن بن الحكم في هجائه الأنصار بخبيث الطعام، فضرب المثل بالدّجاج من بين جميع الحيوان، وترك ذكر الكلاب وهي له معرضة فقال:
وللأنصار آكل في قراهالخبث الأطعمات من الدّجاج
ولو قال:
وللأنصار آكل في قراهالخبث الأطعمات من الكلاب
لكان الشّعر صحيحا مرضيا.
وعلى أنّ الكلاب متى شبعت، لم تعرض للعذرة. والأنعام الجلّالة وكذلك الحافر، قد جعلت ذلك كالحمض إذا كانت لها خلّة؛ فهي مرّة تتغذّى به ومرة تتحمّض. وقد جاء في لحوم الجلّالة ما جاء.
وملوكنا وأهل العيش منّا، لا يرغبون في شيء من اللّحمان رغبتهم في الدّجاج، وهم يقدّمونها على البطّ والنواهض، والقبج والدّرّاج. نعم وعلى الجداء والأعنق الحمر من بنات الصّفايا. وهم يعرفون طبعها وسوء قوتها، وهم مع ذلك يأكلون الرّواعي كما يأكلون المسمّنات.
وأطيب ما في الأنهار من السمك، وأحسنها قدودا وخرطا، وأسبطها سبوطا، وأرفعها ثمنا وأكثرها تصرّفا في المالح والطريّ، وفي القريس والنّشوط الشّبّوط، وليس في الماء سمكة رفيعة الذكر ولا ذات خمول، إلّا وهي أحرص على أكل العذرة منها، وإنّها في ذلك لأشدّ طلبا لها من الخنزير في البرّ، والجرّيّ في البحر.
وقد علم الناس كيف استطابة أكل لحوم الخنازير، وأكل الخنازير لها، وكيف كانت الأكاسرة والقياصرة يقدّمونها ويفضّلونها. ولولا التعبّد لجرى عندنا مجراه عند غيرنا.
وقد علم النّاس كيف استطابة أكل الجرّيّ لأذنابها.
وفي الجرّيّ قال أبو كلدة: هو أدم العميان، وجيّد في الكوشان ودواء
للكليتين، وصالح لوجع الظهر وعجب الذّنب، وخلاف على اليهود، وغيظ على الروافض؛ وفي أكله إحياء لبعض السّنن، وإماتة بعض البدع، ولم يفلج عليه مكثر منه قطّ، وهو محنة بين المبتدع والسّنّي، هلك فيه فئتان مذ كانت الدنيا: محلّل ومحرّم.
وقال أبو إسحاق: هو قبيح المنظر، عاري الجلد، ناقص الدّماغ، يلتهم العذرة ويأكل الجرذان صحاحا والفأر، وزهم لا يستطاع أكله إلّا محسيّا ولا يتصرّف تصرّف السمك، وقد وقع عليه اسم المسخ، لا يطيب مملوحا ولا ممقورا، ولا يؤكل كبابا، ولا يختار مطبوخا، ويرمى كلّه إلّا ذنبه.
والأصناف التي تعرض للعذرة كثيرة، وقد ذكرنا الجلّالات من الأنعام والجرّيّ والشّبّوط من السمك. ويعرض لها من الطير الدّجاج والرّخم والهداهد.
وقد بلغ من شهوة الرّخمة لذلك، أن سمّوها الأنوق، حتى سمّوا كلّ شيء من الحيوان يعرض للعذرة بأنوق، وهو قول الشاعر:
حتّى إذا أضحى تدرّى واكتحللجارتيه ثم ولّى فنثل
رزق الأنوقين القرنبى والجعل
ولشدّة طلب الجعل لذلك قال الشاعر:
يبيت في مجلس الأقوام يربؤهمكأنّه شرطيّ بات في حرس
وكذلك قال الآخر:
إذا أتوه بطعام وأكلبات يعشّي وحده ألفي جعل
هذا البيت يدلّ على عظم مقدار النّجو، فهجاه بذلك، وعلى أنّ الجعل يقتات البراز.
وفي مثل ذلك يقول ابن عبدل- إن كان قاله- وإنما قلت هذا لأنّ الشعر يرتفع عنه. والشعر قوله:
نعم جار الخنزيرة المرضع الغرثى إذا ما غدا أبو كلثوم
ثاويا قد أصاب عند صديقمن ثريد ملبّق مأدوم
ثم أنحى بجعره حاجب الشمس فألقى كالمعلف المهدوم
بضريط ترى الخنازير منهعامدات لتلّه المركوم
وقال الراجز في مثل ذلك:
قد دقّه ثارده وصومعاثمّت ألبان البخاتي جعجعا
جعجعة العود ابتغى أن ينجعاثمّت خوّى باركا واسترجعا
عن جاثم يحسب كلبا أبقعا
وفي طلب الجعل للزّبل قال الراجز (وهو أبو الغصن الأسدي):
ماذا تلاقي طلحات الحرجهمن كل ذات بخنق غملّجه
ظلّ لها بين الحلال أرجهمن الضّراط والفساء السمجه
فجئتها قاعدة منشجهتعطيه عنها جعلا مدحرجه
وقال يحيى الأغرّ: تقول العرب «سدك به جعله». وقال الشاعر:
إذا أتيت سليمى شبّ لي جعلإنّ الشقيّ الذي يغرى به الجعل
يضرب هذا المثل للرّجل إذا لصق به من يكره، وإذا كان لا يزال يراه وهو يهرب منه.
قال يحيى: وكان أصله ملازمة الجعل لمن بات في الصحراء، فكلّما قام لحاجة تبعه؛ لأنّه عنده أنّه يريد الغائط.
وفي القرنبى يقول ابن مقبل:
ولا أطرق الجارات باللّيل قابعاقبوع القرنبى أخلفته مجاعره
والقبوع: الاجتماع والتقبض. والقرنبى: دويبّة فوق الخنفساء ودون الجعل، وهو والجعل يتبعان الرّجل إلى الغائط.
ومن الطّير الذي يضارع الرّخمة في ذلك الهدهد، منتن البدن وإن لم تجده ملطخا بشيء من العذرة؛ لأنّه يبني بيته ويصنع أفحوصه من الزّبل، وليس اقتياته منه إلّا على قدر رغبته وحاجته في ألّا يتّخذ بيتا ولا أفحوصا إلّا منه، فخامره ذلك النّتن فعلق ببدنه وجرى في أعراق أبويه؛ إذ كان هذا الصنيع عامّا في جنسه.
وتعتري هذه الشّهوة الذّبان، حتّى إنّها لو رأت عسلا وقذرا، لكانت إلى القذر أسرع. وقال الشاعر:
قفا خلف وجه قد أطيل كأنّهقفا مالك يقصي الهموم على بثق
وأعظم زهوا من ذباب على خراوأبخل من كلب عقور على عرق
ويزعمون أنّ الزّنبور لهج بصيد الذّبان، ولا يكاد يصيده إلّا وهو ساقط على عذرة لفرط شهوته لها ولاستفراغها، فيعرف الزّنبور ذلك، فيجعل غفلته فرصة ونهزة.
قالوا: وإنّما قلنا ذلك لأنّا لم نجده يروم صيده وهو ساقط على ثمرة، فما دونها في الحلاوة.
وقال أبو الشّمقمق في ذلك:
الطّريق الطّريق جاءكم الأحمق رأس الأنتان والقذره
وابن عمّ الحمار في صورة الفيل وخال الجاموس والبقرة
يمشي رويدا يريد حلقتكمكمشي خنزيرة إلى عذره
وقال حمّاد عجرد في بشّار بن برد العقيليّ:
ما صوّر الله شبها لهمن كلّ من من خلقه صوّرا
أشبه بالخنزير وجها ولابالكلب أعراقا ولا مكسرا
ولا رأينا أحدا مثلهأنجس أو أطفس أو أقذرا
لو طليت جلدته عنبرالنتّنت جلدته العنبرا
أو طليت مسكا ذكيّا إذنتحوّل المسك عليه خرا
وقال أبو نواس في هجاء جعفر بن يحيى بن خالد البرمكيّ:
إذا ما مدحت فتى من خراأليس جزائي أن اعطى الخرا
وقال أعرابيّ يهجو رجلا يقال له جلمود بن أوس، كان منتن العرق:
إنّي إذا ما عارضي تألّقاورعدت حافته وبرقا
أهلكت جلمود بن أوس غرقاكان لحمقاء فصار أحمقا
أخبث شيء عرقا وخرقا
وقال حمّاد عجرد في بشّار:
يا ابن برد اخسأ إليك فمثل الكلب في الخلق أنت لا الإنسان
بل لعمري لأنت شرّ من الكلب وأولى منه بكلّ هوان
ولريح الخنزير أطيب من ريحك يا ابن الطّيان ذي التّبّان
وقال بعض الشعراء في عبد الله بن عمير:
غزا ابن عمير غزوة تركت لهثناء كريح الجورب المتخرق
وقال حمّاد عجرد في بشّار:
قل لشقيّ الجدّ في رمسهومن يفرّ الناس من رجسه
للقرد بشّار بن برد ولاتحفل برغم القرد أو تعسه
للقرد باللّيث اغترار بهفما الّذي أدناك من مسّه
يا ابن استها فاصبر على ضغمةبنابه يا قرد أو ضرسه
نهاره أخبث من ليلهويومه أخبث من أمسه
وليس بالمقلع عن غيّهحتى يدلّى القرد في رمسه
ما خلق الله شبيها لهمن جنّه طرّا ومن إنسه
والله ما الخنزير في نتنهمن ربعه بالعشر أو خمسه
بل ريحه أطيب من ريحهومسّه ألين من مسّه
ووجهه أحسن من وجههونفسه أنبل من نفسه
وعوده أكرم من عودهوجنسه أكرم من جنسه
وأنا حفظك الله تعالى أستظرف وضعه الخنزير بهذا المكان وفي هذا الموضع، حين يقول: وعوده أكرم من عوده.
وأيّ عود للخنزير؟! قبحه الله تعالى، وقبح من يشتهي أكله. وقال حمّاد عجرد في بشّار بن برد:
إنّ ابن برد رأى رؤيا فأوّلهابلا مشورة إنسان ولا أثر
رأى العمى نعمة لله سابغةعليه، إذ كان مكفوفا عن النّظر
وقال: لو لم أكن أعمى لكنت كماقد كان برد أبي في الضّيق والعسر
أكدّ نفسي بالتطيين مجتهداإمّا أجيرا وإمّا غير مؤتجر
أو كنت إن أنا لم أقنع بفعل أبيقصّاب شاء شقيّ الجدّ أو بقر
كإخوتي دائبا أشقى شقاءهمفي الحرّ والبرد والإدلاج والبكر
فقد كفاني العمى من كلّ مكسبةوالرّزق يأتي بأسباب من القدر
فصرت ذا نشب من غير ما طلبإلّا بمسألتي إذ كنت في صغري
أضمّ شيئا إلى شيء فأذخرهممّا أجمع من تمر ومن كسر
من كان يعرفني لو لم أكن زمناأو كان يبذل لي شيئا سوى الحجر؟!
فقل له لا هداه الله من رجلفإنّها عرّة تربي على العرر
لقد فطنت إلى شيء تعيش بهيا ابن الخبيثة قد أدققت في النظر
يا ابن التي نشزت عن شيخ صبيتهالأير ثوبان ذي الهامات والعجر
أما يكفّك عن شتمي ومنقصتيما في حرامّك من نتن ومن دفر
نفتك عنها عقيل وهي صادقةفسل أسيدا وسل عنها أبا زفر
يا عبد أمّ الظباء المستطبّ بهامن اللّوى، لست مولى الغرّ من مضر
بل أنت كالكلب ذلّا أو أذلّ وفينذالة النفس كالخنزير واليعر
وأنت كالقرد في تشويه منظرهبل صورة القرد أبهى منك في الصّور
ووصف ابن أبي كريمة حشّا له، كان هو وأصحابه يتأذّون بريحه فقال:
ولي كنيف بحمد الله يطرقنيأرواح وادي خبال غير فتّار
له بدائع نتن ليس يعرفهامن البريّة إلّا خازن النّار
إذا أتانى دخيل زادني بدعاكأنّه لهج عمدا بإضراري
قد اجتواني له الخلّان كلّهموباع مسكنه من قربه جاري
فمن أراد من البرسام أقتلهأو الصّداع فمره يدخلن داري
استكثف النّتن في أنفي لكثرتهفليس يوجدنيه غير إضماري
وقيل للمحلول: ويلك، ما حفظت بيت شعر قط؟ فقال: بيتا واحدا اشتهيته فحفظته. فقيل له: فهاته. قال: أما إنّي لا أحفظ إلّا بيتا واحدا. قيل: فكيف رزق منك هذا البيت؟ فأنشده، فأنشدهم:
كأنّما نكهتها مدّةتسيل من مخطة مجذوم
وزعم أصحابنا أنّ رجلا من بني سعد- وكان أنتن الناس إبطا- بلغه أن ناسا من عبد القيس يتحدّونه برجل منهم، فمضى إليهم شدّا، فوافاهم وقد أزبد إبطاه، وهو يقول:
أقلت من جلهة ناعتينابذي حطاط يعطس المخنونا
يزوي له من نتنه الجبيناحتّى ترى لوجهه غضونا
نبّئت عبد القيس يأبطونا
قال: ومتح أعرابيّ على بئر وهو يقول:
يا ريّها إذا بدا صنانيكأنّني جاني عبيثران
وقال آخر:
كأنّ إبطيّ وقد طال المدىنفحة خرء من كواميخ القرى
ويقال إنّه ليس في الأرض رائحة أنتن، ولا أشدّ على النفس، من بخر فم أو نتن حر، ولا في الأرض رائحة أعصم لروح من رائحة التفاح.
وقال صاحب الكلب: فما نرى النّاس يعافون تسميد بقولهم قبل نجومها وتفتّق بزورها ولا بعد انتشار ورقها وظهور موضع اللّبّ منها حتّى ربّما ذرّوا عليها السّماد ذرّا، ثمّ يرسل عليها الماء حتى يشرب اللّبّ قوى العذرة، بل من لهم بالعذرة؟! وعلى أنّهم ما يصيبونها إلّا مغشوشة مفسدة. وكذلك صنيعهم في الريحان. فأمّا النّخل فلو استطاعوا أن يطلوا بها الأجذاع طليا لفعلوا. وإنّهم ليوقدون بها الحمّامات وأتاتين الملال، وتنانير الخبز. ومن أكرم سمادهم الأبعار كلّها والأخثاء إذا جفّت. وما بين الثّلط جافا والخثاء يابسا، وبين العذرة جافّة ويابسة فرق. وعلى أنّهم يعالجون بالعذرة وبخرء الكلب، من الذّبحة والخانوق في أقصى مواضع التقزّز وهو أقصى الحلق، ومواضع اللهاة، ويضعونها على مواضع الشّوكة، ويعالجون بها عيون الدّوابّ.
وقال مسبّح الكناس: إنّما اشتقّ الخير من الخرء. والخرء في النوم خير. وسلحة مدركة ألذّ من كوم العروس ليلة العرس. ولقد دخلت على بعض الملوك لبعض الأسباب، وإذا به قعاص وزكام وثقل رأس، وإذا ذلك قد طاوله، وقد كان بلغني أنّه كان هجر الجلوس على المقعدة وإتيان الخلاء، فأمرته بالعود إلى عادته، فما مرّت به أيام حتى ذهب ذلك عنه.
وزعم أنّ الدنيا منتنة الحيطان والتّربة، والأنهار والأودية، إلّا أنّ النّاس قد
غمرهم ذلك النتن المحيط بهم، وقد محق حسّهم له طول مكثه في خياشيمهم.
قال: فمن ارتاب بخبري، فليقف في الرّدّ إلى أن يمتحن ذلك في أوّل ما يخرج إلى الدنيا، عن بيت مطيّب؛ وليتشمّم تشمّم المتشبّث. على أنّ البقاع تتفاوت في النتن. فهذا قول مسبّح الكنّاس.
وزعم لي سلمويه وابن ماسويه متطبّبا الخلفاء، أنّه ليس على الأرض جيفة أنتن نتنا ولا أثقب ثقوبا من جيفة بعير، فظننت أنّ الذي وهّمهما ذلك عصبيّتهما عليه، وبغضهما لأربابه، ولأنّ النبيّ ﷺ وعلى آله، هو المذكور في الكتب براكب البعير.
ويقال إن الحجّاج قال لهم: أيّ الجيف أنتن؟ فقيل: جيف الكلاب. فامتحنت فقيل له: أنتن منها جيف السنانير، وأنتن جيفها الذكور منها. فصلب ابن الزّبير بين جيفتي سنّورين ذكرين.
وأنا أقول في النتن والطّيب شيئا، لعلّك إن تفقّدته أن توافقني عليه وترضى قولي. أمّا النتن فإنّي لم أشمّ شيئا أنتن من ريح حشّ مقيّر، يبول فيه الخصيان ولا يصبّ عليه الماء؛ فإنّ لأبوالهم المترادفة المتراكبة ولريح القار وريح هواء الحشّ وما ينفصل إليه من ريح البالوعة- جهة من النّتن ومذهبا في المكروه، ليس بينه وبين الأبدان عمل، وإنّما يقصد إلى عين الرّوح وصميم القلب، ولا سيّما إذا كان الخلاء غير مكشوف، وكان مغموما غير مفتوح. فأمّا الطّيب فإني لم أشمم رائحة قطّ أحيا للنفس ولا أعصم للرّوح، ولا أفتق ولا أغنج، ولا أطيب خمرة من ريح عروس، إذا أحكمت تلك الأخلاط، وكان عرف بدنها ورأسها وشعرها سليما. وإن كانت بمدينة الرسول ﷺ، فإنّك ستجد ريحا تعلم أنّه ليس فوقها إلّا ريح الجنة.
ومما قالوا في النّتن، وفي ريح جحر الظّربان خاصّة، قول الحكم بن عبدل:
ألقيت نفسك في عروض مشقّةولحصد أنفك بالمناجل أهون
أنت امرؤ في أرض أمّك فلفلجمّ وفلفلنا هناك الدّندن
فبحقّ أمّك وهي منك حقيقةبالبرّ واللّطف الذي لا يخزن
لا تدن فاك من الأمير ونحّهحتّى يداوي ما بأنفك أهرن
إن كان للظّربان جحر منتنفلجحر أنفك يا محمّد أنتن
وقال الربيع بن أبي الحقيق- وذكر الظّربان- حين رمى قوما بأنّهم يفسون في مجالسهم، لأنّ الظّربان أنتن خلق الله تعالى فسوة. وقد عرف الظّربان ذلك فجعله من أشدّ سلاحه، كما عرفت الحبارى ما في سلاحها من الآلة، إذا قرب الصقر منها. والظّربان يدخل على الضبّ جحره وفيه حسوله أو بيضه، فيأتي أضيق موضع في الجحر فيسدّه بيديه، ويحوّل استه فلا يفسو ثلاث فسوات حتى يدار بالضبّ فيخرّ سكران مغشيّا عليه، فيأكله، ثم يقيم في جحره حتّى يأتي على آخر حسوله.
وتقول العرب: إنّه ربّما دخل في خلال الهجمة فيفسو، فلا تتمّ له ثلاث فسوات حتى تتفرّق الإبل عن المبرك، تتركه وفيه قردان فلا يردّها الراعي، إلّا بالجهد الشديد.
فقال الربيع، وهجاهم أيضا بريح التّيوس:
قليل غناؤهم في الهياجإذا ما تنادوا لأمر شديد
وأنتم كلاب لدى دوركمتهرّ هرير العقور الرّصود
وأنتم ظرابيّ إذ تجلسونوما إن لنا فيكم من نديد
وأنتم تيوس وقد تعرفونبريح التّيوس وقبح الخدود
قال: ويقال: «أفسى من الظّربان» ويسمّى مفرّق النّعم، يريدون من نتن ريح فسائه. ويقال في المثل- إذا وقع بين الرجلين شرّ فتباينا وتقاطعا-: «فسا بينهما
ظربان». ويقال: «أنتن من ظربان» لأنّ الضبّ إنّما يخدع في جحره ويوغل في سربه لشدّة طلب الظّربان له. وقال الفرزدق في ذلك:
ولو كنت في نار الجحيم لأصبحتظرابيّ من حمّان عنّي تثيرها
وكان أبو عبيدة يسمّي الحمّانيّ صاحب الأصمّ: الظّربان، يريد هذا المعنى، كما يسمى كل حمّانيّ ظربانا.
وقال ابن عبدل:
لا تدن فاك من الأمير ونحّهحتّى يداوي ما بأنفك أهرن
إن كان للظّربان جحر منتنفلجحر أنفك يا محمد أنتن
في شعره الذي يقول:
ليت الأمير أطاعني فشفيتهمن كلّ من يكفي القصيد ويلحن
متكوّر يحثو الكلام كأنّماباتت مناخره بدهن تعرن
وبنى لهم سجنا فكنت أميرهمزمنا فأضرب من أشاء وأسجن
قل لابن آكلة العفاص محمّدإن كنت من حبّ التقرّب تجبن
ألقيت نفسك في عروض مشقّةولحصد أنفك بالمناجل أهون
أنت امرؤ في أرض أمّك فلفلجمّ وفلفلنا هناك الدّندن
فبحقّ أمّك وهي منك حقيقةبالبرّ واللّطف الذي لا يخزن
لا تدن فاك من الأمير ونحّهحتّى يداوي ما بأنفك أهرن
إن كان للظّربان جحر منتنفلجحر أنفك يا محمّد أنتن
فسل الأمير غير موفّقوبنو أبيه للفصاحة معدن
وسل ابن ذكوان تجده عالمابسليقة العرب التي لا تحزن
إذ أنت تجعل كلّ يوم عفصةفتجيد ما عملت يداك وتحسن
أشبهت أمّك غير باب واحدأن قد ختنت وأنّها لا تختن
فلئن أصبت دراهما فدفنتهاوفتنت فيها، وابن آدم يفتن
فبما أراك وأنت غير مدرهمإذ ذاك تقصف في القيان وتزفن
إذ رأس مالك لعبة بصريّةبيضاء مغربة عليها السّوسن
وقال ابن عبدل أيضا:
نجوت محمدا ودخان فيهكريح الجعر فوق عطين جلد
ركبت إليه في رجل أتانيكريم يطلب المعروف عندي
فقلت له ولم أعجل عليه،وذلك بعد تقريظي وحمدي
فأعرض مكمحا عنّي كأنّيأكلّم صخرة في رأس صمد
أقرّب كل آصرة ليدنوفما يزداد منّي غير بعد
فأقسم غير مستثن يميناأبا بخر لتتّخمنّ ردّي
فلو كنت المهذّب من تميملخفت ملامتي ورجوت حمدي
نجوت محمدا فوجدت ريحاكريح الكلب مات قريب عهد
وقد ألذعتني ثعبان نتنسيبلغ إن سلمنا أهل نجد
وأدنى خطمه فوددت أنّيقرنت دونوّه مني ببعد
كما افتدت المعاذة من جواهبخلعتها ولم ترجع بزند
وفارقها جواه فاستراحتوكانت عنده كأسير قدّ
وقد أدنيت فاه إليّ حتّىقتلت بذاك نفسي غير عمد
وما يدنو إلى فيه ذبابولو طليت مشافره بقند
يذقن حلاوة ويخفن موتازعافا إن هممن له بورد
فلما فاح فوه عليّ فوحابمثل غثيثة الدّبر المغدّ
فقلت له: تنحّ بفيك عنّيفما هذا بريح قتار رند
وما هذا بريح طلا ولكنيفوح خراك منه غير سرد
فحدّثني فإنّ الصّدق أدنىلباب الحقّ من كذب وجحد
أبات يجول في عفج طحورفأعلم أم أتاك به مغدّي
نكهت عليّ نكهة أخدريّشتيم أعصل الأنياب ورد
فإن أهديت لي من فيك حتفيفإنّي كالذي أهديت أهدي
لكم شردا يسرن مغنّياتتكون فنونها من كل فند
أما تخزى خزيت لها إذا مارواها النّاس من شيب ومرد
لأرجو إن نجوت ولم يصبنيجوى إنّي إذن لسعيد جدّ
وقلت له: متى استطرفت هذافقال أصابني من جوف مهدي
فقلت له: أما داويت هذافتعذر فيه آمالا بجهد
فقال: أما علمت له رقاءفتسديه لنا فيما ستسدي
فقلت له: ولا آلوه عياله فيما أسرّ له وأبدي
عليك بقيئة وبجعر كلبومثلي ذاك من نون كنعد
وحلتيت وكرّاث وثوموعودي حرمل ودماغ فهد
وحنجرة ابن آوى وابن عرسووزن شعيرة من بزر فقد
وكفّ ذرحرح ولسان صقرومثقالين من صوّان رقد
يدقّ ويعجن المنخول منهببول آجن وبجعر قرد
وتدفنه زمانا في شعيروترقبه فلا يبدو لبرد
فدخّن فاك ما عتّقت منهولا يعجن بأظفار وندّ
فإن حضر الشتاء وأنت حيّ،أراك الله غيّك أمر رشد
فدحرجها بنادق وازدردهامتى رمت التكلّم أيّ زرد
فتقذف بالمصلّ على مصلّببلعوم وشدق مسمعدّ
وويلك ما لبطنك مذ قعدناكأنّ دويّه إرزام رعد
فإنّ لحكّة الناسور عنديدواء إن صبرت له سيجدي
يميت الدّود عنك وتشتهيهإن انت سننته سنّ المقدّي
به، وطليته بأصول دفلىوشيء من جنى لصف ورند
أظنّي ميّتا من نتن فيهأهان الله من ناجاه بعدي
وقال صاحب الديك: سنذكر أشعار العرب في هجاء الكلب مجرّدا على وجهه، ثمّ نذكر ما ذمّوا من خلاله وأصناف أعماله، وأمورا من صفاته، ونبدأ بذكر هجائه في الجملة. قال بشّار بن برد:
عددت سويدا إذ فخرت وتولباوللكلب خير من سويد وتولب
وقال بشّار أو غيره:
أتذكر إذ ترعى على الحيّ شاءهموأنت شريك الكلب في كلّ مطعم
وتلحس ما في القعب من فضل سؤرهوقد عاث فيه باليدين وبالفم
وقال ابن الذئبة:
من يجمع المال ولا يتب بهويترك المال لعام جدبه
يهن على النّاس هوان كلبه
وقال آخر:
إنّ شريبي لا يغبّ بوجههكلومي كأن كلبا يهارش أكلبا
ولا أقسم الأعطان بيني وبينهولا أتوقّاه وإن كان مجربا
وهجا الأحوص ابنا له فشبّهه بجرو كلب فقال:
أقبح به من ولد وأشقحمثل جريّ الكلب لم يفقّح
إن ير سوءا ما يقم فينبحبالباب عند حاجة المستفتح
وقال أبو حزابة:
يا ابن عليّ برح الخفاءأنت لغير طلحة الفداء
قد علم الأشراف والأكفاءأنّك أنت النّاقص اللّفاء
حبلّق جدّعه الرّعاءيغمّه المئزر والرّداء
بنو عليّ كلّهم سواءكأنّهم زينيّة جراء
وقال عبد بني الحسحاس، وذكر قبح وجهه فقال:
أتيت نساء الحارثيّين غدوةبوجه براه الله غير جميل
فشبّهنني كلبا ولست بفوقهولا دونه إن كان غير قليل
وقال أبو ذباب السّعديّ في هوان الكلب:
لكسرى كان أعقل من تميمليالي فرّ من أرض الضّباب
وأسكن أهله ببلاد ريفوأشجار وأنهار عذّاب
فصار بنو بنيه لها ملوكاوصرنا نحن أمثال الكلاب
فلا رحم الإله صدى تميمفقد أزرى بنا في كلّ باب
وأراد اللّعين هجاء جرير- وجرير من بني كليب- فاشتقّ هجاءه من نسبه فقال:
سأقضي بين كلب بني كليبوبين القين قين بني عقال
فإنّ الكلب مطعمه خبيثوإنّ القين يعمل في سفال
كلا العبدين- قد علمت معدّلئيم الأصل من عمّ وخال
فما بقيا عليّ تركتمانيولكن خفتما صرد النبال
وقال رجل من همدان، يقال له الضّحّاك بن سعد، يهجو مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، واشتقّ له اسما من الكلب فجعله كلبا فقال:
لجّ الفرار بمروان فقلت لهعاد الظلوم ظليما همّه الهرب
أين الفرار وترك الملك إن قبلتمنك الهوينى فلا دين ولا أدب
فراشة الحلم فرعون العذاب، وإنيطلب نداه فكلب دونه كلب
وقال آخر وجعل الكلب مثلا في اللّؤم:
سرت ما سرت من ليلها ثمّ عرّستعلى رجل بالعرج ألأم من كلب
وكذلك قول الأسود بن المنذر، فإنّه قال:
فإنّ امرأ أنتم حولهتحفّون قبّته بالقباب
يهين سراتكم جاهداويقتلكم مثل قتل الكلاب
وقال سحيمة بن نعيم:
ألست كليبيّا لكلب وكلبةلها عند أطناب البيوت هرير
وقال النّجرانيّ في ذلك:
من منزلي قد أخرجتني زوجتيتهّرّ في وجهي هرير الكلبة
زوّجتها فقيرة من حرفتيقلت لها لمّا أراقت جرتي
أمّ هلال أبشري بالحسرةوأبشري منك بقرب الضّرّة
ويقال للكلب «فلحس» وهو من صفات الحرص والإلحاح. ويقال: «فلان أسأل من فلحس». وفلحس: رجل من بني شيبان كان حريصا رغيبا، وملحفا ملحّا. وكلّ طفيليّ فهو عندهم فلحس.
والأرشم: الكلب والذئب، وقد اشتقّ منه للإنسان إذا كان يتشمّم الطعام ويتبع مواضعه. قال جرير في بعضهم:
لقّى حملته أمّه وهي ضيفةفجاءت بيتن للضّيافة أرشما
وقال جرير في استرواح الطعام:
وبنو الهجيم سخيفة أحلامهمثطّ اللّحى متشابهو الألوان
لو يسمعون بأكلة أو شربةبعمان أضحى جمعهم بعمان
متأبّطين بنيهم وبناتهمصعر الخدود لريح كلّ دخان
وقال سهم بن حنظلة الغنويّ في ذلك:
وأمّا كلاب فمثل الكلاب لا يحسن الكلب إلّا هريرا
وأمّا نمير فمثل البغال أشبهن آباءهنّ الحميرا
وأمّا هلال فعطّارةتبيع كباء وعطرا كثيرا
ومرّ جرير يوما بالمربد، فوقف عليه الراعي وابنه جندل، فقال له ابنه جندل: إنّه قد طال وقوفك على هذا الكلب الكليبيّ، فإلى متى؟! وضرب بغلته، فمضى الراعي وابنه جندل، فقال جرير: والله لأثقلنّ رواحلك! فلما أمسى أخذ في هجائه، فلم يأته ما يريد، فلما كان مع الصبح انفتح له القول فقال:
فغضّ الطّرف إنّك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
ولو جعلت فقاح بني نميرعلى خبث الحديد إذا لذابا
ثم وقف في موقفه، فلمّا مرّ به جندل قبض على عنان فرسه، فأنشده قوله، حتى إذا بلغ إلى هذا البيت:
أجندل ما تقول بنو نميرإذا ما الأير في است أبيك غابا
قال: فأدبر وهو يقول: يقولون والله شرّا.
وقال الشاعر- وضرب بالكلب المثل في قبح الوجه-:
سفرت فقلت لها هج فتبرقعتفذكرت حين تبرقعت ضبّارا
وضبّار: اسم كلب له.
وقال كعب الأحبار لرجل وأراد سفرا: إنّ لكلّ رفقة كلبا، فلا تكن كلب أصحابك.
وتقول العرب: «أحبّ أهلي إليّ كلبهم الظاعن». ومن الأمثال «وقع الكلب على الذّئب ليأخذ منه مثل ما أخذ». ومن أمثالهم: «الكلاب على البقر».
ومن أمثالهم في الشؤم قولهم: «على أهلها دلّت براقش». وبراقش: كلبة قوم نبحت على جيش مرّوا ليلا وهم لا يشعرون بالحيّ، فاستباحوهم واستدلّوا على مواضعهم بنباحها.
قال الشاعر:
ألم تر أنّ سيّد آل ثورنباتة عضّه كلب فماتا
وقال صاحب الكلب: قد يموت الناس بكلّ شيء، وقد قال عبد الملك بن
مروان: ألا تتعجبون من الضحّاك بن قيس يطلب الخلافة ونطح أباه كبش فوجد ليس به حبض ولا نبض. وقال عرفجة بن شريك يهجو أسلم بن زرعة- ووطئت أباه عنز بالمربد فمات- فقال:
ولم أستطع إذ بان منّي معشريمكان قتيل العنز أن أتكلّما
فيما ابن قتيل العنز هل أنت ثائربزرعة تيسا في الزّريبة أزنما
وقال أبو الهول يهجو جعفر بن يحيى:
أصبحت محتاجا إلى الضّربفي طلب العرف إلى الكلب
قد وقّح السّبّ له وجههفصار لا ينحاش للسّبّ
إذا شكا صبّ إليه الهوىقال له مالي وللصبّ
أعني فتى يطعن في دينهيشب معه خشب الصّلب
قال: وقلت لأبي عبيدة: أليس بقع الكلاب أمثلها؟ قال: لا. قلت: ولم قال:
وخفت هجاءهم لما تواصواكخوف الذّئب من بقع الكلاب؟
قال: ليس هكذا قال، إنما قال:
كخوف الذّئب من سود الكلاب
ألا ترى أنّه حين أراد الهجاء قال:
كأنّك بالمبارك بعد شهرتخوض غموره بقع الكلاب
ويدل على ذلك قول الجدليّ:
لعمري لجوّ من جواء سويقةأسافله ميث وأعلاه أجرع
أحبّ إلينا أن نجاور أهلهويصبح منّا وهو مرأى ومسمع
من الجوسق الملعون بالرّيّ لا ينيعلى رأسه داعي المنيّة يلمع
يقولون لي صبرا فقلت: لطالماصبرت ولكن لا أرى الصّبر ينفع
فليت عطائي كان قسّم بينهموكان لي الصّمّان والحزن أجمع
وكان لهم أجري هنيئا وأصبحتبي البازل الكوماء بالرمل تضبع
أأجعل نفسي عدل علج كأنّمايموت به كلب إذا مات أبقع
قال: فقد بيّن كما ترى أنّ الأبقع شرّها.
قال: وقلت: فلم قال الشاعر:
أرسلت أسدا على بقع الكلاب فقدأمسى شريدهم في الأرض فلّالا
قال: فكيف يقول ذلك وهو يمدحهم؟ وإذا صغّر شأن من هزموا فقد صغّر شأن الممدوح. بل إنّما قال: «أرسلت أسدا على سود الكلاب».
قال: وإنّما جاء الحديث في قتل سود الكلاب، لأنّ عقرها أكثر ما تكون سودا، وذلك من غلبة أنفسها.
وليس في الأرض حيوان من بقرة وثور وحمار وفرس وكلب وإنسان، إلّا والسّود أشدّها أسرا وعصبا، وأظهرها قوّة وصبرا.
وقال أبو سعد المخزومي في هجائه دعبلا:
يا ثابت بن أبي سعيد إنّهادول وأحر بها بأن تتنقّلا
هلّا جعلت لها كحرمة دعبلفي است أمّ كلب لا يساوي دعبلا
وقال ابن نوفل:
وجئت على قصواء تنقل سوءةإلينا وكم من سوءة لا تهابها
وتزعم أن لم تخز سلم بن جندلوقد خزيت بعد الرّجال كلابها
وقال الحسن بن هانئ يهجو جعفر بن يحيى:
قفا خلف وجه قد أطيل كأنّهقفا مالك يقضي الهموم على بثق
وأعظم زهوا من ذباب على خراوأبخل من كلب عقور على عرق
وقال أبو الشّمقمق:
أهل جود ونائل وفعالغلبوا الناس بالنّدى والعطيّة
جئته زائرا فأدنى مكانيوتلقّى بمرحب وتحيّه
لا كمثل الأصمّ حارثة اللؤم شبيه الكليبة القلطيّه
جئته زائرا فأعرض عنّيمثل إعراض قحبة سوسيّه
وتولّى كأنّه أير بغلغاب في دبر بغلة مصريّه
وقال أيضا:
ألا قولا لسرّان المخازيووجه الكلب والتّيس الضروط
له بطن يضلّ الفيل فيهودبر مثل راقود النّشوط
وأير عارم لا خير فيهكدور سفينة في بثق روط
ولحية حائك من باب قلبموصّلة الجوانب بالخيوط
له وجه عليه الفقر بادمرقّعة جوانبه بقوط
إذا نهض الكرام إلى المعاليترى سرّان يسفل في هبوط
وقال أيضا في ذلك:
يا رازق الكلب والخنزير في سعةوالطير والوحش في يهماء دوّيّه
لو شئت صيّرته في حال فاقتهحتى تقرّ بتلك الحال عينيّه
وقال جرير بن عطية، يهجو الصّلتان العبديّ:
أقول لها والدّمع يغسل كحلهامتى كان حكم الله في كرب النخل
فأجابه الصّلتان فقال:
تعيّرنا أن كانت النّخل مالناوودّ أبوك الكلب لو كان ذا نخل
يعيّره جرير بأنّه كان هو وأبوه من أصحاب النّخل.
وقال وضّاح اليمن:
وأكتم السّرّ غضبانا وفي سكريحتى يكون له وجه ومستمع
وأترك القول عن علم ومقدرةحتى يكون لذاك النّجد مطّلع
لا قوّتي قوّة الراعي ركائبهيبيت يأوي إليه الكلب والرّبع
ولا العسيف الذي تشتدّ عقبتهحتّى يثوب وباقي نعله قطع
وقال محمّد بن عبّاد الكاتب مولى بجيلة، وأبوه من سبي دابق وكاتب زهير، وصديق ثمامة، يهجو أبا سعد دعيّ بني مخزوم، وبعد أن لقى منه ما لقى:
فعلت نزار بك الذي استأهلته نفيا وضربا
فهجوت قحطانا لأهجوهم مكايدة وإربا
وأردت كيما تشتفيبهجائهم منهم فتربا
ووثقت أنّك ما سببت، حماك لؤمك أن تسبّا
كالكلب إن ينبح فليس جوابه إلّا اخس كلبا
خفّض عليك وقر مكانك لا تطف شرقا وغربا
واكشف قناع أبيك فالآباء ليس تنال غصبا
وقال آخر يصف كلبا:
ولذّ كطعم الصّرخديّ تركتهبأرض العدا من خشية الحدثان
ومبد لي الشّحناء بيني وبينهدعوت وقد طال السّرى فدعاني
فوصفه كما ترى أنّه يبدي له البغضاء.
وقال آخر:
سرت ما سرت من ليلها ثم عرّستعلى رجل بالعرج ألأم من كلب
وقال راشد بن شهاب اليشكريّ:
فلست إذا هبّت شمال عريّةبكلب على لحم الجزور ولا برم
وقال كثيّر بن عبد الرحمن، وهو يصف نعلا من نعال الكرام:
إذا طرحت لم يطّب الكلب ريحهاوإن وضعت في مجلس القوم شمّت
وقال اللّعين في بعض أضيافه، يخبر أنّه قراه لحم كلب. وقد قال ابن الأعرابي:
إنّما وصف تيسا:
فقلت لعبديّ اقتلا داء بطنهوأعفاجه اللائي لهنّ زوائد
فجاءا بخرشاوي شعير عليهماكراديس من أوصال أعقد سافد
وقال خليد عينين وهو يهجو جرير بن عطية ويردّ عليه:
وعيّرتنا بالنخل أن كان مالناوودّ أبوك الكلب لو كان ذا نخل
وقال دعبل بن عليّ:
ولو يرزق الناس عن حيلةلما نال كفّا من التّربه
ولو يشرب الماء أهل العفاف لما نال من مائهم شربه
ولكنّه رزق من رزقهيعمّ به الكلب والكلبه
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع