تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب ذكر من هجي بأكل لحوم الكلاب ولحوم الناس

قال سالم بن دارة الغطفانيّ:

يا فقعسيّ لم أكلته لمهلو خافك الله عليه حرّمه

فما أكلت لحمه ولا دمه

وقال الفرزدق في ذلك:

إذا أسدي جاع يوما ببلدةوكان سمينا كلبه فهو آكله

وقال مساور بن هند:

إذا أسديّة ولدت غلامافبشرها بلؤم في الغلام
يخرّسها نساء بني دبيربأخبث ما يجدن من الطّعام
ترى أضفار أعقد ملقياتبراثنها على وضم الثّمام

فهذا الشعر وما أشبهه يدلّ على أن اللعين إنّما قراهم كلبا ولم يقرهم تيسا، وأنّ الصواب خلاف ما قال ابن الأعرابيّ.

وقال مساور بن هند أيضا:

بني أسد أن تمحل العام فقعسفهذا إذن دهر الكلاب وعامها

وقال شريح بن أوس يهجو أبا المهوّش الأسدي:

وعيّرتنا تمر العراق وبرّهوزادك أير الكلب شيّطه الجمر
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «عددت رجالاً من قُعين تفجسا»

وقال معروف الدّبيريّ في أكلهم لحوم الناس:

إذا ما ضفت يوما فقعسيّافلا تطعم له أبدا طعاما
فإنّ اللحم إنسان فدعهوخير الزّاد ما منع الحراما

وقد هجيت هذيل وأسد وبلعنبر وباهلة بأكل لحوم الناس، قال حسّان بن ثابت يذكر هذيلا:

إن سرّك الغدر صرفا لا مزاج لهفأت الرجيع وسل عن دار لحيان
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن سرك الغدر صرفا لا مزاج له»
قوم تواصوا بأكل الجار بينهمفالكلب والشّاة والإنسان سيّان

وقال الشاعر في مثل ذلك في هذيل:

وأنتم أكلتم شحمة بن مخدّمزباب فلا يأمنكم أحد بعد
تداعوا له من بين خمس وأربعوقد نصل الأظفار وانسبأ الجلد
ورفّعتم جردانه لرئيسكممعاوية الفلحاء يا لك ما شكد

وقال الشاعر في ذلك في باهلة:

إنّ غفاقا أكلته باهلهتمشّشوا عظامه وكاهله

وأصبحت أم غفاق ثاكله

وهجا شاعر آخر بلعنبر، وهو يريد ثوب بن شحمة، وكان شريفا وكان يقال له مجير الطير. فأمّا مجير الجراد فهو مدلج بن سويد بن مرشد بن خيبري فعيّر الشاعر ثوب بن شحمة بأكل الرجل العنبريّ لحم المرأة إلى أن أتى ثوب من الجبل فقال:

عجلتم ما صادكم علاجمن العنوق ومن النّعاج

حتى أكلتم طفلة كالعاج

فلما عيّره قال ثوب:

يا بنت عمّي ما أدراك ما حسبيإذ لا تجنّ خبيث الزاد أضلاعي
إنّي لذو مرّة تخشى بوادرهعند الصّياح بنصل السّيف قرّاع

ومن ظريف الشعر قول أبي عدنان:

فما كلبة سوداء تفري بنابهاعراقا من الموتى مرارا وتكدم
أتيح لها كلب فضنّت بعرقهافهارشها وهي على العرق تعذم

فقف على هذا الشعر فإنّه من أعاجيب الدنيا.

وقال سنيح بن رباح شار الزّنجي:

ما بال كلب بني كليب سبّناأن لم يوازن حاجبا وعقالا

وتنازع مالك بن مسمع وشقيق بن ثور، فقال له مالك: إنّما رفعك قبر بتستر فقال شقيق: حين وضعك قبر بالمشقّر، يا ابن قتيل النساء وقتيل الكلاب!!.

قال: وكان يقال لمسمع بن شيبان قتيل الكلاب، وذلك أنّه لجأ في الردة إلى قوم من عبد القيس، فكان كلبهم ينبح عليه فخاف أن يدلّ على مكانه فقتله فقتل به.

قال: والعرب تقول: «أسرع من لحسة كلب أنفه». ويقال: «أحرص من لعوة» وهي الكلبة، وجمعها لعاء. وفي المثل: «ألأم من كلب على عرق»، و «نعم كلب في بؤس أهله». وفي المثل: «اصنع المعروف ولو مع الكلب».

وقال ابن سيرين: الكلب في النوم رجل فاحش، فإن كان أسود فهو عربيّ، وإن كان أبقع فهو عجميّ.

وقال الأصمعيّ عن حمّاد بن سلمة عن ابن أخت أبي بلال مرداس بن أديّة قال:

رأيت أبا بلال في النوم كلبا تذرف عيناه، وقال: إنّا حوّلنا بعدكم كلابا من كلاب النار.

قال: ولمّا خرج شمر بن ذي الجوشن الضّبابي لقتال الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما، فرأى الحسين فيما يرى النائم أنّ كلبا أبقع يلغ في دمائهم، فأوّل ذلك أن يقتلهم شمر بن ذي الجوشن. وكان منسلخا برصا.

قال: والمسلمون كلّهم يسمّون الخوارج: كلاب النار.

وقال صاحب الديك: صاحب الكلب يصفه بالسّرعة في الحضر، وبالصّبر على طول العدو، وبسعة الإهاب، وأنّه إذا عدا ضبع وبسط يديه ورجليه حتى يمسّ قصصه الأرض، وحتى يشرط أذنيه بشبا أظفاره، وأنّه لا يحتشي ريحا مع ما يصيب الكلاب من اللهث. فإن كان كما تقولون فلم وصفت الشعراء الفرس وشبّهته بضروب من الخلق، وكذلك الأعضاء وغير ذلك من أمره، وتركوا الكلب في المنسأ لا يلتفت أحد لفته؟! وقال أبو دؤاد الإياديّ في ذلك:

عن لسان كجثّة الورل الأحمرمجّ النّدى عليه العرار
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

ولم يذكره في شيء. وقال خالد بن عجرة الكلابي:

كأن لسانه ورل عليهبدار مضية مج العرار

وقال امرؤ القيس:

وخدّ أسيل كالمسنّ وبركةكجؤجؤ هيق دفّه قد تموّرا

ولم يذكره في شيء. وقال عقبة بن سابق:

عريض الخدّ والجبهة والصّهوة والجنب
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

ولم يذكره في شيء. وقال امرؤ القيس:

وسامعتان تعرف العتق فيهماكسامعتي مذعورة وسط ربرب

ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال عقبة بن سابق:

ولها بركة كجؤجؤ هيقولبان مضرّج بالخضاب
للشاعر عقبة بن مكدم التغلبي، اقرأ القصيدة

ولم يذكره في شيء. وقال خفاف بن ندبة:

عبل الذّراعين سليم الشّظاكالسّيد يوم القرّة الصارد

ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال امرؤ القيس:

سليم الشّظا عبل الشّوى شنج النّساأقبّ كتيس الحلّب الغذوان

ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال عقبة بن سابق:

وأرساغ كأعناقظباء أربع غلب

ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال الجعديّ:

كأن تماثيل أرساغهرقاب وعول لدى مشرب
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»

ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال امرؤ القيس:

لها متنتان خظاتا كماأكبّ على ساعديه النّمر
للشاعر امرؤ القيس، اقرأ القصيدة

ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال أبو دؤاد:

يمشي كمشي نعامتينتتابعان أشقّ شاخص
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال ابن الصّعق:

بمحنّب مثل العقاب تخاله للضّمر قدحا

ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال ربيعة بن جشم النمري، ويروى لامرئ القيس:

وساقان كعباهما أصمعان لحم حماتيهما منبتر
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت الأنصاري:

كأنّ حماتيهما أرنبانتقبّضتا خيفة الأجدل
للشاعر عبد الرحمن بن حسان الأنصاري، اقرأ القصيدة

ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال خالد بن عبد الرحمن في مثل ذلك:

كأنّ حماتها كردوس فحلمقلّصة على ساقي ظليم

ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال الأعشى:

أمّا إذا استقبلته فكأنّهجذع سما فوق النّخيل مشذّب
وإذا تصفّحه الفوارس معرضافتقول سرحان الغضا المتصوّب
أما إذا استدبرته فتسوقهساق يقمّصها وظيف أحدب
منه وجاعرة كأنّ حماتهالما كشفت الجلّ عنه أرنب

ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال الأسعر الجعفي:

أما إذا استقبلته فكأنّهباز يكفكف أن يطير وقد رأى
للشاعر الأسعر الجعفي، من قصيدة «هل بان قلبك من سليمى فاشتفى»
أما إذا استعرضته متمطّرافتقول هذا مثل سرحان الغضا
للشاعر الأسعر الجعفي، من قصيدة «هل بان قلبك من سليمى فاشتفى»
أمّا إذا استدبرته فتسوقهساق قموص الوقع عارية النّسا

ولم يذكره في شيء. وقال أبو داؤد:

كالسّيد ما استقبلته وإذاولّى تقول ململم ضرب
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة
لأم إذا استعرضته ومشىمتتابعا ما خانه عقب
يمشي كمشي نعامة تبعتأخرى إذا هي راعها خطب
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال امرؤ القيس:

له أيطلا ظبي وساقا نعامةوإرخاء سرحان وتقريب تتفل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال ابن سنان العبديّ:

أما إذا ما أقبلت فمطارةكالجذع شذّبه نفيّ المنجل
أما إذا ما أعرضت فنبيلةضخم مكان حزامها والمركل
أما إذا تشتدّ فهي نعامةتنفي سنابكها صلاب الجندل

قال أبو عبيدة: ومما يشبه خلقه من خلق النعامة طول وظيفها وقصر ساقيها وعري نسييها. وممّا يشبه من خلقه خلق الأرنب صغر كعبيها. وممّا يشبه من خلقه خلق الحمار الوحشيّ غلظ لحمه، وظمأ فصوصه وسراته، وتمحص عصبه، وتمكّن أرساغه، وعرض صهوته.

قال صاحب الكلب: قد قال أبو عبيدة: إنّ مما يشبه من خلقه خلق الكلب هرت شدقه، وطول لسانه، وكثرة ريقه، وانحدار قصّه، وسبوغ ضلوعه، وطول ذراعيه، ورحب جلده، ولحوق بطنه. وقال طفيل الغنويّ، يصف الخيل:

تباري مراخيها الزّجاج كأنّهاضراء أحسّت نبأة من مكلّب
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «بالعفر دار من جميلة هيجت»

وقال طفيل أيضا:

كأنّ على أعطافه ثوب مائحوإن يلق كلب بين لحييه يذهب
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «بالعفر دار من جميلة هيجت»

وقال صاحب الديك: وأين يقع البيت والبيتان والثلاثة، من جميع أشعار العرب؟! وقال صاحب الكلب: لعلّنا إن تتبّعنا ذلك وجدناه كثيرا، ولكنك تقدّمت في أمر ولم تشعر بالذي تعني، فنلتقط من الجميع أكثر مما التقطت. والإنسان شريف الأعضاء وقد تشبه مواضع منه مواضع من الفرس العتيق. وما حضرنا من الأشعار إلّا قوله:

وترى الكميت أمامهوكأنّه رجل مغاضب

وقال الشاعر في ذلك:

خوص تراح إلى الصراخ إذا غدتفعل الضّراء تراح للكلّاب

وقد شبهوا بالكلب كلّ شيء وكان اسم فرس عامر بن الطفيل، الكلب، والمزنوق، والورد.

قال صاحب الديك: قد قال أوس بن حجر، ووصف الناقة ونشاطها والذي يهيجها فقال:

كأنّ هرّا جنيبا عند مغرضهاوالتفّ ديك برجليها وخنزير

فهلّا قال: والتف كلب كما قال: والتفّ ديك!! وقال أبو حيّة:

وتزاورت عنه كأن بدفّهاهرّا ينشّب ضبعها بالأظفر

وقال الأعشى:

بجلالة سرح كأنّ بدفّهاهرّا إذا انتعل المطيّ ظلالها

وقال عنترة بن شدّاد العبسي:

وكأنّما ينأى بجانب دفّها الوحشيّ من هزج العشيّ مؤوّم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ منْ مُتَرَدَّمِ(معلق»
هرّ جنيب كلّما عطفت لهغضبى اتقاها باليدين وبالفم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

وقال المثقّب العبديّ:

فسلّ الهمّ عنك بذات لوثعذافرة كمطرقة القيون
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «كلا يومي طوالة وصل أروى»
بصادقة الوجيف كأنّ هرّايباريها ويأخذ بالوضين
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «أفاطم قبل بينك متعيني»

قال صاحب الكلب: إنما يذكرون في هذا الباب السّباع المنعوتة بالمخالب وطول الأظفار، كما ذكر الهرّ وابن آوى. والكلب ليس يوصف بالمخالب، وليس أنّ الهر أقوى منه. ألا ترى أوس بن حجر قال في ذلك:

كأنّ هرّا جنيبا عند مغرضها

فذكر الموضع الذي يوصف بالخلب والخدش والخمش والتظفير، فلما أراد أن يفزّعها ويثوّرها حتى تذهب جافلة في وجهها، أو نادّة، أو كأنّها مجنونة من حاق المرح والنشاط قال:

والتفّ ديك برجليها وخنزير

وقال أبو النجم:

لو جرّ شنّ وسطها لم تحفلمن شهوة الماء ورزّ معضل
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة

ولو قال أوس:

والتفّ شنّ برجليها وخنزير

لكان جائزا، لولا يبس الشنّ وقحوله، وأنّه ليس مما يلتوي على رجليها. وقال آخر:

كأنّ ابن آوى موثق تحت غرزهاإذا هو لم يكلم بنابيه ظفّرا
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «أتعرف رسما دارسا قد تغيرا»

وقال صاحب الديك: حديث عمرو بن شعيب عن عبد الله بن عمر وعبد الله ابن عباس، أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يحلّ لرجل أن يعطي عطيّة ويرجع فيها، إلّا الوالد فيما يعطي ولده. ومثل الذي يعطي العطيّة ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل، حتى إذا شبع قاء ثم عاد في قيئه».

وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يرجع في هبته إلّا الوالد من ولده. والعائد في هبته كالعائد في قيئه».

وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر، أنّ أبا بكر أمر بقتل الكلب. قال عبد الله بن جعفر: وكانت أمّي تحت أبي بكر، وكان جرو لي تحت سريره فقلت له: يا أبت، وكلبي أيضا؟ فقال: لا تقتلوا كلب ابني، ثمّ أشار بإصبعه إلى الكلب- أي خذوه من تحت السرير- وأنا لا أدري، فقتل.

وإسماعيل بن أميّة قال: أمّتان من الجنّ مسختا، وهما الكلاب والحيّات.

ابن المبارك قال: إذا عرف الرجل قدر نفسه صار عند نفسه أذلّ من الكلب.

قال صاحب الديك- وذكر الكلب فقال-: من لؤمه أنّه إذا أسمنته أكلك، وإن أجعته أنكرك. ومن لؤمه اتّباعه لمن أهانه، وإلفه لمن أجاعه؛ لأنه أجهل من أن يأنس بما يؤنس به وأشره وأنهم وأحرص وألجّ من أن يذهب بمطمعته ما يذهب بمطامع السباع.

ومن جهله أيضا أنّا لم نجده يحرس المحسنين إليه بنباحه، وأربابه الذين ربّوه وتبنّوه إلا كحراسته لمن عرفه ساعة واحدة، بل لمن أذلّه وأجاعه وأعطشه.

بل ليس ذلك منه حراسة، وإنّما هو فيه من فضل البذاء أو الفحش، وشدّة التحرّش والتسرّع. وقد قال الشاعر في ذلك:

إذا تخازرت وما بي من خزرثم كسرت العين من غير عور
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «إذا تخازرت وما بي من خزر»
أبذى إذا بوذيت من كلب ذكرأسود قزّاح يعوّي في السّحر

وإنّما ذلك شكل من شكل الجبن، وكالذي يعتري نساء السّفلة من الصخب.

والكلب جبان وفيه جرأة ولؤم. ولو كان شجاعا وفيه بعض التهيّب كان أمثل.

ومن فرط الجبن أنّه يفزع من كلّ شيء وينبحه.

والبرذون ربّما رمح البرذون مبتدئا، وقلق وصهل صهيلا في اختلاط، وليس ذلك من فضل قوّة يجدها في نفسه على المرموح، ولكنّه يكون جبانا، فإذا رأى البرذون الذي يظنّ أنّه يعجز عنه أراه الجبن أنّه واقع به، فعندها يقلق وإذا قلق رمح.

وهذه العلّة تعرض للمجنون؛ فإنّ المجنون الذي تستولي عليه السّوداء، ربما وثب على من لا يعرفه. وليس ذلك إلّا لأنّ المرّة أو همته أنّه يريده بسوء، وأنّ الرأي أن يبدأه بالضرب. وعلى مثل ذلك يرمي بنفسه في الماء والنار.

فأمّا الذي شهدت أنا من أبي إسحاق بن سيّار النظّام، فإنّا خرجنا ليلة في بعض طرقات الأبلّة، وتقدّمته شيئا، وألح عليه كلب من شكل كلاب الرّعاء، وكره أن يعدو فيغريه ويضرّيه، وأنف أيضا من ذلك- وكان أنفا شديد الشّكيمة أبّاء للهضيمة- وكره أن يجلس مخافة أن يشغر عليه أو لعلّه أن يعضّه فيهرت ثوبه، وألحّ عليه فلم ينله بسوء. فلمّا جزنا حدّه وتخلّصنا منه، قال إبراهيم في كلام له كثير، يعدّد خصاله المذمومة، فكان آخر كلامه أن قال: إن كنت سبع فاذهب مع السّباع، وعليك بالبراري والغياض، وإن كنت بهيمة فاسكت عنّا سكوت البهائم! ولا تنكر قولي وحياتي عنه بقول ملحون. من قولي: «إن كنت سبع» ولم أقل «إن كنت سبعا» !

وأنا أقول: إنّ الإعراب يفسد نوادر المولّدين، كما أنّ اللحن يفسد كلام الأعراب؛ لأنّ سامع ذلك الكلام إنّما أعجبته تلك الصورة وذلك المخرج، وتلك

اللغة وتلك العادة؛ فإذا دخلت على هذا الأمر- الذي إنما أضحك بسخفه وبعض كلام العجميّة التي فيه- حروف الإعراب والتحقيق والتثقيل وحوّلته إلى صورة ألفاظ الأعراب الفصحاء، وأهل المروءة والنجابة انقلب المعنى مع انقلاب نظمه، وتبدّلت صورته.

ثم قال أبو إسحاق: إن أطعمه اللصّ بالنهار كسرة خبز خلّاه، ودار حوله ليلا.

فهو في هذا الوجه مرتش وآكل سحت؛ وهو مع ذلك أسمج الخلق صوتا، وأحمق الخلق يقظة ونوما، وينام النّهار كله على نفس الجادّة، وعلى مدقّ الحوافر، وفي كل سوق وملتقى طريق، وعلى سبيل الحمولة وقد سهر الليل كله بالصياح والصّخب، والنّصب والتّعب، والغيظ والغضب، وبالمجيء والذّهاب، فيركبه من حبّ النوم على حسب حاجته إليه، فإن وطئته دابّة فأسوأ الخلق جزعا وألأمه لؤما، وأكثره نباحا وعواء، فإن سلم ولم تطأه دابّة ولا وطئه إنسان، فليست تتمّ له السلامة؛ لأنّه في حال متوقّع للبليّة. ومتوقّع البليّة في بليّة. فإن لم يسلم فليس على ظهرها مبتلى أسوأ حالا منه؛ لأنّه أسوؤهم جزعا، وأقلّهم صبرا، ولأنّه الجاني ذلك على نفسه، وقد كانت الطّرق الخالية له معرضة، وأصول الحيطان مباحة.

وبعد فإنّ كلّ خلق فارق أخلاق النّاس فإنّه مذموم. والناس ينامون بالليل الذي جعله الله تعالى سكنا، وينتشرون بالنّهار الذي جعله الله تعالى لحاجات الناس مسرحا.

قال صاحب الكلب: لو شئنا أن نقول: إنّ سهره بالليل ونومه بالنهار خصلة ملوكيّة لقلنا، ولو كان خلاف ذلك ألذّ لكانت الملوك بذلك أولى. وأمّا الذي أشرتم به من النوم في الطرق الخالية، وعبتموه به من نومه على شارعات الطّرق والسّكك العامرة وفي الأسواق الجامعة، فكلّ امرئ أعلم بشأنه. ولولا أنّ الكلب يعلم ما يلقى من الأحداث والسّفهاء وصبيان الكتّاب، من رضّ عظامه بألواحهم إذا وجدوه نائما في طريق خال ليس بحضرته رجال يهابون، ومشيخة يرحمون ويزجرون السفهاء، وأنّ ذلك لا يعتريه في مجامع الأسواق- لقلّ خلافه عليك، ولما رقد في الأسواق. وعلى أنّ هذا الخلق إنّما يعتري كلاب الحرّاس، وهي التي في الأسواق مأواها ومنازلها.

وبعد فمن أخطأ وأظلم ممّن يكلّف السباع أخلاق الناس وعادات البهائم!! وقد علمنا أنّ سباع الأرض عن آخرها إنّما تهيج وتسرح وتلتمس المعيشة وتتلاقى على السفاد والعظال ليلا؛ لأنها تبصر بالليل.

وإنما نام الناس بالليل عن حوائجهم، لأنّ التمييز والتفصيل والتبيّن لا يمكنهم إلّا نهارا، وليس للمتعب المتحرّك بدّ من سكون يكون جماما له. ولولا صرفهم التماس الجمام إلى الوقت الذي لو لم يناموا فيه والوقت مانع من التمييز والتبيّن، لكانت الطبائع تنتقض. فجعلوا النّوم بالليل لضربين: أحدهما لأنّ الليل إذ كان من طبعه البرد والرّكود والخثورة، كان ذلك أنزع إلى النوم وما دعا إليه، لأنّه من شكله.

وأمّا الوجه الآخر فلأنّ الليل موحش مخوف الجوانب من الهوامّ والسباع، ولأنّ الأشياء المبتاعة والحاجات إلى تمييز الدنانير، والدراهم، والحبوب، والبزور، والجواهر، وأخلاط العطر، والبربهار وما لا يحصى عدده، فقادتهم طبائعهم وساقتهم غرائزهم إلى وضع النوم في موضعه، والانتشار والتصرف في موضعه على ما قدّر الله تعالى من ذلك وأحبّه. وأمّا السباع فإنها تتصرّف وتبصر بالليل، ولها أيضا علل أخرى يطول ذكرها.

وأمّا ما ذكرتموه من نوم الملوك بالنّهار وسهرهم بالليل، فإنّ الملوك لم تجهل فضل النوم بالليل والحركة بالنهار، ولكنّ الملوك لكثرة أشغالها فضلت حوائجها عن مقدار النهار ولم يتّسع لها، فلما استعانت بالليل ولم يكن لها بدّ من الخلوة بالتدبير المكتوم والسرّ المخزون، وجمعت المقدار الفاضل عن اتّساع النهار إلى المقدار الذي لا بدّ للخلوة بالأسرار منه؛ أخذت من الليل صدرا صالحا. فلمّا طال ذلك عليها أعانها المران، وخفّ ذلك عليها بالدّربة.

وناس منهم ذهبوا إلى التناول من الشراب وإلى أن سماع الصوت الحسن مما يزيد في المنّة، ويكون مادّة للقوة. وعلموا أنّ العوامّ إذا كانت لا تتناول الشّراب

ولا تتكلّف السماع على هذا المعنى، أن ظنّها سيسوء، وقولها سيكثر؛ فرأوا أنّ الليل أستر وأجدر أن يتمّ به التدبير، وقال الراجز:

اللّيل أخفى والنّهار أفضح

وقالوا في المثل: «اللّيل أخفى للويل».

وما زالت ملوك العجم تلهّي المحزون بالسماع، وتعلّل المريض، وتشغله عن التفكير، حتّى أخذت ذلك ملوك العرب عن ملوك العجم. ولذلك قال ابن عسلة الشيباني:

وسماع مدجنة تعلّلناحتّى ننام تنام تناوم العجم
فصحوت والنّمريّ يحسبهاعمّ السّماك وخالة النّجم

النجم: واحد وجمع، وإنّما يعني في البيت الثريّا. ومدجنة: يعني سحابة دائمة.

وفيما يحكى عن امرأة من عقلاء نساء العرب- وإذا كان نساء العرب في الجملة أعقل من رجال العجم، فما ظنّك بالمرأة منهم إذا كانت مقدّمة فيهم- فرووا جميعا أنّ أمّ تأبّط شرّا قالت: «والله ما ولدته يتنا، ولا سقيته غيلا ولا أبتّه على مأقة».

فأمّا اليتن فخروج رجل المولود قبل رأسه، وذلك علامة سوء، ودليل على الفساد. وأما سقي الغيل، فارتضاع لبن الحبلى، وذلك فساد شديد.

وأما قولها في المأقة، فإنّ الصبيّ يبكي بكاء شديدا متعبا موجعا، فإذا كانت الأمّ جاهلة حرّكته في المهد حركة تورثه الدّوار، أو نوّمته بأن تضرب يدها على جنبه. ومتى نام الصبيّ وتلك الفزعة أو اللّوعة أو المكروه قائم في جوفه، ولم يعلّل ببعض ما يلهيه ويضحكه ويسرّه، حتى يكون نومه على سرور، فيسري فيه ويعمل في طباعه، ولا يكون نومه على فزع أو غيظ أو غمّ؛ فإنّ ذلك ممّا يعمل في الفساد.

والأمّ الجاهلة والمرقّصة الخرقاء، إذا لم تعرف فرق ما بين هاتين الحالتين، كثر منها ذلك الفساد، وترادف، وأعان الثاني الأوّل والثالث الثاني حتّى يخرج الصبيّ مائقا.

وفي المثل: «صاحبي مئق وأنا تئق»، يضرب هذا المثل للمسافر الأحمق الرّفيق والزّميل، وقد استفرغه الضّجر لطول السفر فقلبه ملآن، فأوّل شيء يكون في ذلك المئق من المكروه لم يحتمله بل يفيض ضجره عليه، لامتلائه من طول ما قاسى من مكروه السفر.

فاحتاج حذّاق الملوك وأصحاب العنايات التامّة، أن يداووا أنفسهم بالسماع الحسن، ويشدّوا من متنهم بالشراب، الذي إذا وقع في الجوف حرّك الدّم، وإذا حرك الدّم حرّك طباع السرور، ثمّ لا يزال زائدا في مكيال الدم، زائدا في الحركة المولّدة للسرور. هذه صفة الملوك. وعليه بنوا أمرهم، جهل ذلك من جهله، وعلمه من علمه.

وقال صاحب الكلب: أمّا تركه الاعتراض على اللّصّ الذي أطعمه أيّاما وأحسن إليه مرارا، فإنّما وجب عليه حفظ أهله لإحسانهم إليه، وتعاهدهم له. فإذا كان عهده ببرّ اللص أحدث من عهده ببرّ أهله، لم يكلّف الكلب النظر في العواقب، وموازنة الأمور. والذي أضمر اللصّ من البيات غيب قد ستر عنه؛ وهو لا يدري أجاء ليأخذ أم جاء ليعطي، أو هم أمروه أو هو المتكلّف لذلك؛ ولعلّ أهله أيضا أن يكونوا قد استحقّوا ذلك منه بالضّرب والإجاعة، وبالسبّ والإهانة.

وأمّا سماجة الصّوت فالبغل أسمج صوتا منه، كذلك الطاووس على أنّهم يتشاءمون به. وليس الصّوت الحسن إلّا لأصناف الحمام من القماريّ والدّباسيّ،

وأصناف الشّفانين والوراشين. فأمّا الأسد والذئب؛ وابن آوى والخنزير، وجميع الطير والسباع والبهائم فكذلك. وإنّما لك أن تذمّ الكلب في الشيء الذي لا يعمّ. والناس يقولون: ليس في الناس شيء أقلّ من ثلاثة أصناف: البيان الحسن، والصوت الحسن، والصورة الحسنة؛ ثمّ النّاس بعد مختلطون ممتزجون. وربّما كان من الناس بل كثيرا ما تجده وصوته أقبح من صوت الكلب، فلم تخصّون الكلب بشيء عامّة الخلق فيه أسوأ حالا من الكلب؟! وأما عواؤه من وطء الدّابّة وسوء جزعه من ضرب الصّبيان، فجزع الفرس من وقع عذبة السّوط، أسوأ من جزعه من وقع حافر برذون. وهو في هذا الموضع للفرس أشدّ مناسبة منه للحمار.

على أنّ الدّيك لا يذكر بصبر ولا جزع.

قال صاحب الديك: حدّثني العتبي قال: كان في اليونانيّين ممرور له نوادر عجيبة، وكان يسمّى ديسيموس، قال: والحكماء يروون له أكثر من ثمانين نادرة ما منها إلّا وهي غرّة؛ وعين من عيون النوادر: فمنها أنّه كان كلّما خرج من بيته مع الفجر إلى شاطئ الفرات للغائط والطهور، ألقى في أصل باب داره وفي دوّارته حجرا، كي لا ينصفق الباب، فيحتاج إلى معالجة فتحه، وإلى دفعه كلّما رجع من حاجته، فكان كلّما رجع لم يجد الحجر في موضعه، ووجد الباب منصفقا. فكمن له في بعض الأيّام ليرى هذا الذي يصنع ما يصنع. فبينا هو في انتظاره إذ أقبل رجل حتّى تناول الحجر، فلمّا نحّاه عن مكانه انصفق الباب، فقال له: ما لك ولهذا الحجر؟ وما لك تأخذه؟ فقال لم أعلم أنّه لك. قال: فقد علمت أنّه ليس لك! قال: وقال بعضهم: ما بال ديسيموس يعلّم الناس الشّعر ولا يقول الشعر؟ قال:

ديسيموس كالمسنّ الذي يشحذ ولا يقطع.

ورآه رجل يأكل في السّوق فقال: أتأكل في السوق؟ فقال: إذا جاع ديسيموس في السّوق أكل من السوق.

قال: وأسمعه رجل كلاما غليظا وسطا عليه، وفحش في القول، وتحلّم عنه فلم يجبه، فقيل له: ما منعك من مكافأته وهو لك معرض؟ قال: أرأيت لو رمحك حمار

أكنت ترمحه؟ قال: لا. قال: فإن ينبح عليك كلب تنبح عليه؟ قال: لا، قال: فإنّ السفيه إمّا أن يكون حمارا، وإما أن يكون كلبا؛ لأنّه لا يخلو من شرارة تكون فيه أو جهل، وما أكثر ما يجتمعان فيه.

وقال صاحب الديك: يقال للسفيه إنّما هو كلب، وإنّما أنت كلب نبّاح، وما زال ينبح علينا منذ اليوم، وكلب من هذا؟ ويا كلب ابن الكلب، وأخسأ كلبا.

وقالوا في المثل: «احتاج إلى الصّوف من جزّ كلبه»، و «أجع كلبك يتبعك»، و «أحبّ شيء إلى الكلب خانقه»، و «سمّن كلبك يأكلك»، و «أجوع من كلبة حومل»، و «كالكلب يربض في الآريّ فلا هو يأكل ولا يدع الدابّة تعتلف».

وفي أمثالهم في الشؤم: «على أهلها دلّت براقش».

وبراقش: كلبة نبحت على جيش مرّوا في جوف الليل وهم لا يشعرون بموضع الحيّ، فاستدلّوا عليهم بنباح الكلبة فاستباحوهم.

وقال صاحب الدّيك: روى إسماعيل المكي عن أبي عطاء العطاردي قال:

سمعت ابن عبّاس يقول: السّود من الكلاب الجنّ، والبقع منها الحنّ. ويقال إنّ الحنّ ضعفة الجنّ، كما أنّ الجنيّ إذا كفر وظلم وتعدّى وأفسد، قيل شيطان؛ وإن قوي على البنيان والحمل الثقيل، وعلى استراق السمع قيل مارد، فإن زاد فهو عفريت، فإن زاد فهو عبقريّ. كما أنّ الرجل إذا قاتل في الحرب وأقدم ولم يحجم فهو الشجاع،

فإن زاد فهو البطل، فإن زاد قالوا: بهمة، فإن زاد قالوا: أليس. فهذا قول أبي عبيدة.

وبعض النّاس يزعم أنّ الحنّ والجنّ صنفان مختلفان، وذهبوا إلى قول الأعرابي حين أتى بعض الملوك ليكتتب في الزّمنى، فقال في ذلك:

إن تكتبوا الزّمنى فإنّي لزمنمن ظاهر الدّاء وداء مستكنّ
أبيت أهوي في شياطين ترنّمختلف نجارهم حنّ وجنّ

وعن أبي عنبسة عن أبي الزبير عن جابر: قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتى أن المرأة لتقدم بكلبها من البادية فنقتله، ثم نهانا عن قتلها وقال:

«عليكم بالأسود البهيم ذي النكتتين على عينيه؛ فإنه شيطان».

وعن أبي الزبير عن جابر قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، فكنا نقتلها كلها حتى قال: «إنها أمة من الأمم؛ فاقتلوا البهيم الأسود ذا النكتتين على عينيه؛ فإنه شيطان».

وعبد الله وأبو بكر ابنا نافع عن ابن عمر، ونافع عن أبي رافع قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقتل الكلاب، فكنّا نقتلها؛ فانتهيت إلى ظاهر بني عامر، وإذا عجوز مسكينة معها كلب وليس قربها إنسان فقالت: ارجع إلى النبيّ ﷺ فأخبره أنّ هذا الكلب يؤنسني، وليس قربي أحد. فرجع إليه فأخبره، فأمر أن يقتل كلبها فقتله.

وقال في حديث آخر: إنّه لمّا فرغ من قتل كلاب المدينة وقتل كلب المرأة قال: الآن استرحت. قالوا: فقد صحّ الخبر عن قتل جميع الكلاب، ثمّ صحّ الخبر بنسخ بعضه وقتل الأسود البهيم منها، مع الخبر بأنّها من الجنّ والحنّ، وأنّ أمّتين مسختا، وهما الحيّات والكلاب.

ثم روى الأشعث عن الحسن قال: ما خطب عثمان خطبة إلّا أمر بقتل الكلاب وذبح الحمام.

وعن الحسن قال: سمعت عثمان بن عفّان يقول: اقتلوا الكلاب واذبحوا الحمام.

قال: وقال عطاء: في قتل كلب الصيد إذا كان صائدا أربعون درهما، وفي كلب الزرع شاة.

والحسن بن عمارة عن يعلى بن عطاء عن إسماعيل بن حسان عن عبد الله بن عمر قال: قضى رسول الله ﷺ في كلب الصّيد بأربعين درهما، وفي كلب الغنم بشاة، وفي كلب الزرع بفرق من طعام، وفي كلب الدار بفرق من تراب، حقّ على القاتل أن يؤدّيه، وحقّ على صاحب الدار أن يقبضه.

قالوا: والتراب لا يكون عقلا إذا كان في مقدار الفرق.

وفي قوله: وحقّ على صاحب الدار أن يقبضه، دليل على أنّه عقوبة على اتخاذه وأن ذلك على التصغير لأمر الكلب وتحقيره، وعلى وجه الإرغام لمالكه. ولو كان عوضا أو ثوابا، أو كان في طريق الأموال المحروص عليها، لما أكره على قبضه أحد، ولكان العفو أفضل.

قال: وسئل عن الكلب يكون في الدار وفي الدار من هو له كاره.

ابن أبي عروبة عن قتادة عن أبي الحكم: أنّ ابن عمر سئل عن ذلك فقال:

لمأثم على ربّ الدّار الذي يملكها.

وعن ابن عمر قال: من اتّخذ كلبا ليس بكلب زرع ولا ضرع ولا صيد نقص من أجره كلّ يوم قيراط. فقال رجل: فإن اتخذه رجل وهو كاره؟ قال: إنّما إثمه على صاحب الدار.

وصدقة بن طيسلة المازنيّ قال: سألت الحسن قلت: إنّ دورنا في الجبّان وهي معورة وليس عليها أبواب، أفترى أن نتّخذ فيها كلابا؟ قال: لا لا.

وعن ابن أبي أنيسة عن سالم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتنى كلبا إلّا كلب صيد أو كلب ماشية، نقص من أجره كلّ يوم قيراطان».

وعن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ: «من اقتنى كلبا فإنّه ينقص من عمله كلّ يوم قيراط».

ويونس عن أبيه عن إسحاق قال: حدثنا هنيدة بن خالد الخزاعي قال: انطلقت مع نفر من أصحاب النبي ﷺ، نعود رجلا من الأنصار، فلمّا انتهوا إلى باب الدار ثارت أكلب في وجوه القوم، فقال بعضهم لبعض: ما يبقي هؤلاء من عمل فلان شيئا، كلّ كلب منها ينقص قيراطا في كلّ يوم.

هشام بن حسان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من اتخذ كلبا ليس بكلب صيد ولا زرع ولا ضرع، فإنه ينقص من أجره كلّ يوم قيراط، والقيراط مثل جبل أحد».

يونس عن أبي إسحاق عن مجاهد قال: أقبل عبد الله بن عمرو بن العاص حتّى نزل ناحية مكّة، وكانت امرأة عمّ له تهاديه، فلما كانت ذات يوم قالت له: لو أرسلت إليّ الغنم فاستأنست برعائها وكلابها فقد نزلت قاصية! فقال: لولا كلابها لفعلت؛ إنّ الملائكة لا تدخل دارا فيها كلب.

الثوريّ عن سماك بن حرب، أنّ ابن عباس قال على منبر البصرة: إنّ الكلاب من الحنّ وإنّ الحنّ من ضعفة الجن، فإذا غشيكم منها شيء فألقوا إليها شيئا أو اطردوه، فإنّ لها أنفس سوء.

وهشيم عن المغيرة عن إبراهيم قالوا: لم يكونوا ينهوننا عن شيء من اللعب ونحن غلمان إلّا الكلاب.

قال صاحب الديك: روى إبراهيم بن أبي يحيى الأسلميّ، عن محمّد بن المنكدر، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: تقامر رجلان على عهد عمر بديكين، فأمر عمر بالديكة أن تقتل فأتاه رجل من الأنصار فقال: أمرت بقتل أمّة من الأمم تسبّح الله تعالى؟! فأمر بتركها.

وعن قتادة أنّ أبا موسى قال: لا تتّخذوا الدّجاج في الدّور فتكونوا أهل قرية، وقد سمعتم ما قال الله تعالى في أهل القرى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ

وهذا عندي من أبي موسى ليس على ما يظنّه الناس، لأنّ تأويله هذا ليس على وجه، ولكنّه كره للفرسان ورجال الحرب اتخاذ ما يتّخذه الفلّاح وأصحاب التعيّش، مع حاجته يومئذ إلى تفرّغهم لحروب العجم، وأخذهم في تأهّب الفرسان وفي دربة رجال الحرب. فإن كان ذهب إلى الذي يظهر في اللفظ فهذا تأويل مرغوب عنه.

وقال صاحب الكلب لصاحب الديك: فقد أمر عمر بقتل الدّيكة ولم يستثن منها شيئا دون شيء، ونهى أبو موسى عن اتخاذ الدجاج ولم يستثن منها شيئا دون شيء، والدّيكة تدخل في هذا الاسم، واسم الدّجاج يجمعها جميعا. ورويتم في قتل الحمام مثل روايتكم في قتل الكلاب، ولم أركم رويتم أنّ الحمام مسخ، ولا أنّ بعضه من الجن وبعضه من الحن، ولا أنّ أمتين مسختا وكان أحدهما الحمام.

وزعمتم أنّ عمر إنّما أمر بقتل الدّيكة حين كره الهراش بها والقمار بها. فلعلّ كلاب المدينة في تلك الأيّام كثر فيها العقور وأكثر أهلها من الهراش بها والقمار فيها. وقد علمتم أنّ ولاة المدينة ربّما دمروا على صاحب الحمام إذا خيف قبله القمار وظنّوا أنه الشّرف. وذكروا عنه الرّمي بالبندق وخديعة أولادهم بالفراخ. فما بالكم لم تخرّجوا للكلاب من التأويل والعذر، مثل الذي خرّجتم للحمام والديكة.

ورويتم في الجرّيّ والضّباب أنهما كانتا أمّتين مسختا. وروى بعضهم في الإربيانة أنّها كانت خيّاطة تسرق السّلوك، وأنّها مسخت وترك عليها بعض خيوطها لتكون علامة لها ودليلا على جنس سرقتها. ورويتم في الفأرة أنّها كانت طحّانة، وفي سهيل أنّه كان عشّارا باليمن وفي الحيّة أنّها كانت في صورة جمل، وأنّ الله تعالى عاقبها حتى لاطها بالأرض، وقسم عقابها على عشرة أقسام، حين احتملت دخول إبليس في جوفها حتّى وسوس إلى آدم من فيها. وقلتم في الوزغة وفي الحكأة ما قلتم. وزعمتم أنّ الإبل خلقت من أعنان الشياطين، وتأوّلتم في ذلك أقبح التأويل. وزعمتم أنّ الكلاب أمّة من الجنّ مسخت. والذئب أحقّ بأن يكون شيطانا من الكلب، لأنّه وحشيّ وصاحب قفار، وبه يضرب المثل في التعدّي، والكلب ألوف وصاحب ديار، وبه يضرب المثل. والذئب ختور غدّار، والكلب وفيّ مناصح. وقد أقام الناس في الدّيار الكلاب مقام السّنانير للفأر. والذئب مضرّة كلّه، والكلب منافعه فاضلة على مضارّه، بل هي غالبة عليها وغامرة لها، وهذه صفة جميع هذه الأشياء النافعة.

والناس لم يطبقوا على اتّخاذها عبثا ولا جهلا، والقضاة والفقهاء والعبّاد والولاة والنّسّاك، الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والمحتسبة وأصحاب التكلّف والتسليم جميعا، لم يطبقوا على ترك النّكير على ما يشاهدونه منها في دور من لا يعصيهم ولا يمتنع عليهم إلّا وقد علموا أنّه قد كان لقتل الكلاب بأعيانها في

ذلك الدّهر، معنى. وإلّا فالنّاس في جميع أقطار الأرض لا يجمعون على مسالمة أصحاب المعاصي، الذين قد خلعوا عذرهم وأبرزوا صفحتهم. بل ما ترى خصما يطعن على شاهد عند قاض بأنّ في داره كلبا، ولا ترى حكما يردّ بذلك شهادة. بل لو كان اتّخاذ الكلاب مأمورا به، لما كان إلّا كذلك.

ولو أنّكم حملتم حكم جميع الهداهد على حكم هدهد سليمان، وجميع الغربان على حكم غراب نوح، وجميع الحمام على حكم حمامة السفينة، وجميع الذئاب على حكم ذئب أهبان بن أوس، وجميع الحمير على حكم حمار عزير - لكان ذلك حكما مردودا.

وقد نعرض لخصائص الأمور أسباب في دهر الأنبياء ونزول الوحي، لا يعرض مثلها في غير زمانهم: قد كان جبريل ﵇ يمشي في الأرض على صورة دحية الكلبيّ، وكان إبليس يتراءى في السّكك في صورة سراقة المدلجي، وظهر في صورة الشيخ النّجدي. ومثل هذا كثير.

فإن زعمتم أنّ النبي ﷺ نظر إلى رجل يتبع حماما طيّارا فقال: «شيطان يتبع شيطانا»، فخبّرونا عمن يتخذ الحمام من بين جميع سكان الآفاق ونازلة البلدان من الحرميّين والبصريّين ومن بني هاشم إلى من دونهم، أتزعمون أنّهم شياطين على الحقيقة، وأنّهم من نجل الشياطين؛ أو تزعمون أنّهم كانوا إنسا فمسخوا بعد جنّا؛ أم يكون قوله لذلك الرجل شيطان، على مثل قوله شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِ

وعلى قول عمر: لأنزعنّ شيطانه من نعرته، وعلى قول منظور بن رواحة:

فلما أتاني ما تقول ترقّصتشياطين رأسي وانتشين من الخمر

وقد قال مرّة أبو الوجيه العكلي: «وكان ذلك حين ركبني شيطاني» قيل له:

وأيّ الشياطين تعني؟ قال: الغضب.

والعرب تسمّي كلّ حيّة شيطانا. وأنشد الأصمعي:

تلاعب مثنى حضرميّ كأنّهتعمّج شيطان بذي خروع قفر

وقالت العرب: ما هو إلّا شيطان الحماطة. ويقولون: «ما هو إلّا شيطان» يريدون القبح؛ و «ما هو إلّا شيطان»، يريدون الفطنة وشدّة العارضة.

وروي عن بعض الأعراب في وقعة كانت: والله ما قتلنا إلّا شيطان برصا، لأنّ الرجل الذي قاتلهم كان اسمه شيطان، وكان به برص.

وفي بني سعد بنو شيطان. قال طفيل الغنوي:

وشيطان إذ يدعوهم ويثوّب

وقال ابن ميّادة:

فلما أتاني ما تقول محاربتغنّت شياطيني وجنّ جنونها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وقال الراجز:

إنّي وإن كنت حديث السّنّوكان في العين نبوّ عنّي

فإنّ شيطاني كبير الجنّ

وقال أبو النّجم:

إنّي وكلّ شاعر من البشرشيطانه أنثى وشيطاني ذكر
للشاعر زكي مبارك، من قصيدة «إني وكل شاعر من البشر»

وهذا كلّه منهم على وجه المثل، وعلى قول منظور بن رواحة:

أتاني وأهلي بالدّماخ فغمرةمسبّ عويف اللؤم حيّ بني بدر
فلما أتاني ما يقول ترقّصتشياطين رأسي وانتشين من الخمر

وقد رويتم عن عبد الله بن فايد بإسناد له يرفعه قال: خرافة رجل من بني عذرة استهوته الشياطين، فتحدّث رسول الله ﷺ يوما بحديث فقالت امرأة من نسائه: هذا من حديث خرافة قال: «لا وخرافة حقّ».

ورويتم أنّ شريك بن خباسة دخل الجنّة وخرج منها ومعه ورقة من ورقها، وأنّ عمر سأل الرجل المفقود الذي استهوته الجنّ فقال: ما كان طعامهم؟

قال: الفول والرّمّة. وسأل عن شرابهم فقال: الجدف. وقال الأعشى:

وإني وما كلّفتموني وربّكملأعلم من أمسى أعقّ وأحوبا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «كفى بالذي تولينه لو تجنبا»
لكالثّور والجنيّ يضرب ظهرهوما ذنبه أن عافت الماء مشربا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «كفى بالذي تولينه لو تجنبا»

وزعمتم أنّ الجنّ خنقت حرب بن أمية، وخنقت مرداس بن أبي عامر، وخنقت الغريض المغنّي، وأنّها قتلت سعد بن عبادة، واستهوت عمرو بن عدي واستهوت عمارة بن الوليد، فأنتم أملياء بالخرافات أقوياء على ردّ الصحيح وتصحيح السقيم، وردّ تأويل الحديث المشهور إلى أهوائكم. وقد عارضناكم وقابلناكم وقارضناكم.

وقالوا: في الحديث أنّ «من اقتنى كلبا ليس بكلب زرع ولا ضرع ولا قنص

فقد أثم». فهاتوا شيئا من جميع الحيوان يصلح للزرع والضّرع والقنص. وبعد فهل اتخذوا كلب الضّرع إلّا ليحرس الماشية وأولادها من السباع؟ وهل عند الكلب عند طروق الأسد والنمر والذئاب وجميع ما يقتات اللّحمان من رؤساء السباع، إلّا صياحه ونباحه وإنذاره ودلالته، وأن يشغلها بعض الشّغل، ويهجهج بها بعض الهجهجة، إلى أن يلحق بها من يحميها، ويتوافى إليها من يذود عنها، إذ ليس في هذا القياس أنّا متى وجدنا دهرا تكثر فيه اللصوص ويفشو فيه السّرّاق، وتظهر فيه النّقوب، ويشيع فيه التسلّق، ممّن إذا أفضى إلى منزل القوم لم يرض إلا بالحريبة ليس دونها شيء، أو يأتي على الأنفس، وهو لا يصل إلى ما يريد حتى يمرّ على النساء مكشّفات، ومن عسى إذا أخذ المرأة أخذ يد ألّا يرضى أن يتوعّد بذبح الأولاد وأن يتّقى بالمال، حتّى يذبح، ومن عسى إن تمكّن شيئا أو أمن قليلا، أن يركب الحرم بالسّوءة العظمى وبالتي لا شوى لها. فهذا الحال أحقّ بالحراسة من تلك الأحوال.

وبعد فلم صار نساء الحرمين يتزاورن ليلا، ونساء المصرين يتزاورن نهارا، ونساء الحرمين لا يرين نهارا، ونساء المصرين لا يرين ليلا؛ إلّا للمكابرات ولمكان كثرة من يستقفي ويتحوّب للنقب والتسلّق. وإذا كان الأمر كذلك فأيّ الأمور أحقّ بالتحصين والحياطة، وأيّهما أشبه بالتغرير والإضاعة: اتخاذ الكلاب التي لا تنام عند نوم من قد دأب نهاره، أو ترك اتخاذها؟ ويقظة السّرّاق على قدر المسروقين.

وعلى أنّا لو حلنا بين حرس الأسواق وما تشتمل عليه من حرائب الناس، وبين اتّخاذ الكلاب، لامتنعوا من ضمان الحراسة، ولامتنع كلّ محروس من إعطائهم تلك الأجرة، ولوجد اللصوص ذلك من أعظم الغنم وأجود الفرص. أو ما تعلمون أنّ هذا الحريم، وهذه الحرمات وهذه العقائل من الأموال، أحقّ بالمنع والحراسة والدّفع عنها بكلّ حيلة، من حفظ الغنم وحريم الراعي وحرمة الأجير؟! وبعد فإنّ الذئاب لا تجتمع على قطيع واحد، والذي يخاف من الذئب السّلّة والخطفة، والاستلاب والاختلاس. والأموال التي في حوانيت التجار وفي منازل أهل اليسار يأتيها من العدد والعدّة، ومن نجب أصحاب النجدة، من يحتملها بحذافيرها، مع ثقل وزنها وعظم حجمها، ثمّ يجالدون دون ذلك بسيوف الهند وبالأذرع الطوال.

وهم من بين جميع الخليقة لولا أنّهم قد أحسّوا من أنفسهم الجراءة وثبات العزيمة، بما ليس من غيرهم، لكانوا كغيرهم، ولولا أنّ قلوبهم أشدّ من قلوب الأسد لما

خرجوا، على أنّ جميع الخلق يطالبونهم، وعلى أنّ السلطان لم يولّ إلّا لمكانهم.

والكلاب لم تتّخذ إلا للإنذار بهم، وعلى أنّهم إذا أخذوا ماتوا كراما.

ولعلّ المدينة قد كانت في ذلك الدهر مأمونا عليها من أهل الفساد وكان أكثر كلابها عقورا، وأكثر فتيانها من بين مهارش أو مقامر. والكلب العقور والكلب الكلب أشدّ مضرّة من الذئب المأمور بقتله.

وقد يعرض للكلاب الكلب والجنون لأمور: منها أن تأكل لحوم الناس، ومنها كالجنون الذي يعرض لسائر الحيوان.

وجهّال النّاس اليوم يقتلون الوزغ، على أنّ آباءها وأمهاتها كانت تنفخ على نار إبراهيم، وتنقل إليها الحطب. فأحسب أنّ آباءها وأمّهاتها قد كنّ يعرفن فصل ما بين النّبيّ والمتنبّي، وأنّهن اعتقدن عداوة إبراهيم، على تقصير في أصل النظر، أو عن معاندة بعد الاستبانة حتّى فعلن ذلك- كيف جاز لنا أن تزر وازرة وزر أخرى؟! إلّا أن تدّعوا أنّ هذه التي نقتلها هي تلك الجاحدة للنبوّة، والكافرة بالربوبيّة، وأنّها لا تتناكح ولا تتوالد.

وقد يستقيم في بعض الأمر أن تقتل أكثر هذه الأجناس، إمّا من طريق المحنة والتعبّد وإمّا إذ كان الله ﷿ قد قضى على جماعتها الموت، أن يجري ذلك المجرى على أيدي الناس، كما أجرى موت جميع الناس على يد ملك واحد، وهو ملك الموت.

وبعد فلعلّ النبيّ ﷺ قال هذا القول إن كان قاله، على الحكاية لأقاويل قوم.

ولعلّ ذلك كان على معنى كان يومئذ معلوما فترك النّاس العلّة ورووا الخبر سالما من العلل، مجرّدا غير مضمّن.

ولعلّ من سمع هذا الحديث شهد آخر الكلام ولم يشهد أوّله، ولعلّه ﵊ قصد بهذا الكلام إلى ناس من أصحابه قد كان دار بينهم وبينه فيه شيء. وكلّ ذلك ممكن سائغ غير مستنكر ولا مدفوع.

وقد رويتم في الفواسق ما قد رويتم في الحيّة والحدأة والعقرب والفأرة

والغراب، ورويتم في الكلب العقور، وكيف يقتلن في الحل والحرم. فإن كنتم فقهاء فقد علمتم أنّ تسمية الغراب بالفسق، والفأرة بالفويسقة؛ أنّ ذلك ليس من شكل تسمية الفاسق، ولا من شكل تسمية إبليس.

وقد قالوا: ما فجرها إلّا فاجر، ولم يجعلوا الفاجر اسما له لا يفارقه. وقد يقال للفاسق من الرجال: خبيث. وقد قال ﷺ: «من أكل من هذه الشّجرة الخبيثة فلا يقربنّ مصلّانا» وهو على غير قوله ﷿ الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ

. وقد قال بعض الرّجّاز وذكر ذئبا:

أما أتاك عنّي الحديثإذ أنا بالغائط أستغيث
والذئب وسط غنمي يعيثوصحت بالغائط يا خبيث

وهذا الباب كثير، وليس هذا موضعه، وقد ذكرناه في كتاب الاسم والحكم.

وقد يشبه الاسم الاسم في صورة تقطيع الصوت، وفي الخطّ في القرطاس، وإن اختلفت أماكنه ودلائله. فإذا كان كذلك فإنّما يعرف فضله بالمتكلّمين به، وبالحالات والمقالات، وبالذين عنوا بالكلام. وهذه جملة، وتفسيرها يطول.

وقالوا: قد أمرنا بقتل الحيّة والعقرب، والذئب والأسد، على معنى ينتظم معنيين: أحدهما الامتحان والتعبّد بفكر القلب وعمل الجارحة، لا على وجه الانتقام والعقوبة. وأمرنا بضرب الباغي بالسيف إذا كانت العصى لا تغني فيه على جهة الدّفع وعلى جهة العقاب، ولم نؤمر بالقصد إلى قتله، وإنّما الغاية في دفع بأسه عنا، فإن أتى إلى ذلك المقدار عليه، كان كسارق مات من قطع يده، وقاذف مات عن جلد ظهره.

وقد أمرنا بالقصد إلى قتل الحيّات والعقارب وإن لم تعرض لنا في ذلك الوقت؛ لأنّ جنسها الجنس المتلف متى همّ بذلك. وليس لنا أن نضرب الباغي بالسّيف إلّا وهو مقبل غير مدبر، ولنا أن نقتل الحيّة مقبلة ومدبرة، كما يقتل الكافر مقبلا ومدبرا؛ إلّا أنّ قتل الكافر يجمع الامتحان والعقوبة، وليس في قتل الحية إلّا الامتحان. وقد كان يجوز أن تمتحن بحبسها والاحتيال لمنعها، دون قتلها. وإذا ولّى الباغي من غير أن يكون يريد الرجوع إلى فئة، فحكمه الأسر والحبس أبدا إلى أن يؤنس منه النّزوع.

وسبيل الأحناش والسّباع وذوات السموم من الهمج والحشرات، القتل مقبلة ومدبرة.

وقد أبيح لنا قتل ضروب من الحيوان عند ما يبلغ من جناياتها علينا الخدش، فضلا من الجرح والقتل، كالبعوض والنمل، والبراغيث والقمل.

والبعير قتله فساد، فإن صال على الناس كان قتله صلاحا. والإنسان قتله حرام، فإن خيف منه كان قتله حلالا.

والحديث عن مسخ الضّبّ والجرّيّ، وعن مسخ الكلاب والحكأة وأنّ الحمام شيطان، من جنس المزاح الذي كنّا كتبنا به إلى بعض إخواننا ممّن يدّعي علم كلّ شيء، فجعلنا هذه الخرافات وهذه الفطن الصغار، من باب المسائل.

فقلنا له: ما الشّنقناق والشّيصبان وتنكوير ودر كاذاب ومن قاتل امرأة ابن مقبل؟ ومن خانق الغريض؟ ومن هاتف سعد؟ وخبّرنا عن بني أقيش وعن بني لبنى، ومن زوجها؟ وعن بني غزوان ومن امرأته؟ وعن سملقة وزوبعة، والميدعان، وعن النقار ذي الرقبة وعن آصف، ومن منهم أشار بأصفر سليم، وعن أطيقس اسم كلب أصحاب الكهف، وكيف صارت الكلاب لا تنبح من سمّاه؟ وأين بلغ كتاب شرطهم؟ وكيف حدّثوا عن ابن عباس في الفأر والقرد والخنزير والفيل والأرنب والعنكبوت والجرّيّ، أنّهنّ كلّهنّ مسخ؛ وكيف خصّت هذه بالمسخ؟ وهل يحلّ لنا أن نصدّق بهذا الحديث عن ابن عبّاس؟ وكيف صارت الظباء ماشية الجنّ؟ وكيف صارت الغيلان تغيّر كلّ شيء إلّا حوافرها؟ ولم ماتت من ضربة وعاشت من ضربتين ؟ ولم صارت الأرانب والكلاب والنّعام مراكب الغيلان؟ ولم صارت الرواقيد مطايا السّواحر؟ وبأي شيء زوّج أهل السّعلاة ابن يربوع ؟ وما فرق ما بينه وبين عبد الله بن هلال؟ وما فعلت الفتاة التي كانت سميت بصبر على يد حرمي وأبي منصور؟ ولم غضب من ذلك المذهب؟ ولم مضى على وجهه شفشف؟ وما الفرق بين الغيلان والسّعالي، وبين شيطان الخضراء وشيطان الحماطة؟ ولم علق السمك المالح بأذنابه والطريّ بآذانه، وما بال الفراخ تحمل بأجنحتها والفراريج

بأرجلها؟ وما بال كلّ شيء أصل لسانه ممّا يلي الحلق وطرفه ممّا يلي الهواء، إلّا لسان الفيل؟ ولم قالت الهند: لولا أنّ لسانه مقلوب لتكلّم ؟ ولم صار كلّ ماضغ وآكل يحرّك فكّه الأسفل، إلا التمساح فإنه يحرّك فكّه الأعلى ؟ ولم صار لأجفان الإنسان الأشفار، وليس ذلك للدواب إلّا في الأجفان العالية؟ وما بال عين الجرادة وعين الأفعى لا تدوران؟ وما بيضة العقر وما بيضة الديك ؟ ولم امتنع بيض الأنوق؟ وهل يكون الأبلق العقوق؟ وما بال لسان سمك البحر عديما؟ وما بال الغريق من الرّجال يطفو على قفاه، ومن النساء على وجهه؟ ولم صار القتيل إذا قتل يسقط على وجهه ثم يقلبه ذكره؛ وأين تذهب شقشقة البعير وغرمول الحمار والبغل وكبد الكوسج بالنهار، ودم الميت؟ ولم انتصب خلق الإنسان من بين سائر الحيوان؟

وخبّرني عن الضفادع، لم صارت تنقّ بالليل وإذا أوقدت النار أمسكت؟.

وقالوا: قد عارضناكم بما يجري مجرى الفساد والخرافة. لنردّكم إلى الاحتجاج بالخبر الصحيح المخرج للظاهر.

فإن أعجبتك هذه المسائل، واستطرفت هذا المذهب، فاقرأ رسالتي إلى أحمد ابن عبد الوهاب الكاتب، فهي مجموعة هناك.

والكلاب أصناف لا يحيط بها إلّا من أطال الكلام. وجملة ذلك أنّ ما كان منها للصيد فهي الضّراء، وواحدها ضروة، وهي الجوارح والكواسب، ونحن لا نعرفها إلّا السّلوقيّة؛ وهي من أحرار الكلاب وعتاقها، والخلاسية هجنها ومقاريفها. وكلاب الرعاء من زينيّها وكرديها فهي كرادتها.

وقد تصيد الكلاب غير السّلوقيّة، ولكنّها تقصّر عن السّلوقيّة بعيدا. وسلوق من أرض اليمن كان لها حديد جيّد الطبع، كريم العنصر حرّ الجوهر. وقد قال النابغة:

تقدّ السّلوقيّ المضاعف نسجهوتوقد بالصّفّاح نار الحباحب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

وقال الأصمعيّ: سمعت بعض الملوك وهو يركض خلف كلب وقد دنا خطمه من عجب ذنب الظبي وهو يقول: إيه فدتك نفسي!! وأنشد لبعض الرجاز:

مفدّيات وملعّنات

قال صاحب الديك: فلمّا صار الكلب عندهم يجمع خصال اللؤم والنّذالة، والحرص والشّره، والبذاء والتسرّع وأشباه ذلك، صاروا يشتقّون من اسمه لمن هجوه بهذه الخصال. وقال بشّار:

واستغن بالوجبات عن ذهبلم يبق قبلك لامرئ ذهبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «كل امرئ نصب لحاجته»
يرد الحريص على متالفهوالليث يبعث حينه كلبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «كل امرئ نصب لحاجته»

قال صاحب الكلب: لما اشتقّوا من اسمه للأشياء المحمودة أكثر؛ قال عامر بن الطفيل:

ومدجّج يسعى بشكّتهمحمرّة عيناه كالكلب

ومن ولد ربيعة بن نزار كلب بن ربيعة، وكلاب بن ربيعة، ومكالب بن ربيعة، ومكلبة بنو ربيعة بن نزار. وفيهم من السباع أسد، وضبيعة، وذئب، وذؤيب، وهم خمسة عشر رجلا؛ ثمانية من جميع السباع، ومن الثمانية أربعة مشتقّة من اسم

الكلب. ومن هذا الباب كليب بن يربوع، وكلاب بن ربيعة، وكلب بن وبرة. ومنه بنو الكلبة، قال الشاعر:

سيكفيك من ابني نزار لراغببنو الكلبة الشمّ الطوال الأشاجع

والكلبة لقب ميّة بنت علاج بن شحمة العنبريّ. وبنوها بنو الكلبة الذين سمعت بهم- تزوّجها خزيمة بن النعمان من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار، فهي أمّهم. وفيها يقول شبيل بن عزرة الضّبعي صاحب الغريب- وكان شيعيّا من الغالية، فصار خارجيّا من الصّفرية-:

بنو كلبة هرّارة وأبوهمخزيمة عبد خامل الأصل أوكس

وفي ميّة الكلبة يقول أبوها، وهو علاج بن شحمة:

إن تك قد بانت بميّة غربةفقد كان ممّا لا يملّ مزارها
دعتها رجال من ضبيعة كلبةوما كان يشكى في المحول جوارها

ومما اشتقّ له من اسم الكلب من القرى والبلدان والناس وغير ذلك، قولهم في الوقعة التي كانت بإرم الكلبة. ومن ذلك قولهم: حين نزلنا من السّراة صرنا إلى نجد الكلبة.

وكان سبب خروج مالك بن فهم بن غنم بن دوس إلى أزد شنوءة من السراة أنّ بني أخته قتلوا كلبة لجاره، وكانوا أعدّ منه فغضب ومضى. فسمّي ذلك النجد الذي هبط منه نجد الكلبة.

وبطسّوج بادوريا نهر يقال له: نهر الكلبة.

ويقولون: كان ذلك عند طلوع كوكب الكلب. ومن ذلك قولهم: عبّاد بن أنف الكلب. ومن ذلك أبو عمر الكلب الجرميّ النحوي، وكان رجلا من العلية عالما، عروضيّا نحويّا فرضيّا. وعلّويه كلب المطبخ، وكان أشرب الناس للنبيذ، وقد راهنوا بينه وبين محمّد بن عليّ.

والكلب: كلب الماء، وكلب الرحى والضبة التي يقال لها الكلب. وكذلك الكلبة والكلبتان، والكلّاب والكلّوب.

وقال راشد بن شهاب في ذلك المعنى:

أمكّن كلّاب القنا من ثغورهاوأخضب ما يبدو من استاهها بدمّ

وقال:

فسوف يرى الأقوام ديني ودينكمإذا كلبتا قين ومقراضه أزم

وقال الراجز:

ما زال مذ كان غلاما يستترله على العير إكاف وثفر

والكلبتان والعلاة والوتر

وقال أشهب بن رميلة، وكان أوّل من رمى بني مجاشع بأنّهم قيون:

يا عجبا هل يركب القين الفرسوعرق القين على الخيل نجس
للشاعر الأشهب بن رميلة، اقرأ القصيدة
وإنّما أداته إذا جلسالكلبتان والعلاة والقبس
للشاعر الأشهب بن رميلة، اقرأ القصيدة

وكان اسم المزنوق فرس عامر بن الطفيل: الكلب.

وقد زعمت العلماء أنّ حرب أيّام هراميت إنّما كان سببه كلب.

قال صاحب الديك: قد قيل للخوارج: كلاب النار، وللنوائح: كلاب النار.

وقد قال جندل بن الراعي لأبيه في وقوفه على جرير: ما لك تطيل الوقوف على كلب بني كليب ؟! وقال زفر بن الحارث:

يا كلب قد كلب الزّمان عليكموأصابكم منّا عذاب مرسل
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة
إنّ السّماوة لا سماوة فالحقيبمنابت الزّيتون وابني بحدل
وبأرض عكّ في السواحل إنّهاأرض تذوب بها اللّقاح وتهزل

وقال حصين بن القعقاع يرثي عتيبة بن الحارث:

بكر النّعيّ بخير خندف كلّهابعتيبة بن الحارث بن شهاب
قتلوا ذؤابا بعد مقتل سبعةفشفى الغليل وريبة المرتاب
يوم الحليس بذي الفقار كأنّهكلب بضرب جماجم ورقاب

وقال آخر:

لله درّ بني الحدّاء من نفروكلّ جار على جيرانه كلب
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «لله در بني الحداء من نفر»
إذا غدوا وعصيّ الطّلح أرجلهمكما تنصّب وسط البيعة الصّلب
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «لله در بني الحداء من نفر»

وإذا كان العود سريع العلوق في كلّ زمان أو كلّ أرض، أو في عامّة ذلك قالوا:

ما هو إلّا كلب.

وقالوا: قال النبي ﷺ في وزر بن جابر حين خرج من عنده واستأذنه إلى أهله:

«نعم إن لم تدركه أمّ كلبة» يعني الحمّى.

وممّا ذكروا به العضو من أعضاء الكلب والكلبة والخلق منهما أو الصفة الواحدة من صفاتهما، أو الفعل الواحد من أفعالهما، قال رؤبة:

لاقيت مطلا كنعاس الكلب

يقول: مطلا مقرمطا دائما. وقال الشاعر في ذلك:

يكون بها دليل القوم نجمكعين الكلب في هبّى قباع
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة

قال: هذه أرض ذات غبرة من الجدب لا يبصر القوم فيها النجم الذي يهتدى به إلّا وهو كأنّه عين الكلب، لأنّ الكلب أبدا مغمض غير مطبق الجفون ولا مفتوحها.

والهبّى: الظلمة واحدها هاب، والجمع هبّى مثل غاز وغزّى. والقباع: التي قبعت في

القتام، واحدها قابع، كما يقبع القنفذ وما أشبهه في جحره. وأنشد لابن مقبل:

ولا أطرق الجارات باللّيل قابعاقبوع القرنبى أخلفته مجاعره

والقبوع: الاجتماع والتقبّض. والقرنبى: دويبّة أعظم من الخنفساء.

وقال الآخر في صفة بعض ما يعرض له من العيوب:

ما ضرّ تغلب وائل أهجوتهاأم بلت حيث تناطح البحران
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يا ابن المراغة والهجاء إذا التقت»
إنّ الأراقم لا ينال قديمهاكلب عوى متهتّم الأسنان

وقال الشاعر في منظور بن زبّان:

لبئس ما خلّف الآباء بعدهمفي الأمّهات عجان الكلب منظور

ومن هذا الضرب قول الأعرابيّ:

لقد شان صغري والياها وزيّنالصغري فتى من أهلها لا يزينها
كلاب لعاب الكلب إن ساق هجمةيعذّب فيها نفسه ويهينها

وقال عمرو بن معد يكرب:

لحا الله جرما كلّما ذرّ شارقوجوه كلاب هارشت فازبأرّت
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «ومرد على جرد شهدت طرادها»

وقال أبو سفيان بن حرب:

ولو شئت نجّتني كميت طمرّةولم أجعل النّعماء لابن شعوب
للشاعر أبو سفيان بن حرب، اقرأ القصيدة
وما زال مهري مزجر الكلب منهملدن غدوة حتّى دنت لغروب

وقال عبد الرحمن بن زياد:

دعته بمسروق الحديث وظالعمن الطرف حتى خاف بصبصة الكلب

وقال شريح بن أوس:

وعيّرتنا تمر العراق ونخلهوزادك أير الكلب شيّطه الجمر

وقال آخر وهو يهجو قوما:

فجاءا بخرشاوي شعير عليهماكراديس من أوصال أعقد سافد

وقال الحارث بن الوليد:

ذهب الذين إذا رأوني مقبلاهشّوا وقالوا: مرحبا بالمقبل
وبقيت في خلف كأنّ حديثهمولغ الكلاب تهارشت في منهل
للشاعر عبيد الله بن عروة بن الزبير، اقرأ القصيدة

وقال سبرة بن عمرو الفقعسيّ، حين ارتشى ضمرة النهشلي، ونفر عليه عباد بن أنف الكلب الصيداويّ فقال سبرة:

يا ضمر كيف حكمت أمّك هابلوالحكم مسؤول به المتعمّد
أحفظت عهدا أم رعيت أمانةأم هل سمعت بمثلها لا ينشد
شنعاء فاقرة تجلّل نهشلاتغور به الرفاق وتنجد
إنّ الرّفاق أمال حكمك حبّهافلك اللقاء وراكب متجرّد
فضح العشيرة واستمرّ كأنّهكلب يبصبص للعظال ويطرد
لا شيء يعدلها ولكن دونهاخرط القتاد تهاب شوكتها اليد
جوعان يلحس أسكتا زيفيّةغلم يثور على البراثن أعقد

وقال مزرّد بن ضرار:

وإنّ كناز اللّحم من بكراتكمتهرّ عليها أمّكم وتكالب
للشاعر المزرد الغطفاني، اقرأ القصيدة
وليت الذي ألقى فناؤك رحلهلتقريه بالت عليه الثّعالب
للشاعر المزرد الغطفاني، اقرأ القصيدة

وهذان البيتان من باب الاشتقاق لا من باب الصفات وذكر الأعضاء. وقال:

يا سبر يا عبد بني كلابيا أير كلب موثق بباب
أكان هذا أوّل الثّوابيا ورلا رقرق في سراب

لا يعلقنكم ظفري ونابي

وقال الآخر:

كأنّ بني طهيّة رهط سلمىحجارة خارئ يرمي الكلابا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

وقال صاحب الكلب: ومما اشتقّ من اسم الكلب في موضع النباهة، كليب بن ربيعة، هو كليب وائل. ويقال إنّه قيل في رجلين من بني ربيعة ما لم يقل في أحد من العرب، حتّى ضرب بهما المثل، وهو قولهم: «أعزّ من كليب وائل»، والآخر: «لا حرّ بوادي عوف».

قالوا: وكانت ربيعة إذا انتجعت معه لم توقد نارا ولم تحوّض حوضا، وكان يحمي الكلأ ولا يتكلّم عنده إلّا خفضا، ويجير الصيد ويقول: صيد أرض كذا وكذا في جواري لا يباح. وكان له جرو كلب قد كتعه فربما قذف به في الروضة تعجبه، فيحميها إلى منتهى عوائه، ويلقيه بحريم الحوض فلا يرده بعير حتّى تصدر إبله.

وفي ذلك يقول معبد بن شعبة التميمي:

أظنّ ضرار أنّني سأطيعهوأنّي سأعطيه الذي كنت أمنع
إذ اغرورقت عيناه واحمرّ وجههوقد كاد غيظا وجهه يتبضّع
تقدّم في الظلم المبيّن عامداذراعا إذا ما قدّمت لك إصبع
كفعل كليب كنت أنبئت أنّهيخلط أكلاء المياه ويمنع
يجير على أفناء بكر بن وائلأرانب ضاح والظباء فترتع

وقال دريد بن الصمة:

لعمرك ما كليب حين دلّىبحبل كلبه فيمن يميح
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «لعمرك ما كليب حين دلى»
بأعظم من بني سفيان بغياوكلّ عدوّهم منهم مريح
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «لعمرك ما كليب حين دلى»

وقال العبّاس بن مرداس:

كما كان يبغيها كليب بظلمهمن العزّ حتى طاح وهو قتيلها
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «كما كان يبغيها كليب بظلمه»
على وائل إذ ينزل الكلب مائحاوإذ يمنع الأكلاء منها حلولها
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «كما كان يبغيها كليب بظلمه»

وقال عباس أيضا لكليب بن عهمة الظفريّ:

أكليب إنّك كلّ يوم ظالموالظلم أنكد وجهه ملعون
تبغي بقومك ما أراد بوائليوم الغدير سميّك المطعون
وإخال أنّك سوف تلقى مثلهافي صفحتيك سنانه المسنون
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «أكليب مالك كل يوم ظالما»

وقال النابغة الجعدي:

كليب لعمري كان أكثر ناصراوأيسر ذنبا منك ضرّج بالدّم
رمى ضرع ناب فاستمر بطعنةكحاشية البرد اليماني المسهّم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي»

وقال قطران العبشميّ، ويقال العبشي:

ألم تر جسّاس بن مرّة لم يردحمى وائل حتّى احتداه جهولها
أجرّ كليبا إذ رمى الناب طعنةجدت وائلا حتّى استخفّت عقولها
بأهون مما قلت إذ أنت سادروللدّهر والأيّام وال يديلها

وقال رجل من بني هلال بن عامر بن صعصعة:

نحن أبسنا تغلب ابنة وائلبقتل كليب إذ طغى وتخيّلا
أبأناه بالنّاب التي شقّ ضرعهافأصبح موطوء الحمى متذلّلا

وقال رجل من بني سدوس:

وأنت كليبيّ لكليب وكلبةلها حول أطناب البيوت هرير

وقال ابن مقبل العجلاني:

بكت أمّ بكر إذ تبدّد رهطهاوأن أصبحوا منهم شريد وهالك
وإنّ كلا حيّيك فيهم بقيةلو أنّ المنايا حالها متماسك
كلاب وكعب لا يبيت أخوهمذليلا ولا تعيي عليه المسالك
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة

وقال رجل من بني كلاب من الخوارج، لمعاوية بن أبي سفيان:

قد سرت سير كليب في عشيرتهلو كان فيهم غلام مثل جسّاس
الطاعن الطعنة النجلاء عاندهاكطرّة البرد، أعيا فتقها الآسي

وقال أبو اليقظان في مثل هذا الاشتقاق: كان أوّل عمل وليه الحجّاج بن يوسف تبالة، فلما سار إليها وقرب منها قال للدليل: أين هي، وعلى أيّ سمت هي؟ قال: تسترك عنها هذه الأكمة. قال: لا أراني أميرا إلّا على موضع تسترني منه أكمة، أهون بها عليّ؟! وكرّ راجعا، فقيل في المثل: «أهون من تبالة على الحجاج».

والعامة تقول: لهو أهون عليّ من الاعراب على عركوك.

قال: ولمّا حضرت الحجاج الوفاة وقد ولي قبل ذلك ما ولي، وافتتح ما افتتح، وقتل من قتل، قال للمنجّم: هل ترى ملكا يموت؟ قال: نعم ولست به، أرى ملكا يموت اسمه كليب، وأنت اسمك الحجّاج قال: فأنا والله كليب، أمّي سمّتني به وأنا صبيّ. فمات، وكان استخلف على الخراج يزيد بن أبي مسلم، وعلى الحرب يزيد بن أبي كبشة.

قال: والعرب إنّما كانت تسمّي بكلب، وحمار، وحجر، وجعل، وحنظلة، وقرد، على التفاؤل بذلك. وكان الرجل إذا ولد له ذكر خرج يتعرّض لزجر الطير والفأل، فإن سمع إنسانا يقول حجرا، أو رأى حجرا سمّى ابنه به وتفاءل فيه الشدّة والصلابة، والبقاء والصبر، وأنّه يحطم ما لقى. وكذلك إن سمع إنسانا يقول ذئبا أو رأى ذئبا، تأوّل فيه الفطنة والخبّ والمكر والكسب. وإن كان حمارا تأوّل فيه طول العمر والوقاحة والقوّة والجلد. وإن كان كلبا تأوّل فيه الحراسة واليقظة وبعد الصوت، والكسب وغير ذلك.

ولذلك صوّر عبيد الله بن زياد في دهليزه كلبا وأسدا، وقال: كلب نابح، وكبش ناطح، وأسد كالح. فتطيّر إلى ذلك فطارت عليه.

وقال آخر: لو كان الرجل منهم إنّما كان يسمّي ابنه بحجر وجبل، وكلب، وحمار، وثور، وخنزير، وجعل، على هذا المعنى فهلّا سمّى ببرذون، وبغل، وعقاب، وأشباه ذلك؛ وهذه الأسماء من لغتهم.

قال الأوّل: إنّما لم يكن ذلك، لأنّه لا يكاد يرى بغلا وبرذونا، ولعلّه لا يكون رآهما قط، وإن كانت الأسماء عندهم عتيدة لأمور لعلّهم يحتاجون إليها يوما ما.

قالوا: فقد كان يسمع بفرس وبعير، كما كان يسمع بحمار وثور، وقد كان يستقيم أن يشتقّ منهما اشتقاقات محمودة. بل كيف صار ذلك كذلك ونحن نجده يسمّي بنجم ولا يسمّي بكوكب! إلّا أنّ بعضهم قد سمّى بذلك عبدا له، وفيه يقول:

كوكب إن متّ فهي ميتتيلا متّ إلّا هرما يا كوكب

ووجدناهم يسمون بجبل وسند، وطود، ولا يسمّون بأحد ولا بثبير وأجأ وسلمى ورضوى، وصندد وحميم، وهو تلقاء عيونهم متى أطلعوا رؤوسهم من خيامهم. ويمسون ببرج ولا يسمون بفلك، ويسمون بقمر وشمس على جهة اللقب أو على جهة المديح، ولم يسمّوا بأرض وسماء، وهواء وماء، إلّا على ما وصفنا.

وهذه الأصول في الزجر أبلغ، كما أنّ جبلا أبلغ من حجر، وطودا أجمع من صخر.

وتركوا أسماء جبالهم المعروفة.

وقد سمّوا بأسد وليث وأسامة وضرغامة. وتركوا أن يسمّوا بسبع وسبعة. وسبع هو الاسم الجامع لكلّ ذي ناب ومخلب.

قال الأوّل: قد تسمّوا أيضا بأسماء الجبال، فتسمّوا بأبان وسلمى.

قال آخرون: إنّما هذه أسماء ناس سمّوا بها هذه الجبال، وقد كانت لها أسماء تركت لثقلها، أو لعلّة من العلل؛ وإلّا فكيف سمّوا بسلمى وتركوا أجأ ورضوى.

وقال بعضهم: قد كانوا ربّما فعلوا ذلك على أن يتّفق لواحد ولود ولمعظّم جليل، أن يسمع أو يرى حمارا، فيسمّي ابنه بذلك؛ وكذلك الكلب والذئب، ولن يتفق في ذلك الوقت أن يسمع بذكر فرس ولا حجر أو هواء أو ماء؛ فإذا صار حمار، أو ثور، أو كلب اسم رجل معظّم، تتابعت عليه العرب تطير إليه، ثم يكثر ذلك في ولده خاصّة بعده. وعلى ذلك سمّت الرعية بنيها وبناتها بأسماء رجال الملوك ونسائهم، وعلى ذلك صار كلّ عليّ يكنى بأبي الحسن، وكل عمر يكنى بأبي حفص، وأشباه ذلك. فالأسماء ضروب، منها شيء أصليّ كالسّماء والأرض والهواء والماء والنار، وأسماء أخر مشتقّات منها على جهة الفأل، وعلى شكل اسم الأب، كالرجل يكون اسمه عمر فيسمى ابنه عميرا، ويسمّي عمير ابنه عمران، ويسمّي عمران ابنه معمرا.

وربّما كانت الأسماء بأسماء الله ﷿ مثل ما سمى الله ﷿ أبا إبراهيم آزر، وسمّى إبليس بفاسق، وربّما كانت الأسماء مأخوذة من أمور تحدث في الأسماء؛ مثل يوم العروبة سمّيت في الإسلام يوم الجمعة، واشتقّ له ذلك من صلاة يوم الجمعة.

وسنقول في المتروك من هذا الجنس ومن غيره، ثم نعود إلى موضعنا الأوّل إن شاء الله تعالى.

ترك النّاس مما كان مستعملا في الجاهلية أمورا كثيرة، فمن ذلك تسميتهم للخراج إتاوة، وكقولهم للرشوة ولما يأخذه السّلطان: الحملان والمكس. وقال جابر ابن حنيّ:

أفي كلّ أسواق العراق إتاوةوفي كلّ ما باع امرؤ مكس درهم

وكما قال العبديّ في الجارود:

أيا ابن المعلّى خلتنا أم حسبتناصراريّ نعطي الماكسين مكوسا

وكما تركوا انعم صباحا، وانعم ظلاما، وصاروا يقولون: كيف أصبحتم؟

وكيف أمسيتم؟

وقال قيس بن زهير بن جذيمة، ليزيد بن سنان بن أبي حارثة: انعم ظلاما أبا ضمرة! قال: نعمت أنت؟ قال: قيس بن زهير.

وعلى ذلك قال امرؤ القيس:

ألا عم صباحا أيّها الطّلل الباليوهل يعمن من كان في العصر الخالي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

وعلى ذلك قال الأوّل:

أتوا ناري فقلت منون قالواسراة الجنّ قلت عموا ظلاما
للشاعر سُمَيْر بن الحارث الضبي، اقرأ القصيدة

وكما تركوا أن يقولون للملك أو السّيّد المطاع: أبيت اللعن، كما قيل:

مهلا أبيت اللّعن لا تأكل معه

وقد زعموا أن حذيفة بن بدر كان يحيّا بتحيّة الملوك ويقال له: أبيت اللّعن.

وتركوا ذلك في الإسلام من غير أن يكون كفرا.

وقد ترك العبد أن يقول لسيده ربّي، كما يقال ربّ الدار، وربّ البيت.

وكذلك حاشية السيّد والملك تركوا أن يقولوا ربّنا. كما قال الحارث بن حلّزة:

ربّنا وابننا وأفضل من يمشي ومن دون ما لديه الثّناء

وكما قال لبيد حين ذكر حذيفة بن بدر:

وأهلكن يوما ربّ كندة وابنهوربّ معدّ بين خبت وعرعر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «أعاذل قومي فاعذلي الآن أو ذري»

وكما عيّر زيد الخيل حاتما الطائيّ في خروجه من طيّء ومن حرب الفساد، إلى بني بدر، حيث يقول:

وفرّ من الحرب العوان ولم يكنبها حاتم طبّا ولا متطبّبا
للشاعر زيد الخيل الطائي، اقرأ القصيدة
وريب حصنا بعد أن كان آبياأبوّة حصن فاستقال وأعتبا
للشاعر زيد الخيل الطائي، اقرأ القصيدة
أقم في بني بدر ولا ما يهمناإذا ما تقضّت حربنا أن تطربا
للشاعر زيد الخيل الطائي، اقرأ القصيدة

وقال عوف بن محلّم، حين رأى الملك: إنّه ربي وربّ الكعبة. وزوجه أمّ أناس بنت عوف.

وكما تركوا أن يقولوا لقوّام الملوك السّدنة وقالوا الحجبة.

وقال أبو عبيدة معمر بن المثنّى عن أبي عبد الرحمن يونس بن حبيب النحوي حين أنشده شعر الأسديّ:

ومركضة صريحي أبوهاتهان لها الغلامة والغلام

قال: فقلت له: فتقول: للجارية غلامة؟ قال: لا، هذا من الكلام المتروك وأسماؤه زالت مع زوال معانيها، كالمرباع والنّشيطة وبقي الصّفايا؛ فالمرباع: ربع جميع الغنيمة الذي كان خالصا للرئيس، وصار في الإسلام الخمس، على ما سنّه الله

تعالى. وأما النّشيطة فإنّه كان للرئيس أن ينشط عند قسمة المتاع العلق النفيس يراه إذا استحلاه. وبقي الصفيّ وكان لرسول الله ﷺ من كل مغنم، وهو كالسيف اللهذم والفرس العتيق، والدرع الحصينة، والشيء النادر.

وقال ابن عنمة الضبّي حليف بني شيبان، في مرثيته بسطام بن قيس:

لك المرباع منها والصّفاياوحكمك والنّشيطة والفضول
للشاعر ابن عَنَمة، اقرأ القصيدة

والفضول: فضول المقاسم، كالشيء إذا قسم وفضلت فضلة استهلكت، كاللؤلؤة، والسيف، والدّرع، والبيضة، والجارية، وغير ذلك.

وأسماء حدثت ولم تكن، وإنّما اشتقّت لهم من أسماء متقدّمة، على التشبيه، مثل قولهم لمن أدرك الجاهليّة والإسلام مخضرم كأبي رجاء العطارديّ، بن سالمة، وشقيق بن سالمة؛ ومن الشعراء النابغة الجعديّ وابن مقبل، وأشباههم من الفقهاء والشعراء. ويدلّ على أنّ هذا الاسم أحدث في الإسلام، أنّهم في الجاهليّة لم يكونوا يعلمون أنّ ناسا يسلمون وقد أدركوا الجاهليّة، ولا كانوا يعلمون أنّ الإسلام يكون.

ويقال إنّ أوّل من سمّى الأرض التي لم تحفر قطّ ولم تحرث إذا فعل بها ذلك مظلومة، النابغة حيث يقول:

إلّا الأوراريّ لأيا ما أبيّنهاوالنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد

ومنه قيل سقاء مظلوم إذا أعجل عليه قبل إدراكه. وقال الحادرة:

ظلم البطاح له انهلال حريصةفصفا النّطاف له بعيد المقلع

وقال آخر:

قالت له ميّ بأعلى ذي سلملو ما تزورنا إذا الشعب ألمّ

ألا بلى يا ميّ واليوم ظلم

يقول ظلم حين وضع الشيء في غير موضعه. وقال الآخر:

أنا أبو زينب واليوم ظلم

وقال ابن مقبل:

عاد الأذلّة في دار وكان بهاهرت الشّقاشق ظلّامون للجزر
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

وصاحب صدق لم تنلني أذاتهظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر

وقال آخر:

لا يظلمون إذا ضيفوا وطابهموهم لجودهم في جزرهم ظلم

وظلم الجزور: أن يعرقبوها، وكان في الحقّ أن تنحر نحرا. وظلمهم الجزر أيضا أن ينحروها صحاحا سمانا لا علّة بها.

قال: ومن ذلك قولهم: «الحرب غشوم»؛ وإنّما سمّيت بهذا لأنّها تنال غير الجاني.

قال: ومن ذلك قولهم: «من أشبه أباه فما ظلم»، يقول: قد وضع الشبه في موضعه.

ومن المحدث المشتقّ، اسم منافق لمن راءى بالإسلام واستسرّ بالكفر أخذ

ذلك من النافقاء والقاصعاء والدامّاء، ومثل المشرك والكافر، ومثل التيمّم. قال الله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً

أي تحرّوا ذلك وتوخّوه. وقال: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ

فكثر هذا في الكلام حتّى صار التيمّم هو المسح نفسه. وكذلك عادتهم وصنيعهم في الشيء إذا طالت صحبتهم وملابستهم له.

وكما سمّوا رجيع الإنسان الغائط، وإنّما الغيطان البطون التي كانوا ينحدرون فيها إذا أرادوا قضاء الحاجة للستر.

ومنه العذرة، وإنّما العذرة الفناء، والأفنية هي العذرات، ولكن لما طال إلقاؤهم النّجو والزّبل في أفنيتهم، سمّيت تلك الأشياء التي رموا بها، باسم المكان الذي رميت به. وفي الحديث: «أنقوا عذراتكم».

وقال ابن الرقيّات:

رحم الله أعظما دفنوهابسجستان طلحة الطّلحات
كان لا يحجب الصديق ولا يعتلّ بالبخل طيّب العذرات

ولكنّهم لكثرة ما كانوا يلقون نجوهم في أفنيتهم سموها باسمها.

ومنه النّجو: وذلك أنّ الرجل كان إذا أراد قضاء الحاجة تستّر بنجوة.

والنّجو: الارتفاع من الأرض، قالوا من ذلك: ذهب ينجو، كما قالوا ذهب يتغوّط إذا ذهب إلى الغائط لذلك الأمر، ثمّ اشتقوا منه فقالوا إذا غسل موضع النجو قد استنجى.

وقالوا: ذهب إلى المخرج، وإلى المتوضّأ، وإلى المذهب، وإلى الخلاء، وإلى الحشّ، وإنّما الحشّ القطعة من النّخل وهي الحشّان. وكانوا بالمدينة إذا أرادوا قضاء الحاجة دخلوا النخل؛ لأنّ ذلك أستر، فسموا المتوضأ الحشّ، وإن كان بعيدا من النخل؛ كلّ ذلك هربا من أن يقولوا ذهب لخرء، لأنّ الاسم الخرء، وكل شيء سواه من [نجو] ورجيع وبراز وزبل وغائط فكله كناية.

ومن هذا الباب الملّة، والملّة موضع الخبزة، فسموا الخبزة باسم موضعها.

وهذا عند الأصمعيّ خطأ.

ومن هذا الشكل الراوية، والراوية هو الجمل نفسه، وهو حامل المزادة فسمّيت المزادة باسم حامل المزادة. ولهذا المعنى سمّوا حامل الشعر والحديث راوية.

ومنه قولهم: ساق إلى المرأة صداقها. قالوا: وإنّما كان يقال ذلك حين كانوا يدفعون في الصّداق إبلا، وتلك الإبل يقال لها النافجة. وقال شاعرهم:

وليس تلادي من وراثة والديولا شاد مالي مستفاد النوافج

وكانوا يقولون: تهنيك النافجة. قال: فإذا كانوا يدفعون الصّداق عينا وورقا فلا يقال ساق إليها الصّداق.

ومن ذلك أنّهم كانوا يضربون على العروس البناء، كالقبّة والخيمة والخيام، على قدر الإمكان، فيقال بنى عليها، اشتقاقا من البناء، ولا يقال ذلك اليوم. والعروس إمّا أن تكون مقيمة في مكانها أو تتحوّل إلى مكان أقدم من بنائها.

قال: ومن ذلك قولهم في البغيّ المكتسبة بالفجور: قحبة، وإنّما القحاب السعال. وكانوا إذا أرادوا الكناية عن من زنت وتكسّبت بالزنى، قالوا قحبت أي سعلت، كناية. وقال الشاعر:

إنّ السّعال هو القحاب

وقال:

وإذا ما قحبت واحدةجاوب المبعد منها فخضف

وكذلك كان كنايتهم في انكشاف عورة الرجل، يقال: كشف علينا متاعه وعورته وشواره. والشّوار: المتاع. وكذلك الفرج وإنّما يعنون الأير والحر والاست.

وكلمات النبيّ ﷺ، لم يتقدّمه فيهنّ أحد: من ذلك قوله: «إذا لا ينتطح فيها عنزان». ومن ذلك قوله: «مات حتف أنفه». ومن ذلك قوله: «يا خيل الله اركبي» ومن ذلك قوله: «كلّ الصّيد في جوف الفرا»، وقوله: «لا يلسع المؤمن من جحر مرتين».

وقال عمر رضي الله تعالى عنه: «شنشنة أعرفها من أخزم»، يعني شبه ابن العبّاس بالعبّاس. وأخزم: فحل معروف بالكرم.

وأما الكلام الذي جاءت به كراهية من طريق الروايات، فروي عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «لا يقولنّ أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل لقست نفسي»، كأنه كره ﷺ أن يضيف المؤمن الطاهر إلى نفسه الخبث والفساد بوجه من الوجوه.

وجاء عن عمر ومجاهد وغيرهما النهي عن قول القائل: استأثر الله بفلان، بل يقال مات فلان. ويقال استأثر الله بعلم الغيب واستأثر الله بكذا وكذا.

قال النّخعيّ: كانوا يكرهون أن يقال: قراءة عبد الله، وقراءة سالم، وقراءة أبيّ، وقراءة زيد. وكانوا يكرهون أن يقولوا سنّة أبي بكر وعمر، بل يقال سنّة الله وسنّة رسوله، ويقال فلان يقرأ بوجه كذا، وفلان يقرأ بوجه كذا.

وكره مجاهد أن يقولوا مسيجد ومصيحف، للمسجد القليل الذّرع، والمصحف القليل الورق. ويقول: هم وإن لم يريدوا التصغير فإنّه بذلك شبيه.

وربّما صغّروا الشيء من طريق الشّفقة والرّقّة، كقول عمر: أخاف على هذا العريب. وليس التصغير بهم يريد. وقد يقول الرجل: إنّما فلان أخيّي وصديّقي؛ وليس التصغير له يريد. وذكر عمر ابن مسعود فقال: «كنيف ملئ علما». وقال الحباب بن المنذر يوم السّقيفة: «أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجّب».

وهذا كقول النبيّ ﷺ لعائشة: «الحميراء»، وكقولهم لأبي قابوس الملك: أبو قبيس. وكقولهم: دبّت إليه دويهية الدهر، وذلك حين أرادوا لطافة المدخل ودقّة المسلك.

ويقال إنّ كلّ فعيل في أسماء العرب فإنّما هو على هذا المعنى، كقولهم

المعيديّ، وكنحو: سليم، وضمير، وكليب، وعقير، وجعيل، وحميد، وسعيد، وجبير؛ وكنحو عبيد، وعبيد الله، وعبيد الرماح. وطريق التحقير والتصغير إنّما هو كقولهم: نجيل ونذيل. قالوا: وربّ اسم إذا صغّرته كان أملأ للصّدر، مثل قولك أبو عبيد الله، هو أكبر في السماع من أبي عبد الله، وكعب بن جعيل، هو أفخم من كعب بن جعل. وربّما كان التصغير خلقة وبنية، لا يتغيّر، كنحو الحميّا والسّكيت، وجنيدة، والقطيعا، والمريطاء، والسّميراء، والمليساء- وليس هو كقولهم القصيرى، وفي كبيدات السماء والثّريا.

وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: دققت الباب على رسول الله ﷺ، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا. فقال: أنا! كأنّه كره قولي أنا.

وحدّثني أبو عليّ الأنصاري، وعبد الكريم الغفاريّ قالا: حدّثنا عيسى بن حاضر قال: كان عمرو بن عبيد يجلس في داره، وكان لا يدع بابه مفتوحا، فإذا قرعه إنسان قام بنفسه حتّى يفتحه له. فأتيت الباب يوما فقرعته فقال: من هذا؟ فقلت: أنا.

فقال: ما أعرف أحدا يسمّى أنا. فلم أقل شيئا وقمت خلف الباب، إذ جاء رجل من أهل خراسان فقرع الباب، فقال عمرو: من هذا؟ فقال: رجل غريب قدم عليك، يلتمس العلم. فقام له ففتح له الباب، فلمّا وجدت فرجة أردت أن ألج الباب، فدفع الباب في وجهي بعنف، فأقمت عنده أيّاما ثم قلت في نفسي: والله إنّي يوم أتغضّب على عمرو بن عبيد، لغير رشيد الرأي. فأتيت الباب فقرعته عليه فقال: من هذا؟

فقلت: عيسى بن حاضر. فقام ففتح لي الباب.

وقال رجل عند الشّعبيّ: أليس الله قال كذا وكذا! قال: وما علّمك؟ وقال الربيع بن خثيم: اتّقوا تكذيب الله، ليتّق أحدكم أن يقول قال الله في كتابه كذا وكذا، فيقول الله كذبت لم أقله.

وقال عمر بن الخطّاب ﵁: لا يقل أحدكم أهريق الماء ولكن يقول أبول.

وسأل عمر رجلا عن شيء، فقال: الله أعلم. فقال عمر: قد خزينا إن كنّا لا نعلم أنّ الله أعلم؛ إذا سئل أحدكم عن شيء فإن كان يعلمه قاله، وإن كان لا يعلمه قال: لا علم لي بذلك.

وسمع عمر رجلا يدعو ويقول؛ اللهمّ اجعلني من الأقلّين! قال: ما هذا الدعاء؟

قال: إنّي سمعت الله ﷿ يقول: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ

وقال: وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ

. قال عمر: عليك من الدعاء بما يعرف.

وكره عمر بن عبد العزيز قول الرجل لصاحبه: ضعه تحت إبطك، وقال: هلّا قلت تحت يدك وتحت منكبك! وقال مرّة- وراث فرس بحضرة سليمان- فقال:

ارفعوا ذلك النّثيل. ولم يقل ذلك الرّوث.

وقال الحجّاج لأمّ عبد الرحمن بن الأشعث: عمدت إلى مال الله فوضعته تحت. كأنّه كره أن يقول على عادة الناس: تحت استك، فتلجلج خوفا من أن يقول قذعا أو رفثا، ثمّ قال: تحت ذيلك.

وقال النبيّ ﷺ: «لا يقولنّ أحدكم لمملوكه عبدي وأمتي، ولكن يقول: فتاي وفتاتي، ولا يقول المملوك ربّي وربّتي، ولكن يقول سيّدي وسيّدتي».

وكره مطرّف بن عبد الله، قول القائل للكلب: اللهمّ أخزه.

وكره عمران بن الحصين، أن يقول الرّجل لصاحبه: «أنعم الله بك عينا»؛ و «لا أنعم الله بك عينا».

وقد كرهوا أشياء ممّا جاءت في الروايات لا تعرف وجوهها، فرأي أصحابنا: لا يكرهونها. ولا نستطيع الردّ عليهم، ولم نسمع لهم في ذلك أكثر من الكراهة. ولو كانوا يروون الأمور مع عللها وبرهاناتها خفّت المؤنة، ولكنّ أكثر الروايات مجرّدة، وقد اقتصروا على ظاهر اللفظ دون حكاية العلة، ودون الإخبار عن البرهان. وإن كانوا قد شاهدوا النوعين مشاهدة واحدة.

قال ابن مسعود وأبو هريرة: «لا تسمّوا العنب الكرم؛ فإنّ الكرم هو الرجل المسلم.

وقد رفعوا ذلك إلى النبي ﷺ.

وأمّا قوله: «لا تسبّوا الدّهر فإنّ الدهر هو الله» فما أحسن ما فسّر ذلك عبد الرحمن بن مهديّ قال: وجه هذا عندنا، أنّ القوم قالوا: وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ

فلما قال القوم ذلك، قال النبيّ ﷺ: «ذلك الله». يعني أنّ الذي أهلك القرون هو الله ﷿، فتوهم منه المتوهّم أنّه إنّما أوقع الكلام على الدهر.

وقال يونس: وكما غلطوا في قول النبي ﷺ لحسّان: «قل ومعك روح القدس» فقالوا: قال النبي ﷺ لحسّان: قل ومعك جبريل؛ لأنّ روح القدس أيضا من أسماء جبريل. ألا ترى أنّ موسى قال: «ليت أنّ روح الله مع كلّ أحد»، وهو يريد العصمة والتوفيق. والنصارى تقول للمتنبّي: معه روح دكالا، ومعه روح سيفرت. وتقول اليهود: معه روح بعلزبول، يريدون شيطانا. فإذا كان نبيا قالوا:

روحه روح القدس، وروحه روح الله، وقال الله ﷿: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا

، يعني القرآن.

وسمع الحسن رجلا يقول: طلع سهيل وبرد الليل. فكره ذلك وقال: إنّ سهيلا لم يأت بحرّ ولا ببرد قطّ. ولهذا الكلام مجاز ومذهب، وقد كره الحسن كما ترى.

وكره مالك بن أنس أن يقول الرجل للغيم والسحابة: ما أخلقها للمطر! وهذا كلام مجازه قائم، وقد كرهه ابن أنس. كأنّهم من خوفهم عليهم العود في شيء من أمر الجاهليّة، احتاطوا في أمورهم، فمنعوهم من الكلام الذي فيه أدنى متعلّق.

ورووا أنّ ابن عبّاس قال: لا تقولوا والذي خاتمه على فمي، فإنّما يختم الله ﷿ على فم الكافر. وكره قولهم: قوس قزح. وقال: قزح شيطان، وإنّما ذهبوا إلى

التعريج والتلوين، كأنّه كره ما كانوا عليه من عادات الجاهلية. وكان أحبّ أن يقال قوس الله، فيرفع من قدره، كما يقال بيت الله، وزوّار الله، وأرض الله، وسماء الله، وأسد الله.

وقالت عائشة ﵂: «قولوا لرسول الله ﷺ خاتم النبيين، ولا تقولوا: لا نبيّ بعده» فإلّا تكن ذهبت إلى نزول المسيح فما أعرف له وجها إلّا أن تكون قالت لا تغيّروا ما سمعتم، وقولوا كما قيل لكم، والفظوا بمثله سواء.

وكره ابن عمر ﵄ قول القائل: أسلمت في كذا وكذا، وقال: ليس الإسلام إلّا لله ﷿. وهذا الكلام مجازه عند الناس سهل، وقد كرهه ابن عمر، وهو أعلم بذلك.

وكره ابن عبّاس ﵄ قول القائل: أنا كسلان.

وقال عمر: لا تسمّوا الطريق السّكّة.

وكره أبو العالية قول القائل: كنت في جنازة، وقال: قل تبعت جنازة. كأنّه ذهب إلى أنّه عنى أنّه كان في جوفها، وقال قل تبعت جنازة. والناس لا يريدون هذا، ومجاز هذا الكلام قائم، وقد كرهه أبو العالية، وهي عندي شبيه بقول من كره أن يقول: أعطاني فلان نصف درهم. وقال: إذا قلت: كيف تكيل الدقيق؟ فليس جوابه أن تقول: القفيز بدنينير، ولكن يتناول القفيز ثم يكيل به الدقيق، ويقول: هكذا الكيلة وهذا من القول مسخوط! وكره ابن عبّاس قول القائل: الناس قد انصرفوا، يريد من الصلاة، قال بل قولوا:

قد قضوا الصلاة، وقد فرغوا من الصلاة، وقد صلّوا؛ لقوله: ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ

، قال: وكلام الناس: كان ذلك حين انصرفنا من الجنازة، وقد انصرفوا من السّوق، وانصرف الخليفة، وصرف الخليفة الناس من الدار اليوم بخير، وكنت في أوّل المنصرفين. وقد كرهه ابن عبّاس. ولو أخبرونا بعلّته انتفعنا بذلك.

وكره حبيب بن أبي ثابت، أن يقال للحائض طامث، وكره مجاهد قول القائل:

دخل رمضان، وذهب رمضان، وقال: قولوا شهر رمضان، فلعلّ رمضان اسم من أسماء الله تعالى.

قال أبو إسحاق: إنما أتى من قبل قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ

فقد قال الناس يوم التّروية، ويوم عرفة ولم يقولوا عرفة.

كان أبو إسحاق يقول: لا تسترسلوا إلى كثير من المفسّرين، وإن نصبوا أنفسهم للعامّة، وأجابوا في كلّ مسألة؛ فإن كثيرا منهم يقول بغير رواية على غير أساس، وكلّما كان المفسّر أغرب عندهم كان أحبّ إليهم، وليكن عندكم عكرمة، والكلبيّ، والسّدّي، والضّحاك، ومقاتل بن سليمان، وأبو بكر الأصمّ، في سبيل واحدة. فكيف أثق بتفسيرهم وأسكن إلى صوابهم، وقد قالوا في قوله ﷿:

وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ

: إنّ الله ﷿ لم يعن بهذا الكلام مساجدنا التي نصلّي فيها، بل إنّما عنى الجباه وكل ما سجد الناس عليه: من يد ورجل، وجبهة وأنف وثفنة.

وقالوا في قوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ

: إنّه ليس يعني الجمال والنّوق، وإنّما يعني السحاب.

وإذا سئلوا عن قوله: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ

قالوا: الطلح هو الموز.

وجعلوا الدليل على أنّ شهر رمضان قد كان فرضا على جميع الأمم وأنّ الناس غيّروه، قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ

وقالوا في قوله تعالى: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً

قالوا:

يعني أنّه حشره بلا حجّة.

وقالوا في قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ

: الويل واد في جهنم. ثم قعدوا

يصفون ذلك الوادي. ومعنى الويل في كلام العرب معروف، وكيف كان في الجاهليّة قبل الإسلام، وهو من أشهر كلامهم! وسئلوا عن قوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ

قالوا: الفلق: واد في جهنم، ثمّ قعدوا يصفونه. وقال آخرون: الفلق: المقطرة بلغة اليمن.

وقال آخرون في قوله تعالى: عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا

قالوا: أخطأ من وصل بعض هذه الكلمة ببعض. قالوا: وإنّما هي: سل سبيلا إليها يا محمد. فإن كان كما قالوا فأين معنى تسمّى، وعلى أيّ شيء وقع قوله تسمّى فتسمّى ماذا، وما ذلك الشيء؟

وقالوا في قوله تعالى: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا

قالوا الجلود كناية عن الفروج. كأنه كان لا يرى أنّ كلام الجلد من أعجب العجب! وقالوا في قوله تعالى: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ

: إنّ هذا إنّما كان كناية عن الغائط. كأنه لا يرى أنّ في الجوع وما ينال أهله من الذّلّة والعجز والفاقة، وأنّه ليس في الحاجة إلى الغذاء- ما يكتفى به في الدّلالة على أنّهما مخلوقان، حتّى يدّعي على الكلام ويدّعي له شيئا قد أغناه الله تعالى عنه.

وقالوا في قوله تعالى: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ

: إنّه إنما عنى قلبه.

ومن أعجب التأويل قول اللّحياني: (الجبّار) من الرجال يكون على وجوه:

يكون جبّارا في الضّخم والقوّة، فتأوّل قوله تعالى: إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ

قال:

ويكون جبّارا على معنى قتّالا، وتأوّل في ذلك: وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ

، وقوله لموسى ﷺ: إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ

أي قتّالا بغير حقّ.

والجبار: المتكبّر عن عبادة الله تعالى، وتأوّل قوله ﷿:

وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا

، وتأوّل في ذلك قول عيسى: وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا

أي لم يجعلني متكبّرا عن عبادته، قال: الجبّار: المسلّط القاهر، وقال: وهو قوله: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ

أي مسلّط فتقهرهم على الإسلام. والجبّار: الله.

وتأوّل أيضا (الخوف) على وجوه، ولو وجده في ألف مكان لقال: والخوف على ألف وجه، وكذلك الجبّار. وهذا كلّه يرجع إلى معنى واحد؛ إلّا أنّه لا يجوز أن يوصف به إلّا الله ﷿.

وقال رجل لعبيد الله بن الحسن القاضي: إنّ أبي أوصى بثلث ماله في الحصون. قال: اذهب فاشتر به خيلا، فقال الرجل: إنّه إنّما ذكر الحصون! قال: أما سمعت قول الأسعر الجعفيّ:

ولقد علمت على تجنّبي الرّدىأنّ الحصون الخيل لا مدر القرى
للشاعر الأسعر الجعفي، من قصيدة «هل بان قلبك من سليمى فاشتفى»

فينبغي في مثل هذا القياس على هذا التأويل، أنّه ما قيل للمدن والحصون حصون إلّا على التشبيه بالخيل.

وخبّرني النّوشروانيّ قال: قلت للحسن القاضي: أوصى جدّي بثلث ماله لأولاده، وأنا من أولاده. قال: ليس لك شيء. قلت: ولم؟ قال: أو ما سمعت قول الشاعر:

بنونا بنو أبنائنا وبناتنابنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد

قال: فشكوت ذلك إلى فلان فزادني شرّا.

وقالوا في قوله: ما ساءك وناءك: ناءك، أبعدك. قالوا: وساءك أبرصك. قال:

لقوله تعالى: تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ

. وبئس التكلّف.

وقال ابن قميئة:

وحمّال أثقال إذا هي أعرضتعلى الأصل لا يسطيعها المتكلّف
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة

وقال الله وهو يخبر عن نبيّه ﷺ: وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ

وليس يؤتى القوم إلّا من الطمع، ومن شدّة إعجابهم بالغريب من التأويل.

وسئل حفص بن غياث، عن فقه أبي حنيفة، فقال: أعلم الناس بما لم يكن، وأجهل الناس بما كان ! وقالوا في قوله تعالى: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ

قالوا: النعيم: الماء الحارّ في الشتاء، والبارد في الصيف.

ومن الأسماء المحدثة التي قامت مقام الأسماء الجاهليّة، قولهم في الإسلام لمن لم يحجّ: صرورة.

وأنت إذا قرأت أشعار الجاهليّة وجدتهم قد وضعوا هذا الاسم على خلاف هذا الموضع. قال ابن مقروم الضّبّيّ:

لو أنّها عرضت لأشمط راهبعبد الإله صرورة متبتّل
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»
لدنا لبهجتها وحسن حديثهاولهمّ من تاموره بتنزّل

والصرورة عندهم إذا كان أرفع الناس في مراتب العبادة، وهو اليوم اسم للذي لم يحجّ إمّا لعجز، وإمّا لتضييع، وإمّا لإنكار. فهما مختلفان كما ترى.

فإذا كانت العرب يشتقّون كلاما من كلامهم وأسماء من أسمائهم، واللغة

عاريّة في أيديهم ممّن خلقهم ومكّنهم وألهمهم وعلّمهم، وكان ذلك منهم صوابا عند جميع الناس؛ فالذي أعارهم هذه النّعمة أحقّ بالاشتقاق وأوجب طاعة. وكما أنّ له أن يبتدئ الأسماء؛ فكذلك له أن يبتدئها ممّا أحبّ.. قد سمّى كتابه المنزل قرآنا، وهذا الاسم لم يكن حتى كان، وجعل السجود للشمس كفرا، فلا يجوز أن يكون السجود لها كفرا إلّا وترك ذلك السجود بعينه يكون إيمانا، والترك للشيء لا يكون إلّا بالجارحة التي كان بها الشيء، وفي مقداره من الزمان، وتكون بدلا منه وعقبا. فواحدة أن يسمّى السجود كفرا، وإذا كان كفرا كان جحودا وإذا كان جحودا كان شركا، والسجود ليس بجحد، والجحد ليس بإشراك إلّا أن تصرفه إلى الوجه الذي يصير به إشراكا.

وقال طفيل الغنويّ:

عوازب لم تسمع نبوح مقامةولم تر نارا تمّ حول مجرّم
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «أشاقتك أظعان بجفن يبنبم»

وإنّما أخذ ذلك للجميع من نباح الكلاب.

وذكروا أن الظّبي إذا أسنّ ونبتت لقرونه شعب نبح، وهو قول أبي دؤاد:

وقصرى شنج الأنساء نبّاح من الشعب
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

يعني من جهة الشعب؛ وأنشد بعضهم:

وينبح بين الشعب نبحا كأنّهنباح سلوق أبصرت ما يريبها
وبيّضها الهزل المسوّد غيرهاكما ابيضّ عن حمض المراحم نيبها

لأن الظّبي إذا هزل ابيضّ، والبعير يشيب وجهه من أكل الحمض. وكذلك قال ابن لجأ:

شابت ولمّا تدن من ذكائها

كما قال الآخر:

أكلن حمضا فالوجوه شيبشربن حتى نزح القليب

وقد تصير النّاقة الحمراء إذا أتمّت حبشيّة. ولذلك قال الشاعر:

حمراء لا حبشيّة الإتمام

وما أشبه ذلك بقول العبديّ:

وداويتها حتّى شتت حبشيّةكأنّ عليها سندسا وسدوسا
للشاعر سويد بن خذاق العبدي، اقرأ القصيدة

والدّواء: اللبن، فلذلك تصير الفرس إذا ألقت شعرها وطرّت، تستديل هذا اللون.

وقال خالد بن الصقعب النّهديّ:

هبطنا بعد عهدك بطن خبتتظلّ حمامه مثل الخصوم
كأنّ عرين أيكته تلاقىبه جمعان من نبط وروم
نباح الهدهد الحوليّ فيهكنبح الكلب في الأنس المقيم

ويقال إنّ الهدهد ينبح. وربّما جعلوا الهدهد، الذي ينبح، الحمام الذكر. قال الشاعر- وهو يصف الحمام الذّكر كيف يصنع فيها:

وإذا استترن أرنّ فيها هدهدمثل المداك خضبته بجساد
وقال طفيل في النّبوح مدفّععن الزّاد ممّا جلّف الدهر محثل

وقال الجعديّ:

فلما دنونا لصوت النّباحولا نبصر الحيّ إلّا التماسا

وقال ابن عبدل:

آليت إذ آليت مجتهداورفعت صوتا ما به بحح
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
لا يدرك الشعراء منزلتيفي الشعر إن سكتوا وإن نبحوا
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة

وقال عمرو بن كلثوم:

وقد هرّت كلاب الحيّ منّاوشدّ بنا قتادة من يلينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

وقال بعض العلماء: كلاب الحيّ شعراؤهم، وهم الذين ينبحون دونهم، ويحمون أعراضهم. وقال آخرون: إن كلاب الحيّ كلّ عقور، وكلّ ذي عيون أربع.

وأما قوله:

لعمرك ما خشيت على أبيّرماح بني مقيّدة الحمار
ولكنّي خشيت على أبيّرماح الجنّ أو إيّاك حار

فالطّواعين هي عند العرب رماح الجن. وفي الحديث: «إنّ الطاعون وخز من الشيطان».

وقال أبو سلمى:

لا بدّ للسّودد من أرماحومن سفيه دائم النّباح

ومن عديد يتّقى بالرّاح

وقال الأعشى:

مثل أيّام لنا نعرفهاهرّ كلب النّاس فيها ونبح
رزن الأحلام في مجلسهمكلّما كلب من الناس نبح

وقال:

سينبح كلبي جاهدا من ورائكموأغنى غنائي عنكم أن أؤنّبا

وقال أبو ذؤيب:

ولا هرّها كلبي ليبعد تعرهاولو نبحتني بالشّكاة كلابها

كلابها: شعراؤها، وهو قول بشر بن أبي خازم:

وإنّي والشّكاة لآل لأمكذات الضّغن تمشي في الرّفاق

وقال أبو زبيد:

ألم ترني سكّنت لأيا كلابهموكفكفت عنكم أكلبي وهي عقّر
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة

قال صاحب الكلب: قد علمنا أنّكم تتبّعتم على الكلب كلّ شيء هجي به، وجعلتم ذلك دليلا على سقوط قدره وعلى لؤم طبعه؛ وقد رأينا الشعراء قد هجوا الأصناف كلّها، فلم يفلت منهم إنسان ولا سبع، ولا بهيمة ولا طائر ولا همج ولا حشرة، ولا رفيع من الناس ولا وضيع، إلّا أن يسلم بعض ذلك عليهم بالخمول، فكفاك بالخمول دقّة ولؤما وقلّة ونذالة. وقال أميّة بن أبي عائذ لإياس بن سهم:

فأبلغ إياسا أنّ عرض ابن أختكمرداؤك فاصطن حسنه أو تبذّل
فإن تك ذا طول فإني ابن أختكموكلّ ابن أخت من ندى الخال مغتلي
فكن أسدا أو ثعلبا أو شبيههفمهما تكن أنسب إليك وأشكل
فما ثعلب إلّا ابن أخت ثعالةوإنّ ابن أخت اللّيث ريبال أشبل
ولن تجد الآساد أخوال ثعلبإذا كانت الهيجا تلوذ بمدخل

فهذا من الثعلب. وقال مزرّد بن ضرار:

وإنّ كناز اللّحم من بكراتكمتهرّ عليها أمّكم وتكالب
للشاعر المزرد الغطفاني، اقرأ القصيدة
وليت الذي ألقى فناؤك رحلهلتقريه بالت عليه الثعالب
للشاعر المزرد الغطفاني، اقرأ القصيدة

فقد وضع الثعلب كما ترى بهذا الموضع الذي كفاك به نذالة. قال ابن هرمة:

فما عادت بذي يمن رؤوساولا ضرّت لفرقتها نزارا
كعنز السّوء تنطح من خلاهاوترأم من يحدّ لها الشّفارا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «فما عادت لذي يمن رؤوسا»

وهذا قول الشاعر في العنز. وقال ابن أحمر:

إنا وجدنا بني سهم وجاملهمكالعنز تعطف روقيها فترتضع

وقال الفرزدق:

على حين لم أترك على الأرض حيّةولا نابحا إلا استقرّ عقورها
وكان نفيع إذ هجاني لأهلهكباحثة عن مدية تستثيرها

فهذا قولهم في العنز. ولا نعلم في الأرض أقلّ شرّا ولا أكثر خيرا من شاة.

وقال الخريميّ:

يا للرجال لقوم قد مللتهمأرى جوارهم إحدى البليّات
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة
ذئب رضيع وخنزير تعارضهاعقارب وجنت وجنا بحيّات
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة
ما ظنّكم بأناس خير كسبهممصرّح السّحت سمّوه الأمانات
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

فهذا قولهم في العقارب والحيّات والضّباع والخنازير.

وقال حماد عجرد في بشّار:

قد كان في حبّي غزالة شاغلللقرد عن شتمي وفي ثوبان
أو في سميعة أختها وشرادهالمجونها مع سفلة المجّان
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة
أو بيت ضيق عرسه وركوبهاشرّ البغاء بأوكس الأثمان
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة

هذا قول حماد في القرد. وقال حمّاد في بشّار بن برد أيضا:

ولكن معاذ الله لست بقاذفبريئا لسوّاق لقوم نوائح
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة
وما قلت في الأعمى لجهل وأمّهولكن بأمر بيّن لي واضح
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة
سأعرض صحفا عن حصين لأمّهولست عن القرد ابن برد بصافح

وقال الآخر:

لما أتيت ابني يزيد بن خثعمأرى القرد والخنزير محتبيان
أمام بيوت القوم من آل خثعموراء قبيحات الوجوه بطان

وقال العتّابي:

اسجد لقرد السّوء في زمانهوإن تلقّاك بخنزوانه
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة

لا سيّما ما دام في سلطانه

وقال أبو الشمقمق:

إن رياح اللّؤم من شحّهلا يطمع الخنزير في سلحه
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «إنَّ رياحَ اللؤمِ منْ شحه»
كفّاه قفل ضلّ مفتاحهقد يئس الحدّاد من فتحه
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «إنَّ رياحَ اللؤمِ منْ شحه»

وقال خلف بن خليفة:

فسبحان من رزقه واسعيعمّ به القرد والقرده
للشاعر خلف بن خليفة الأقطع، اقرأ القصيدة

وهذا كثير. ولعمري لو جمع كلّه لكان مثل هجاء الناس للكلب، وكذلك لو جمع جميع ما مدح به الأسد فما دونه، والأمثال السائرة التي وقعت في حمد هذه الأشياء، لما كانت كلّها في مقدار مديح الكلب. فهذه حجّتنا في مرتبة الكلب على جميع السباع والبهائم.

ولما قال معبد في قتل الكلب، وتلا قول الله ﷿: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ. وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ

، قال أبو إسحاق: وإن كنت إنّما جعلت الكلب شرّ الخلق بهذه العلّة، فقد قال على نسق هذا الكلام: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ

، فالذي قال في الإبل والبقر والغنم أعظم، فأسقط من أقدارها بقدر معنى الكلام.

وأدنى ذلك أن تشرك بين الجميع في الذمّ فإنّك متى أنصفت في هذا الوجه، دعاك ذلك إلى أن تنصفها في تتبّع ما لها من الأشعار والأمثال والأخبار والآيات، كما تتبّعت ما عليها.

وقال صاحب الكلب: سنضرب مثلا بيننا يكون عدلا: إذا استوى القبيلان في تقادم الميلاد ثم كان أحد الأبوين كثير الذرء والفرسان والحكماء والأجواد والشعراء، وكثير السادات في العشائر، وكثير الرؤساء في الأرحاء وكان الآخر قليل الذّرء والعدد، ولم يكن فيهم خير كثير ولا شر كثير، خملوا أو دخلوا في غمار العرب، وغرقوا في معظم الناس، وكانوا من المغمورين ومن المغمورين ومن المنسيّين، فسلموا من ضروب الهجاء ومن أكثر ذلك، وسلموا من أن يضرب بهم المثل في قلّة ونذالة إذا لم يكن شرّ، وكان محلّهم من القلوب محلّ من لا يغبط الشعراء، ولا يحسدهم الأكفاء؛ وكانوا كما قال حميد بن ثور:

وقولا إذا جاوزتما أرض عامروجاوزتما الحيّين نهدا وخثعما
نزيعان من جرم بن ربّان إنّهمأبوا أن يريقوا في الهزاهز محجما
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

وإذا تقادم الميلاد ولم يكن الذّرء وكان فيهم خير كثير وشرّ كثير، ومثالب

ومناقب، ولم يسلّموا من أن يهجوا ويضرب بهم المثل، ولعلّ أيضا أن تتفق لهم أشعار تتصل بمحبة الرواة، وأمثال تسير على ألسنة العلماء، فيصير حينئذ من لا خير فيه ولا شرّ، أمثل حالا في العامّة، ممّن فيه الفضل الكثير وبعض النقص، ولا سيّما إذا جاوروا من يأكلهم وحالفوا من لا ينصفهم، كما لقيت غنيّ أو باهلة.

ولو أنّ عبسا أقامت في بني عامر ضعف ما أقامت؛ لذهب شطر شرفها؛ ولكنّ قيس بن زهير لمّا رأى دلائل الشرّ قال لأصحابه: الذلّ في بني غطفان خير من العزّ في بني عامر! وقد يكون القوم حلولا مع بني أعمامهم، فإذا رأوا فضلهم عليهم حسدوهم وإن تركوا شيئا من إنصافهم اشتدّ ذلك عليهم وتعاظمهم، بأكثر من قدره، فدعاهم ذلك إلى الخروج منهم إلى أعدائهم. فإذا صاروا إلى آخرين نهكوهم وحملوا عليهم، فوق الذي كانوا فيه من بني أعمامهم، حتى يدعوهم ذلك إلى النّدم على مفارقتهم، فلا يستطيعون الرّجوع، حمية واتقاء، ومخافة أن يعودوا لهم إلى شيء مما كانوا عليه، وإلى المقام في حلفائهم الذين يرون من احتقارهم، ومن شدّة الصّولة عليهم.

وقد خرج الأضبط بن قريع السّعديّ من بني سعد، فجاوز ناسا، فلما رأى مذهبهم وظلمهم ونهكهم، قال: «بكلّ واد بنو سعد!» »

، فأرسلها مثلا.

وقد كان عبّاس بن ريطة الرّعلي سيّد بني سليم، وقد ناله ضيم في بعض الأمر، فأبى الضّيم، فلما حاول مفارقتهم إلى بني غنم عزّ عليه فقال في كلمة له:

وأمّكم تزجي التؤام لبعلهاوأمّ أخيكم كزّة الرّحم عاقر

وزعموا أنّ أبا عمرو أنشد هذا الشعر، وخبّر عن هذه القصّة في يوم من أيامه، فدمعت عينه، فحلف شبيل بن عزرة بالطلاق: إنّه لعربيّ في الحقيقة لغيّة أو لرشدة!

فمن القبائل المتقادمة الميلاد التي في شطرها خير كثير، وفي الشطر الآخر شرف وضعة، مثل قبائل غطفان وقيس عيلان، ومثل فزارة ومرّة وثعلبة. ومثل عبس

وعبد الله بن غطفان، ثم غنيّ وباهلة، واليعسوب والطفاوة فالشرف والخطر في عبس وذبيان، والمبتلى والملقّى والمحروم والمظلوم، مثل باهلة وغنيّ، ممّا لقيت من صوائب سهام الشعراء، وحتّى كأنّهم آلة لمدارج الأقدام، ينكب فيها كلّ ساع، ويعثر بها كلّ ماش. وربّما ذكروا اليعسوب والطفاوة، وهاربة البقعاء وأشجع الخنثى ببعض الذّكر. وذلك مشهور في خصائص العلماء ولا يجوز ذلك صدورهم. وجلّ معظم البلاء لم يقع إلّا بغنيّ وباهلة، وهم أرفع من هؤلاء وأكثر فضولا ومناقب، حتى صار من لا خير فيه ولا شرّ عنده أحسن حالا ممّن فيه الخير الكثير وبعض الشرّ، وصار مثلهم كما قال الشاعر:

اضرب ندى طلحة الطّلحات مبتدئاببخل أشعث واستثبت وكن حكما
تخرج خزاعة من لؤم ومن كرمولا تعدّ لها لؤما ولا كرما
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «اضرب ندى طلحة الطلحات مبتدئا»

وقد ظرف في شعره فظلم خزاعة ظلما عبقريّا.

وقال في مثل ذلك الأشعر الرّقبان الأسديّ:

بحسبك في القوم أن يعلموابأنّك فيهم غنيّ مضرّ
للشاعر الأشعر الرَّقَبَان الأسدي، اقرأ القصيدة
وأنت مليخ كلحم الحوارفلا أنت حلو ولا أنت مرّ
للشاعر الأشعر الرَّقَبَان الأسدي، اقرأ القصيدة

وكما قال الشاعر في علباء بن حبيب حيث يقول:

أرى العلباء كالعلباءلا حلو ولا مرّ
شييخ من بني الجارودلا خير ولا شرّ

فهذا ونحوه من أشدّ الهجاء.

والخمول اسم لجميع أصناف النّقص كلّها أو عامّتها، ولكنّه كالسّرو عند العلماء. وليس ينفعك العامّة إذا ضرّتك الخاصّة.

ومن هذا الضرب تميم بن مرّ، وثور وعكل، وتيم ومزينة. ففي عكل وتيم ومزينة من الشرف والفضل، ما ليس في ثور، وقد سلم ثور إلّا من الشيء اليسير، مما لا يرويه إلّا العلماء، ثم حلّت البليّة وركد الشرّ، والتحف الهجاء على عكل وتيم، وقد شعّثوا بين مزينة شيئاً، ولكنّهم حبّبهم إلى المسلمين قاطبة ما تهيأ لهم من الإسلام، حين قلّ حظّ تيم فيه. وقد نالوا من ضبّة، مع ما في ضبّة من الخصال الشريفة؛ لأنّ الأب متى نقص ولده في العدد عن ولد أخيه فقد ركبهم الآخرون بكلّ عظيمة، حتى يروا تسليم المرباع إليهم حظّا، والسير تحت اللواء، والحمل على أموالهم في النوائب؛ حتّى ربّما كانوا كالعضاريط والعسفاء؛ والأتباع، وفي الأتباع والدخلاء، ثم لا يجدون من ذلك بدّاً؛ كأنهم متى امتنعوا خذلوهم، فاستباحوهم، فرأوا أن النّعمة أربح لهم.

وقد أعان غيلان على الأحنف بكلمة، فقال الأحنف: عبيد في الجاهليّة، أتباع في الإسلام.

فإن هربوا تفرّقوا فصاروا أشلاء في البلاد، فصار حكمهم حكم من درج، وحكم أبيهم كحكم من لم يعقب. وإذا هم حالفوا القرباء فذلك حيث لا يرفعون رؤوسهم من الذلّ والغرم.

والحلف ضربان: فأحدهما كانضمام عبس وضبّة، وأسد وغطفان فإنّ هؤلاء أقوياء لم ينهكوا كما نهكت باهلة وغنيّ، لحاجة القوم إليهم، ولخشونة مسّهم إن تذكّروا على حال؛ فقد لقيت ضبّة من سعد، وعبس من عامر، وأسد من عيينة بن حصن ما لقوا.

وقد رأيت مشقّة ذلك على النابغة، وكيف كره خروج أسد من بني ذبيان.

وعيينة بن حصن وإن كان أسود من النابغة وأشرف، فإنّ النابغة كان أحزم وأعقل.

وقد سلمت ثور وابتليت عكل وتيم، ولولا الربيع بن خثيم وسفيان الثوري، لما علمت العامّة أنّ في العرب قبيلة يقال لها ثور. ولشريف واحد ممّن قبلت تيم أكثر من ثور وما ولد.

وكذلك بلعنبر، قد ابتليت وظلمت وبخست، مع ما فيها من الفرسان والشّعراء، ومن الزّهاد، ومن الفقهاء، ومن القضاة والولاة، ومن نوادر الرّجال إسلاميّين وجاهليّين.

وقد سلمت كعب بن عمرو؛ فإنه لم ينلها من الهجاء إلّا الخمش والنّتف.

وربّ قوم قد رضوا بخمولهم مع السلامة على العامّة، فلا يشعرون حتّى يصبّ الله تعالى على قمم رؤوسهم حجارة القذف، بأبيات يسيّرها شاعر، وسوط عذاب يسير به الراكب والمثل، كما قال الشاعر:

إن منافا فقحة لدارمكما الظليم فقحة البراجم

وقال الشاعر:

وجدنا الحمر من شرّ المطاياكما الحبطات شرّ بني تميم

فما الميسم في جلد البعير، بأعلق من بعض الشعر.

وإذا كان بيت واحد يربطه الشاعر في قوم لهم النباهة والعدد والفعال، مثل نمير، يصير أهله إلى ما صارت إليه نمير وغير نمير، فما ظنّك بالظّليم وبمناف وبالحبطات، وقد بلغ مضرّة جرير عليهم حيث قال:

فغضّ الطّرف إنّك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

إلى أن قال شاعر آخر وهو يهجو قوما آخرين:

وسوف يزيدكم ضعة هجائيكما وضع الهجاء بني نمير
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة

وحتّى قال أبو الرّدينيّ:

أتوعدني لتقتلني نميرمتى قتلت نمير من هجاها

ولأمر ما بكت العرب بالدموع الغزار من وقع الهجاء، وهذا من أوّل كرمها، كما بكى مخارق بن شهاب، وكما بكى علقمة بن علاثة، وكما بكى عبد الله بن جدعان من بيت لخداش بن زهير. وما زال يهجوه من غير أن يكون رآه، ولو كان رآه ورأى جماله وبهاءه ونبله والذي يقع في النفوس من تفضيله ومحبته ومن إجلاله والرقة عليه أمسك. ألا ترى أن النّبيت وغسّان بن مالك بن عمرو بن تميم، ليس يعرفهم بالعجز والقلّة إلّا دغفل بن حنظلة، وإلّا النخّار العذريّ وإلا ابن الكيّس النمريّ، وإلّا صحار العبدي، وإلّا ابن شريّة وأبو السّطّاح وأشباههم ومن شابه طريقهم والاقتباس من مواريثهم، وقد سلموا على العامة وحصلوا نسب العرب فالرجل منهم عربي تميمي، فهو يعطي حقّ القوم في الجملة ولا يقتضي ما عليه وعلى رهطه في الخاصّة. والحرمان أسوأ حالا في العامة من هذه القبائل الخاملة وهم أعدّ وأجلد.

وبليّة أخرى: أن يكون القبيل متقادم الميلاد، قليل الذلة قليل السيادة، وتهيّأ أن يصير في ولد إخوتهم الشرف الكامل والعدد التامّ، فيستبين لمكانهم منهم من قلتهم وضعفهم لكلّ من رآهم أو سمع بهم، أضعاف الذي هم عليه لو لم يكونوا ابتلوا بشرف إخوتهم.

ومن شؤم الإخوة أنّ شرفهم ضعة إخوتهم، ومن يمن الأولاد أنّ شرفهم شرف من قبلهم من آبائهم ومن بعدهم من أولادهم: كعبد الله بن دارم وجرير بن دارم. فلو أنّ الفقيم لم يناسب عبد الله بن دارم وكان جاراً، كان خيراً له.

ولقد ضعضعت قريش- لما جاءت به من الخصال الشريفة التامّة؛ من أركان كنانة- سنام الأرض وجبلها وعينها التي تبصربها، وأنفها التي بها تعطس، فما ظنّك بمن أبصر بني زيد بن عبد الله بن دارم، وبني نهشل بن دارم، وبني مجاشع بن دارم، ثمّ رأى بني فقيم بن جرير بن دارم؟! وكذلك كلّ أخوين إذا برع أحدهما وسبق وعلا الرّجال؛ في الجود والإفضال،

أو في الفروسة أو في البيان، فإن كان الآخر وسطا من الرجال، قصدوا بحسن مآثره في الطبقة السفلى لتبين البراعة في أخيه، فصارت قرابته التي كانت مفخرة هي التي بلغت به أسفل السافلين. وكذلك عنزة بن أسد في ربيعة. ولو كان سودد ربيعة مرّة في عنزة ومرّة في ضبيعة أضجم، لكان خيراً لهم اليوم، ولودّ كثير من هؤلاء القبائل التي سلمت على الشعراء أو على العوامّ أن يكون فيهم شطر ما للعنزيّين من الشرف، ولو أنّ الناس وازنوا بين خصال هذه القبائل خيرها وشرّها لكانوا سواء.

وقال صاحب الكلب: ذكرت عيوب الكلب فقلت: الكلب إذا كان في الدار محق أجور أهل الدّار حتى يأتي على أقصاها، لأنّ الأجور إذ أخذ منها كلّ يوم وزن قيراط، والقيراط مثل أحد، لم يلبث على ذلك أن يأتي على آخرها. وقلت: في الكلب أشدّ الأذى على الجار والضيف والدخيل، يمنعه النّوم ليلا والقائلة نهاراً، وأن يسمع الحديث. ثمّ الذي على سامع النّباح من المؤنة من الصوت الشديد.

ولو لم يكن في الكلب ما يؤذي بشدّة صوته إلّا بإدامة مجاوبة الكلاب لكان في ذلك ممّا ينغّص العيش، ويمنع من الكلام والحديث.

وقال أرطأة بن سهيّة في بعض افتخاره:

وإنّي لقوّام إلى الضّيف موهناإذا أغدف السّتر البخيل المواكل
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة
دعا فأجابته كلاب كثيرةعلى ثقة منّي بما أنا فاعل
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة
وما دون ضيفي، من تلاد تحوزهيد الضيف، إلّا أن تصان الحلائل
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة

وقال ابن هرمة:

ومستنبح نبّهت كلبي لصوتهوقلت له قم في اليفاع فجاوب
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ومستنبح نبهت كلبي لصوته»
فجاء خفيّ الصوت قد مسّه الضّوىبضربة مسنون الغرارين قاضب
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ومستنبح نبهت كلبي لصوته»
فرحّبت واستبشرت حتّى بسطتهوتلك التي ألقى بها كلّ آئب
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ومستنبح نبهت كلبي لصوته»

وقال آخر:

هجمنا عليه وهو يكعم كلبهدع الكلب ينبح إنّما الكلب نابح

وقال مزرّد بن ضرار:

نشأت غلاما أتّقي الذمّ بالقرىإذا ضاف ضيف من فزارة راغب
للشاعر المزرد الغطفاني، اقرأ القصيدة
فإن آب سار أسمع الكلب صوتهأتى دون نبح الكلب، والكلب دائب
للشاعر المزرد الغطفاني، اقرأ القصيدة

وقال بشّار بن برد:

سقى الله القباب بتلّ عبديوبالشرقين أيّام القباب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «غدا سلف فأصعد بالرباب»
وأياما لنا قصرت وطالتعلى فرعان نائمة الكلاب

وقال رجل من بني عبد الله بن غطفان:

إذا أنت لم تستبق ودّ صحابةعلى دخن أكثرت بثّ المعاتب
وإنّي لأستبقي امرأ السّوء عدّةلعدوة عرّيض من الناس جانب
أخاف كلاب الأبعدين ونبحهاإذا لم تجاوبها كلاب الأقارب

وقال أحيحة بن الجلاح:

ما أحسن الجيد من مليكة واللبّات إذ زانها ترائبها
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «يشتاق قلبي إلى مليكة»
يا ليتني ليلة إذا هجع النّاس ونام الكلاب صاحبها
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «يشتاق قلبي إلى مليكة»

وقلت: وفي الكلب قذارة في نفسه، وإقذاره أهله لكثرة سلاحه وبوله، على أنّه لا يرضى بالسّلاح على السطوح، حتّى يحفر ببراثنه وينقب بأظافره، وفي ذلك التخريب.

ولو لم يكن إلّا أنّه يكون سبب الوكف، وفي الوكف من منع النّوم ومن إفساد حرّ المتاع، ما لا يخفى مكانه، مع ما فيه من عضّ الصبيان وتفزيع الولدان، وشقّ الثياب، والتعرّض للزوّار؛ ومع ما في خلقه أيضا من الطبع المستدعي للصبيان إلى ضربه ورجمه وتهييجه بالعبث، ويكون سببا لعقرهم والوثوب عليهم.

وقلت: وبئس الشيء هو في الدار، وفيها الحرم والأزواج، والسّراريّ والحظيّات المعشوقات؛ وذلك أن ذكره أيرّ ظاهر الحجم، وهو إما مقبع وإمّا قائم، وليس معه ما

يواريه، وربما أشظّ وأنعظ بحضرتهنّ، ولعلّهنّ يكنّ مغيبات أو محتاجات إلى ما يحتاج إليه النساء عند غيبة فحلهنّ، وإذا عجز عن أن يعمّهن.

وقد رمى ضابئ بن الحارث البرجميّ أمّ أناس من العرب، أنّ الكلب الذي كان يسمّى قرحان، كان يأتي أمّهم، حتّى استعدوا عليه، وحبسه في ذلك عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه. ولولا أنّ المعنى الذي رماهم به كان مما يكون ويجوز ويخاف مثله، لما بلغ منه عثمان ما بلغ، حتّى مات في حبسه. وفي ذلك يقول ضابئ ابن الحارث:

تجشّم نحوي وفد قرحان شقّةتظلّ بها الوجناء وهي حسير
للشاعر ضابئ البرجمي، اقرأ القصيدة
فزوّدتهم كلبا فراحوا كأنماحباهم بتاج الهرمزان أمير
للشاعر ضابئ البرجمي، اقرأ القصيدة
فأمّكم لا تتركوها وكلبكمفإنّ عقوق الوالدات كبير
للشاعر ضابئ البرجمي، اقرأ القصيدة
إذا عثّنت من آخر الليل دخنةيبيت له فوق السرير هرير
للشاعر ضابئ البرجمي، اقرأ القصيدة

وزعم اليقطريّ أنّه أبصر رجلا يكوم كلبة من كلاب الرعاء، ومرّ بذلك الزّبّ العظيم في ثفرها- والثّفر منها ومن السبع، كالحر من المرأة والظّبية من الأتان والحجر، والحياء من الناقة والشاة- فزعم أنّها لم تعقد عليه، ولا ندري أمكّنته أم اغتصبها نفسها.

وأمّا النّاس ففي ملح أحاديثهم: أنّ رجلا أشرف على رجل وقد ناك كلبة فعقدت عليه، فبقي أسيرا مستخزيا يدور معها حيث دارت. قال: فصاح به الرجل:

اضرب جنبيها. فأطلقته، فرفع رأسه إليه، فقال: أخزاه الله أيّ نيّاك كلبات هو! وخبّرني من لا أردّ خبره، أنّه أشرف من سطح له قصير الحائط، فإذا هو بسواد في ظلّ القمر في أصل حائط، وإذا أنين كلبة، فرأى رأس إنسان يدخل في القمر، ثم يرجع إلى موضعه من ظلّ القمر، فتأملّ في ذلك فإذا هو بحارس ينيك كلبة. قال:

فرجمته وأعلمته أنّي قد رأيته، فصبّحني من الغد يقرع الباب عليّ، فقلت له: ما حاجتك؟ وما جاء بك؟ فلقد ظننت أنّك ستركب البحر أو تمضي على وجهك إلى البراري. قال: جعلت فداك، أسألك أن تستر عليّ، ستر الله عليك، وأنا أتوب على يديك! قال: قلت ويلك، فما اشتهيت من كلبة؟! قال: جعلت فداك، كلّ رجل حارس ليس له زوجة ولا نجل، فهو ينيك إناث الكلاب إذ كنّ عظام الأجسام. قال:

فقلت: فما يخاف أن تعضّه؟ قال: لو رام ذلك منها غير الحارس التي هي له وقد باتت معه فأدخلها في كسائه في ليالي البرد والمطر، لما تركته. وعلى أنّه إن أراد أن يوعبه كلّه لم تستقرّ له. قال: ونسيت أن أسأله: فهل تعقد على أيور النّاس كما تعقد على أيور الكلاب؟ فلقيته بعد ثلاثين سنة، فقال: لا أدري لعلّها لا تعقد عليه، لأنّه لا يدخله فيها إلى أصله، لعلّ ذلك أيضا إنّما هو شيء يحدث بين الكلب والكلبة، فإذا اختلفا لم يقع الالتحام. قال: فقلت: فطيّب هو؟ قال: قد نكت عامّة إناث الحيوانات فوجدتهنّ كلّهنّ أطيب من النساء. قلت: وكيف ذلك؟ قال: ما ذاك إلّا لشدّة الحرارة. قال: فطال الحديث حتى أنس فقلت له: فإذا دار الماء في صلبك وقرب الفراغ؟ قال: فربّما التزمت الكلبة وأهويت إلى تقبيلها. ثم قال: أما إنّ الكلاب أطيب شيء أفواها، وأعذب شيء ريقا؛ ولكن لا يمكن أن أنيكها من قدّام، ولو ذهبت أن أنيكها من خلف وثنيت رأسها إلى أن أقبّلها، لم آمن أن تظنّ بي أني أريد غير ذلك فتكدّم فمي ووجهي. قال فقلت: فإنّي أسألك بالذي يستر عليك، هل نزعت عن هذا العمل منذ أعطيتني صفقة يدك بالتّوبة؟ قال: ربّما حننت إلى ذلك فأحتبس بعهدك.

قال: وقلت: وإنّك لتحنّ إليها؟ قال: والله إني لأحنّ إليها، ولقد تزوّجت بعدك امرأتين، ولي منهما رجال ونساء، ومن تعوّد شيئا لم يكد يصبر عنه! قال: فقلت له:

هل تعرف اليوم في الحرّاس من ينيك الكلبات؟ قال: نعم، خذ محمويه الأحمر، وخذ يشجب الحارس، وخذ قفا الشاة، وخذ فارسا الحمّاميّ فإنّ فارسا كان حارسا وكان قيّم حمّام، وكان حلقيّا، فزعم أنّه ناك الكلاب خمسين سنة، وشاخ وهزل وقبح وتشنّج، حتّى كان لا ينيكه أحد. قال: فلم يزل يحتال لكلب عنده حتى ناكه. قال:

وكان معه بخير حتّى قتله اللصوص، ثمّ أشرف على فارس، هذا المحتسب الأحدب، وهو ينيك كلبة فرماه بحجر فدمغه.

قال: فالكلاب كما ترى تتّهم بالنساء، وينيكها الرجال، وتنيك الرجال، وليس شيء أحقّ بالنفي والإغراب والإطراد وبالقتل منها. ونحن من السباع العادية الوحشيّة في راحة، إلّا في الفرط فإنّ لها عراما على بعض الماشية، وجناية على شرار العامّة وكذلك البهائم. وما عسى أن يبلغ من وطء بعير ونطح كبش، أو خمش سنّور أو رمح حمار، ولعلّ ذلك يكون في الدهر المرّة والمرّتين، ولعلّ ذلك أيضا لا ينال إلّا عبداً أو خادما أو سائسا، وذلك محتمل. فالكلاب مع هذه الآفات شركاء الناس في دورهم وأهاليهم!! قال صاحب الكلب: إن كنتم إلى الأذى بالسّلاح تذهبون، وإلى قشر طين السطوح بالبراثن تميلون، وإلى نتن السّلاح وقذر المأكول والمشروب تقصدون، فالسّنّور أكثر في ذلك. وقد رويتم عن النبي ﷺ في ذلك أنّه قال: «هنّ من الطّوّافات عليكم». فإذا كان ذلك في السنانير مغتفرا، لانتفاعهم بها في أكل الفأر، فمنافع الكلاب أكثر، وهي بالاعتقاد أحقّ. وفي إطلاق ذلك في السنّور دليل على أنّه في الكلاب أجوز.

وأمّا ما ذكرتم من إنعاظه، فلعمري إنّه ما ينبغي للغيور أن يقيم الفرس ولا البرذون والبغل والحمار والتّيس في المواضع التي تراها النساء. والكلب في ذلك أحسن حالا. وقد كره ناس إدخال منازلهم الحمام والدّيكة والدجاج والبطّ خاصة؛ لأنّ له عند السفاد قضيبا يظهر، وكذلك التيس من الظباء، فضلا عن تيوس الصفايا. فهذا المعنى الذي ذكرتم يجري في وجوه كثيرة وعلى أنّ للحمام خاصّة من الاستشارة، والكسم بالذئب، والتقبيل الذي ليس للناس مثله، ثمّ التقبيل والتغزّل والتّنفّش، والابتهاج بما يكون منه بعد الفراغ، وركوب الأنثى للذكر وعدم إمكانها لغير ذكرها، ما يكون أهيج للنساء ممّا ذكرتم. فلم أفردتم الكلب بالذّكر دون هذه الأمور، التي إذا عاينت المرأة غرمول واحد منها، حقرت بعلها أو سيّدها، ولم يزل ظلّ ذلك الغرمول يعارضها في النوم، وينبّهها ساعة الغفلة، ويحدث لها التمنّي لما لا تقدر عليه، والاحتقار لما تقدر عليه، وتركتم ذكر ما هو أجلّ وأعظم إلى ما هو أخسّ وأصغر؟! فإن كنتم تذهبون في التشنيع عليه إلى ما يعقر من الصبيان عند العبث

والتعرّض، والتّحكك والتهييج والتحريش، فلو أنّ الذي يأتي صبيانكم إلى الكلب، من الإلحاح بأصناف العبث- والصّبيان أقسى الخلق وأقلّهم رحمة- أنزلوه بالأحنف ابن قيس، وقيس بن عاصم، بل بحاجب بن زرارة وحصن بن حذيفة، لخرجوا إلى أقبح ممّا يخرج إليه الكلب. ومن ترك منهم الأخذ فوق يد ابنه، فهو أحقّ باللائمة.

وبعد فما وجدنا كلبا وثب على صبيّ فعقره من تلقاء نفسه، وإنّه ليتردّد عليه وهو في المهد، وهو لحم على وضم، فلا يشمّه ولا يدنو منه. وهو أكثر خلق الله تعالى تشمّما واسترواحا؛ وما في الأرض كلب يلقى كلبا غريبا إلّا شمّ كلّ واحد منهما است صاحبه، ولا في الأرض مجوسيّ يموت فيحزن على موته ويحمل إلى الناووس إلّا بعد أن يدنى منه كلب يشمّه، فإنّه لا يخفى عليه في شمّه عندهم، أحي هو أم ميّت؛ للطافة حسّه، وأنّه لا يأكل الأحياء. فأمّا اليهود فإنّهم يتعرّفون ذلك من الميّت، بأن يدهنوا استه. ولذلك قال الشاعر وهو يرمي ناسا بدين اليهودية:

إذا مات منهم ميّت مسحوا استهبدهن وحفّوا حوله بقرام

وقالوا: فإذا ذكرتم جنايات الكلاب، فواحد من جنايات الدّيكة أعظم من جنايات الكلاب؛ لأنّ عبد الله بن عثمان بن عفّان، ابن بنت رسول الله ﷺ، إنّما مات من نقر ديك في دار عثمان، نقر عينه فكان سبب موته. فقتل الديك لعترة رسول الله ﷺ، أعظم من كثير ممّا تستعظمونه من جنايات الكلاب.

وقد نقر ديك عين ابن حسكة بن عتّاب، أو عين ابن أخته.

وقد نقر ديك عين ابن الريان بن أبي المسيح وهو في المهد فاعورّ، ثمّ ضربته الحمرة فمات.

ووثب ديك فطعن بصيصته عين بنت لثمامة بن أشرس، قال ثمامة: فأتاني الصّريخ، فو الله ما وصلت إليها حتى كمد وجهها كلّه واسودّ الأنف والوجنتان وغارت العينان. وكان شأن هذا الديك- فيما زعم ثمامة- عجبا من العجب: ذكر أنّ رجلا ذكر أنّ ديكا عند بقّال لهم، يقاتل به الكلاب، قال: فأتيت البقّال الذي

عنده فسألته عن الديك، فزعم أنّه قد وجّه به إلى قتال الكلاب، وقد تراهنوا في ذلك.

فلم أبرح حتّى اشتريته؛ وكنت أصونه وجعلته في مكنّة، فخرجت يوما لبعض مصلحة وأقبلت بنتي هذه لتنظر إليه، فكان هذا جزائي منه! قال: وديك آخر أقبل إلى رأس زيد بن علي، حتّى وطئ في ذؤابته ثمّ أقبل ينقر دماغه وعينيه. فقال رجل من قريش، لمن حضر ذلك من الخدم:

اطردوا الديك عن ذؤابة زيدطالما كان لا تطاه الدّجاج

والكلب إن كان كما يقول، فإنّ له يدا تشجّ وأخرى تأسو، بل ما يدفع الله بحراسته ويجلب من المنافع بصيده أكثر وأغمر، وهو الغامر لا المغمور، والفاضل لا المفضول. والديك يفقأ العيون وينقر الأدمغة ويقتل الأنفس، ويشجّ ولا يأسو؛ فشرّه صرف وخيره ممزوج. إلّا أن يزعموا أنّه يحرس من الشيطان، فيكون هذا من القول الذي يحتاج إلى البرهان. ومن عارض منافع الكلاب وحراستها أموال الناس من اللصوص، ومنع السّباع من الماشية، وموضع نفع الكلب في المزارع- وذلك عيان ونفعه عامّ وخطبه عظيم- بما يدّعى من حراسة الدّيكة للشيطان، لم يكايل ولم يوازن ولم يعرف المقايسة، ولا وقف قطّ على معنى المقابلة ودلّ بذلك على أنّ مبلغ رأيه لا يجوز رأي النساء.

ويكون العواء للكلب والذئب والفصيل. وقال النابغة:

ألم أك جاركم فتركتمونيلكلبي في دياركم عواء
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ألا أبلغ بني عوف بن كعب»

وقال الشاعر:

وإنّي امرؤ لا تقشعرّ ذؤابتيمن الذئب يعوي والغراب المحجّل

وقال الشاعر:

ومستنبح تستكشط الرّيح ثوبهليسقط عنه وهو بالثّوب معصم
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ومستنبح تستكشط الريح ثوبه»
عوى في سواد الليل بعد اعتسافهلينبح كلب أو ليفزع نوّم
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ومستنبح تستكشط الريح ثوبه»
فجاوبه مستسمع الصوت للقرىله مع إتيان المهبّين مطعم
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ومستنبح تستكشط الريح ثوبه»
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلايكلّمه من حبّه وهو أعجم
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ومستنبح تستكشط الريح ثوبه»

وقال ذو الرّمّة:

به الذئب محزونا كأنّ عواءهعواء فصيل آخر الليل محثل»
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «قف العيس في أطلال مية فاسأل»

وقال آخر:

ومنهل طامسة أعلامهيعوي به الذئب وتزقو هامه

وقال عقيل بن علّفة يهجو زبّان بن منظور:

لا بارك الله في قوم يسودهمذئب عوى وهو مشدود على كور
لم يبق من مازن إلّا شرارهمفوق الحصى حول زبّان بن منظور

وقال غيلان بن سلمة:

ومعرّس حين العشاء بهالحبس فالأنواء فالعقل
للشاعر غيلان بن سلمة الثقفي، اقرأ القصيدة
قد بثّه وهنا وأرّقنيذئب الفلاة كأنّه جذل
فتركته يعوي بقفرتهولكلّ صاحب قفرة شكل
للشاعر غيلان بن سلمة الثقفي، اقرأ القصيدة
بتنوفة جرداء يجزعهالحب يلوح كأنّه سحل
للشاعر غيلان بن سلمة الثقفي، اقرأ القصيدة

وقال مغلّس بن لقيط:

عوى منهم ذئب فطرّب عادياعلى فعليات مستثار سخيمها
إذا هنّ لم يلحسن من ذي قرابةدما هلست أجسادها ولحومها
للشاعر مغلس بن لقيط، اقرأ القصيدة

وقال الأحيمر السعديّ:

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوىوصوّت إنسان فكدت أطير
للشاعر الأُحَيمِر السَعدي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

وعاو عوى واللّيل مستحلس الندىوقد زحفت للغور تالية النّجم
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

وذلك أنّ الرجل إذا كان باغيا أو زائرا، أو ممّن يلتمس القرى، ولم ير بالليل نارا، عوى ونبح، لتجيبه الكلاب، فيهتدي بذلك إلى موضع الناس.

وقال الشاعر:

ومستنبح أهل الثّرى يلمس القرىإلينا وممساه من الأرض نازح

وقال عمرو بن الأهتم:

ومستنبح بعد الهدوّ دعوتهوقد حان من ساري الشّتاء طروق

فهذا من عواء الفصيل والذئب والكلب.

وقال صاحب الكلب: وممّا قالوا في أنس الكلب وإلفه، وحبّه لأهله ولمن أحسن إليه قول ابن الطّثريّة:

يا أمّ عمرو أنجزي الموعوداوارعي بذاك أمانة وعهودا
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «يا أم عمرو أنجزي الموعودا»
ولقد طرقت كلاب أهلك بالضّحىحتّى تركت عقورهنّ رقودا
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «يا أم عمرو أنجزي الموعودا»
يضربن بالأذناب من فرح بنامتوسّدات أذرعا وخدودا
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «يا أم عمرو أنجزي الموعودا»

وقال الآخر:

لو كنت أحمل خمرا يوم زرتكملم ينكر الكلب أنّي صاحب الدّار
لكن أتيت وريح المسك يفعمنيوالعنبر الورد أذكيه على النار
فأنكر الكلب ريحي حين أبصرنيوكان يعرف ريح الزّقّ والقار
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة

وقال أبو الطّمحان القينيّ في الإلف، وهو يمدح مالك بن حمار الشمخي:

سأمدح مالكا في كلّ ركبلقيتهم وأترك كلّ رذل
للشاعر أبو الطَمحان القَيني، اقرأ القصيدة
فما أنا والبكارة من مخاضعظام جلّة سدس وبزل
وقد عرفت كلابهم ثيابيكأنّي منهم ونسيت أهلي
نمت بك من بني شمخ زنادلها ما شئت من فرع وأصل
للشاعر أبو الطَمحان القَيني، اقرأ القصيدة

وقال الشاعر في أنس الكلاب وإلفها، يذكر رجلا:

عنيف بتسواق العشار ورعيهاولكن بتلقام الثّريد رفيق
سنيد يظلّ الكلب يمضغ ثوبهله في ديار الغانيات طريق

وقال الآخر:

بات الحويرث والكلاب تشمّهوسرت بأبيض كالهلال على الطّوى

وقال ذو الرمة:

رأتني كلاب الحي حتّى ألفننيومدّت نسوج العنكبوت على رحلي

وقال حسّان بن ثابت:

أولاد جفنة حول قبر أبيهمقبر ابن مارية الكريم المفضل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»
بيض الوجوه نقيّة حجزاتهمشمّ الأنوف من الطّراز الأوّل
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهملا يسألون عن السّواد المقبل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

وفي هذا المعنى قال الشاعر:

وبوّأت بيتك في معلمرحيب المباءة والمسرح
كفيت العفاة طلاب القرىونبح الكلاب لمستنبح
ترى دعس آثار تلك المطيّأخاديد كاللّقم الأفيح
ولو كنت في نفق زائغلكنت على الشرك الأوضح

وفي مثل ذلك، وليس في ذكر إلف الكلاب، ولكنّه مما ينبغي أن يكون مجموعا إلى هذه الأشعار، وبك إلى ذلك حاجة شديدة، قال أميّة بن أبي الصّلت:

لا الغيابات منتواك ولكنفي ذرى مشرف القصور ذراكا

وقال البزّار الحلّيّ، في المعنى الأول:

ألف الناس فما ينبحهممن أسيف يبتغي الخير وحرّ

وقال عمران بن عصام:

لعبد العزيز على قومهوغيرهم منن غامره
فبابك ألين أبوابهمودارك آهلة عامره
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «لعبد العزيز على قومه»
وكلبك آنس بالمعتفينمن الأمّ بابنتها الزّائره
وكفّك حين ترى السائلين أندى من اللّيلة الماطره
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «لعبد العزيز على قومه»
فمنك العطاء ومنّا الثّناءبكلّ محبّرة سائره
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «لعبد العزيز على قومه»

وقال هلال بن خثعم:

إنّي لعفّ عن زيارة جارتيوإنّي لمشنوء إليّ اغتيابها
إذا غاب عنها بعلها لم أكن لهازؤورا ولم تأنس إليّ كلابها
وما أنا بالدّاري أحاديث سرّهاولا عالم من أيّ حوك ثيابها
وإنّ قراب البطن يكفيك ملؤهويكفيك سوءات الأمور اجتنابها

وقال حاتم الطائي، وهو حاتم بن عبد الله، ويكنى أبا سفّانة، وكان أسره ثوب ابن شحمة العنبريّ مجير الطير:

إذا ما بخيل النّاس هرّت كلابهوشقّ على الضّيف الغريب عقورها
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ألا أرقت عيني فبت أديره»
فإنّي جبان الكلب بيتي موطّأجواد إذا ما النّفس شحّ ضميرها
للشاعر حاتم الطائي، اقرأ القصيدة
ولكن كلابي قد أقرّت وعوّدتقليل على من يعتريها هريرها

وقال صاحب الكلب: إنّ كثيرا من هجاء الكلب، ليس يراد به الكلب، وإنّما يراد به هجاء رجل، فيجعل الكلب وصلة في الكلام ليبلغ ما يريد من شتمه. وهذا أيضا مما يرتفق الناس به من أسباب الكلاب. ولذلك قال الشاعر:

من دون سيبك لون ليل مظلموحفيف نافجة وكلب موسد
وأخوك محتمل عليك ضغينةومسيف قومك لائم لا يحمد
والضّيف عندك مثل أسود سالخلا بل أحبّهما إليك الأسود

فهذا قول الشاعر. وقال الآخر:

وما يك فيّ من عيب فإنّيجبان الكلب مهزول الفصيل

فهو لم يرد مدح الكلب بالجبن، وإنّما أراد نفسه حين قال:

وحفيف نافجة وكلب موسد

فإن كان الكلب إنما أسره أهله، فإنّما اللوم على من أسره. وإنما هذا الضّرب كقوله:

قوم إذا استنبح الأضياف كلبهمقالوا لأمّهم بولي على النّار
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ما زال فينا رباط الخيل معلمة»

ومعلوم أنّ هذا لا يكون، ولكن حقّر أمرهم وصغّرهم.

وقال ابن هرمة:

وإذا تنوّر طارق مستنبحنبحت فدلّته عليّ كلابي
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «انا من علمت إذا دعيت لغارة»

وقال ابن مهية:

جلبنا الخيل من شعبى تشكّىحوافرها الدوابر والنّسورا
فلما أن طلعن بعين جعديوأهل الجوف أن قتلوا غرورا
ولم يك كلبهم ليفيق حتّىيهارش كلبهم كلبا عقورا

ومعلوم أنّ هذا لا يكون، إنما هو مثل. وقال أعرابيّ:

أخو ثقة قد يحسب المجد فرصةإلى أهله أو ذمّة لا تخفّر
حبيب إلى كلب الكريم نباحهكريه إلى الكوماء والكلب أبصر

وقال ابن هرمة:

وفرحة من كلاب الحيّ يتبعهاشحم يزفّ به الداعي وترعيب
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «وفرحة من كلاب الحي يتبعها»

فهذا قول هؤلاء. وقال الآخر:

هجمنا عليه وهو يكعم كلبهدع الكلب ينبح إنّما الكلب نابح

وقال الآخر:

وتكعم كلب الحيّ من خشية القرىونارك كالعذراء من دونها ستر
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

وقال أعشى بني تغلب:

إذا احتلّت معاوية بن عمروعلى الأطواء خنّقت الكلابا

فالكلب مرّة مكعوم، ومرّة مخنوق، ومرّة موسد ومحرّش، ومرة يجعله جبانا،

ومرّة وثّابا، كما قال الراعي في الحطيئة:

ألا قبّح الله الحطيئة إنّهعلى كلّ ضيف ضافه فهو سالح
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ألا قبح الله الحطيئة إنه»
وقعنا إليه وهو يخنق كلبهدع الكلب ينبح إنّما الكلب نابح

وقال أعشى بني تغلب:

بكيت على زاد خبيث قريتهألا كلّ عبسيّ على الزاد نابح
للشاعر أعشى تغلب، اقرأ القصيدة

وقال الفرزدق:

ولا تنزع الأضياف إلّا إلى فتىإذا ما أبى أن ينبح الكلب أوقدا

(وقال الآخر:

دع الكلب ينبح إنّما الكلب نابح

وقال الآخر:

ألا كلّ كلب لا أبا لك نابح

وقال الفرزدق:

إذا ما أبى أن ينبح الكلب أوقدا)

ومتى صار الكلب يأبى النباح؟! فهذا على أنّهم يتشفّون بذكر الكلب، ويرتفقون به، لا على أنّ هذا الأمر الذي ذكروه قد كان على الحقيقة.

وقال الآخر، وهو جرير:

ولو كنت في نجران أو بعمايةإذن لأتاني من ربيعة راكب
يثير الكلاب آخر اللّيل وطؤهكضبّ العراد خطوه متقارب
فبات يمنّينا الربيع وصوبهوينظر من لقّاعة وهو كاذب
للشاعر جرير، من قصيدة «لو كنت في غمدان أو في عماية»

فذكر تقارب خطوه، وإخفاء حركته، وأنّه مع ذلك قد أثار الكلاب من آخر الليل، وذلك وقت نومها وراحتها، وهذا يدلّ على تيقّظها ودقّة حسّها.

وفيما ذكروا من حالة الكلب لسبب القرى من البرد، والذي يلقى، وكيف الشأن في ذلك، قال أعشى باهلة:

وأجحر الكلب مبيضّ الصّقيع بهوألجأ الحيّ من تنفاحه الحجر

وقال الحطيئة:

إذا أجحر الكلب الصّقيع اتّقينهبأثباج لا خور ولا قفرات
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ألا من لقلب عارم النظرات»

وقال ابن هرمة:

وسل الجار والمعصّب والأضياف وهنا إذا تحبوا لديّا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «وسل الجار والمعصب والأض»
كيف يلقونني إذا نبح الكلب وراء الكسور نبحا خفيّا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «وسل الجار والمعصب والأض»
ومشى الحالب المبسّ إلى النّاب فلم يقر أصفر الحيّ ريّا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «وسل الجار والمعصب والأض»
لم تكن خارجيّة من تراثحادث، بل ورثت ذاك عليّا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «وسل الجار والمعصب والأض»

وقال الأعشى:

وتبرد برد رداء العروس في الصّيف رقرقت فيه العبيرا
وتسخن ليلة لا يستطيع نباحا بها الكلب إلا هريرا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «غشيت لليلى بليل خدورا»

وقال الهذلي:

وليلة يصطلي بالفرث جازرهايختصّ بالنّقرى المثرين داعيها
للشاعر جنوب الهذلية، اقرأ القصيدة
لا ينبح الكلب فيها غير واحدةمن الشّتاء ولا تسري أفاعيها
للشاعر جنوب الهذلية، اقرأ القصيدة

وقال الفرزدق:

إذا احمرّ آفاق السّماء وهتّكتكسور بيوت الحيّ نكباء حرجف
وجاء قريع الشّول قبل إفالهايزفّ وجاءت خلفه وهي زحّف
وهتّكت الأطناب كلّ ذفرّةلها تامك من عاتق النّيّ أعرف
وباشر راعيها الصّلى بلبانهوكفّ لحرّ النار ما يتحرّف
وقاتل كلب الحيّ عن نار أهلهليربض فيها، والصّلا متكنّف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وجاء قريع الشول قبل إفالها»
وأصبح مبيضّ الصّقيع كأنّهعلى سروات النّيب قطن مندّف

تم المصحف الأول ويتلوه المصحف الثاني من كتاب الحيوان وأوله باب احتجاج صاحب الكلب بالأشعار المعروفة

(بسم الله الرّحمن الرحيم)

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.