تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر وصولنا لدار أم السلطان وذكر فضائلها

وأم السلطان تدعى المخدومة جهان، وهي من أفضل النساء، كثيرة الصدقات، عمرت زوايا كثيرة، وجعلت فيها الطعام للوارد والصادر وهي مكفوفة البصر؛ وسبب ذلك أنه لما ملك ابنها جاء إليها جميع الخواتين وبنات الملوك والأمراء في أحسن زي وهي على سرير الذهب المرصع بالجوهر، فخَدَمْنَ بين يديها جميعًا، فذهب بصرها للحين، وعولجت بأنواع العلاج فلم ينفع، وولدها أشد الناس برًّا به، ومن بره أنها سافرت معه مرة فقَدِمَ السلطان قبلها بمدة، فلما قَدِمَتْ خرج لاستقبالها وتَرَجَّلَ عن فرسه، وقَبَّلَ رِجْلها وهي في المحفة بمرأًى من الناس أجمعين، ولْنَعُدْ لما قصدناه فنقول: ولما انصرفنا عن دار السلطان خرج الوزير ونحن معه إلى باب الصرف، وهم يسمونه باب الحرم، وهنالك سكنى المخدومة جهان، فلما وصلْنَا بابها نزلنا عن الدواب، وكل واحد منا قد أتى بهدية على قدر حاله، ودخل معنا قاضي قضاة المماليك كمال الدين بن البرهان، فخدم الوزير والقاضي عند بابها، وخدمنا كخدمتهم، وكتب كاتب بابها هدايانا، ثمَّ خرج من الفتيان جماعة وتقدم كبارهم إلى الوزير فكلموه سرًّا، ثمَّ عادوا إلى القصر، ثمَّ رجعوا إلى الوزير، ثم عادوا إلى القصر ونحن وقوف، ثمَّ أمرنا بالجلوس في سقيف هنالك، ثمَّ أتوا بالطعام، وأتوا بقلال من الذهب يسمونها السين (بضم السين والياء آخر الحروف) وهي مثل القدور ولها مرافع من الذهب تجلس عليها يسمونها السبك (بضم السين وبضم الباء الموحدة)، وأتوا بأقداح وطسوت وأباريق كلها ذهب، وجعلوا الطعام سماطين، وعلى كل سماط صَفَّان، ويكون في رأس الصف كبير القوم الواردين.

ولما تَقَدَّمْنا للطعام خدم الحجاب والنقباء وخدمنا لخدمتهم، ثم أتوا بالشربة فشربنا، وقال الحجاب بسم الله ثم أكلنا، وأتوا بالفقاع ثم بالتنبول، ثم قال الحجاب بسم الله فخدمنا جميعًا، ثم دعينا إلى موضع هنالك، فخلع علينا خلع الحرير المذهبة، ثم أتوا بنا إلى باب القصر فخدمنا عنده، وقال الحجاب بسم الله ووقف الوزير ووقفنا معه، ثم أخرج من داخل القصر تحت ثياب غير مخيطة من حرير وكتان وقطن، فأعطي كل واحد منا نصيبه منها، ثم أتوا بطيفور ذهب فيه الفاكهة اليابسة وبطيفور مثله فيه الجلاب وطيفور ثالث فيه التنبول، ومن عادتهم أن الذي يخرج له ذلك يأخذ الطيفور بيده ويجعله على كاهله، ثم يخدم بيده الأخرى إلى الأرض، فأخذ الوزير الطيفور بيده قصد أن يعلمني كيف أفعل إيناسًا منه وتواضعًا ومبرة جزاه الله خيرًا، ففعلت كفعله ثم انصرفنا إلى الدار المعدة لنزولنا بمدينة دهلي وبمقربة من دروازة بالم منها وبعثت لنا الضيافة.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.