تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر الضيافة

ولما وصلت إلى الدار التي أُعِدَّتْ لنزولي، وَجَدْتُ فيها ما يُحْتاج إليه من فُرُش وبُسُط وحُصُر وأوانٍ وسرير الرقاد، وأَسِرَّتهم بالهند خفيفة الحمل، يَحْمِل السريرَ منها الرجلُ الواحد، ولا بد لكل أحد أن يستصحب السرير في السفر يحمله غلامه على رأسه، وهو أربع قوائم مخروطة، يعرض عليها أربعة أعواد، وتنسج عليها ضفائر من الحرير أو القطن، فإذا نام الإنسان عليه لم يَحْتَجْ إلى ما يرطبه به؛ لأنه يعطي الرطوبة من ذاته، وجاءوا مع السرير بمضربتين ومخدتين ولحاف كل ذلك من الحرير، وعادتهم أن يجعلوا للمضربات واللحوف (واللحف) وجوهًا تغشيها من كتان أو قطن بيضًا، فمتى تَوَسَّخَتْ غسلوا الوجوه المذكورة، وبقي ما في داخلها مصونًا، وأتوا تلك الليلة برجلين أحدهما الطاحوني ويسمونه الخراص والآخر الجزار ويسمونه القصاب، فقالوا: لتأخذوا من هذا كذا وكذا من الدقيق، ومن هذا كذا وكذا من اللحم لأوزان لا أذكرها الآن، وعادتهم أن يكون اللحم الذي يعطون بقدر وزن الدقيق، وهذا الذي ذكرناه ضيافة أم السلطان، وبعد ذلك وَصَلَتْنا ضيافة السلطان وسنذكرها، ولما كان من غدِ ذلك اليوم ركبنا إلى دار السلطان، وسَلَّمْنا على الوزير، فأعطاني بدرتين، كل بدرة من ألف دينار دراهم، وقال لي: هذه سرششتي (شستي) ومعناه لغسل رأسك، وأعطاني خلعة من المرعز وكتب جميع أصحابي وخدامي وغلماني فجُعِلُوا أربعة أصناف؛ فالصنف الأول منها أُعْطِيَ كلُّ واحد منهم مائتي دينار، والصنف الثاني أُعْطِيَ كل واحد منهم مائة وخمسين دينارًا، والصنف الثالث أُعْطِيَ كل واحد مائة دينار، والصنف الرابع أُعْطِيَ كل واحد خمسة وسبعين دينارًا، وكانوا نحو أربعين، وكان جملة ما أُعْطُوه أربعة آلاف دينار ونيفًا، وبعد ذلك عُيِّنَتْ ضيافة السلطان، وهي ألف رطل هندية من الدقيق ثلثها من الميرا وهو الدرمك، وثلثاها من الخشكار وهو المدهون، وألف رطل من اللحم، ومن السكر والسمن والسيلف والفوفل أرطال كثيرة لا أَذْكُر عددها، والألف من ورق التنبول، والرطل الهندي عشرون رطلًا من أرطال المغرب، وخمسة وعشرون من أرطال مصر، وكانت ضيافة خداوند زاده أربعة آلاف رطل من الدقيق ومثلها من اللحم، مع ما يناسبها مما ذكرناه.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.