تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر وفاة بنتي وما فعلوا في ذلك

ولما كان بعد شهر ونصف من مقدمنا تُوُفِّيَتْ بنت لي سنها دون السنة، فاتصل خبر وفاتها بالوزير فأَمَرَ أن تُدْفَن في زاوية بناها خارج دروازة بالم بقرب مقبرة هنالك لشيخنا إبراهيم القونوي، فدفنَّاها بها وكُتِبَ بخبرها إلى السلطان، فأتاه الجواب في عشيِّ اليوم الثاني، وكان بين متصيد السلطان وبين الحضرة مسيرة عشرة أيام، وعادتهم أن يخرجوا إلى قبر الميت صبيحة الثالث مِنْ دَفْنه، ويفرشون جوانب القبر بالبسط وثياب الحرير، ويجعلون على القبر الأزاهير، وهي لا تنقطع هنالك في فصل من الفصول كالياسمين وقل شبه (كل شبو) وهي زهر أصفر وريبول وهو أبيض والنسرين وهو على صنفين أبيض وأصفر، ويجعلون أغصان النارنج والليمون بثمارها، وإن لم يكن فيها ثمار علقوا منها حبات بالخيوط، ويصبون على القبر الفواكه اليابسة وجوز النارجيل، ويجتمع الناس ويؤتى بالمصاحف فيقرءون القرآن فإذا ختموه أتوا بماء الجلاب فسقوه الناس، ثم يصب عليهم ماء الورد صبًّا، ويعطون التنبول وينصرفون، ولما كان صبيحة الثالث مِنْ دَفْن هذه البنت خرجت عند الصبح على العادة، وأعددت ما تيسر من ذلك كله، فوجدت الوزير قد أمر بترتيب ذلك، وأمر بسراحة فضربت على القبر، وجاء الحاجب شمس الدين الفوشنجي الذي تلقانا بالسند والقاضي نظام الدين الكرواني وجملة من كبار أهل المدينة، ولم آت إلا والقوم المذكورون وقد أخذوا مجالسهم والحاجب بين أيديهم وهم يقرءون القرآن فقعدت مع أصحابي بمقربة من القبر، فلما فرغوا من القراءة قرأ القراء بأصوات حسان، ثمَّ قام القاضي فقرأ رثاء في البنت المتوفاة وثناء على السلطان، وعند ذِكْر اسمه قام الناس جميعًا قيامًا فخدموا ثمَّ جلسوا ودعا القاضي دعاء حسنًا.

ثمَّ أخذ الحاجب وأصحابه براميل ماء الورد، فصبوا على الناس، ثمَّ داروا عليهم بأقداح شربة النبات، ثمَّ فرقوا عليهم التنبول، ثمَّ أتي بإحدى عشرة خلعة لي ولأصحابي، ثمَّ ركب الحاجب وركبنا معه إلى دار السلطان، فخدمنا للسرير على العادة، وانصرفت إلى منزلي، فما وصلت إلَّا وقد جاء الطعام من دار المخدومة جهان ما ملأ الدار ودور أصحابي، وأكلوا جميعًا وأكل المساكين، وفضلت الأقراص والحلواء والنبات فأقامت بقاياها أيامًا، وكان فعل ذلك كله بأمر السلطان، وبعد أيام جاء الفتيان من دار المخدومة جهان بالدولة، وهي المحفة التي يحمل فيها النساء ويركبها الرجال أيضًا، وهي شبه السرير سطحها من ضفائر الحرير أو القطن، وعليها عود شبه الذي على البوجات عندنا معوج من القصب الهندي المغلوق، ويحملها ثمانية رجال في نوبتين يستريح أربعة ويحمل أربعة، وهذه الدول بالهند كالحمير بديار مصر عليها يتصرف أكثر الناس، فمن كان له عبيد حملوه، ومن لم يكن له عبيد اكترى رجالًا يحملونه، وبالبلد منهم جماعة يسيرة يقفون في الأسواق، وعند باب السلطان وعند أبواب الناس للكرى، وتكون دول النساء مغشاة حرير، وكذلك كانت هذه الدولة التي أتى الفتيان بها من دار أم السلطان، فحملوا فيها جاريتي التي هي أم البنت المتوفاة، وبعثت أنا معها عن هدية جارية تركية، فأقامت الجارية أم البنت عندهم ليلة، وجاءت في اليوم الثاني، وقد أعطوها ألف دينار وأساور ذهب مرصعة وتهليلًا من الذهب مرصعًا أيضًا وقميص كتان مزركشًا بالذهب وخلعة حرير مذهبة ونختًا بأثواب، ولما جاءت بذلك كله أعطيته لأصحابي وللتجار الذين لهم عليَّ الدين؛ محافظةً على نفسي وصونًا لعرضي؛ لأن المخبرين يكتبون إلى السلطان بجميع أحوالي.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.