تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر طلب الغرماء ما لهم قبلي ومدحي للسلطان وأمره بخلاص ديني وتوقف ذلك مدة

وكنت حسبما ذكرته قد استدنت من التجار مالًا أنفقته في طريقي، وما صنعت به الهدية للسلطان، وما أنفقته في إقامتي، فلما أرادوا السفر إلى بلادهم ألحوا علي في طلب ديونهم، فمدحت السلطان بقصيدة طويلة أولها (طويل):

إليك أمير المؤمنين المبجلَاأتينا نجدُّ السير نحوك في الفلَا
فجئت محلًّا من علائك زائرًاومغناك كهف للزيارة أُهِّلَا
فلو أن فوق الشمس للمجد رتبةلكنت لأعلاها إمامًا مُؤَهَّلَا
فأنت الإمام الماجد الأوحد الذيسجاياه حتمًا أن يقول ويَفْعَلَا
ولي حاجة من فيض جودك أرتجيقضاها وقصدي عند مجدك سهلَا
أأذكرها أم قد كفاني حياؤكمفإن حياكم ذكره كان أجملَا
فعجل لمن وافى محلك زائرًاقضا دينه إن الغريم تعجلَا

فقدمتها بين يديه وهو قاعد على كرسي، فجعلها على ركبته، وأمسك طرفها بيده وطرفها الثاني بيدي، وكنت إذا أكملت بيتًا منها أقول لقاضي القضاة كمال الدين الغزنوي بين معناه لخوند عالم فيبينه، ويعجب السلطان، وهم يحبون الشعر العربي، فلما بلغت إلى قولي فعجل لمن وافى البيت قال مرحمة ومعناه ترحمت عليك، فأخذ الحجاب حينئذٍ بيدي ليذهبوا بي إلى موقفهم، وأخدم على العادة فقال السلطان: اتركوه حتى يكملها، فأكملتها وخدمت وهنأني الناس بذلك، وأقمت مدة، وكتبت رفعًا وهم يسمونه عرض داشت، فدفعته إلى قطب الملك صاحب السند، فدفعه للسلطان فقال له: امْضِ إلى خواجة جهان فقل له، يعطي دينه، فمضى إليه وأعلمه فقال نعم، وأبطأ ذلك أيامًا، وأمره السلطان في خلالها بالسفر إلى دولة آباد، وفي أثناء ذلك خرج السلطان إلى الصيد وسافر الوزير، فلم آخذ شيئًا منها إلَّا بعد مدة، والسبب الذي توقف به عطاؤها أذكره مستوفًى، وهو أنه لما عزم الذين كان لهم علي الدين إلى السفر قلت لهم: إذا أنا أتيت دار السلطان فدرهوني على العادة في تلك البلاد؛ لعلمي أن السلطان متى يعلم بذلك خلصهم، وعادتهم أنه متى كان لأحد دين على رجل من ذوي العناية وأعوزه خلاصه، وقف له بباب دار السلطان، فإذا أراد الدخول قال له دروهي السلطان، وحق رأس السلطان ما تدخل حتى تخلصني، فلا يمكنه أن يبرح من مكانه حتى يخلصه، أو يرغب إليه في تأخيره.

فاتفق يومًا أن خرج السلطان إلى زيارة قبر أبيه، ونزل بقصر هنالك فقلت لهم: هذا وقتكم، فلما أردت الدخول وقفوا إلي بباب القصر فقالوا لي دروهي السلطان ما تدخل حتى تخلصنا، وكتب كتاب الباب بذلك إلى السلطان، فخرج حاجب قصة شمس الدين وكان من كبار الفقهاء فسألهم لأي شيء درهمتموه فقالوا: لنا عليه الدين، فرجع إلى السلطان فأعلمه بذلك، فقال له: اسألهم كم مبلغ الدين فسألهم فقالوا له خمسة وخمسون ألف دينار، فعاد إليه فأعلمه، فأمره أن يعود إليهم، ويقول لهم: إنَّ خوند عالم يقول لكم المال عندي وأنا أنصفكم منه فلا تطلبوه به، وأمر عماد الدين السمناني وخداوند زاده غياث الدين أن يقعدوا بهزار أسطون، ويأتي أهل الدين بعقودهم وينظروا إليها ويتحققوها ففعلًا ذلك وأتى الغرماء بعقودهم، فدخلا إلى السلطان وأعلماه بثبوت العقود فضحك وقال ممازحًا: أنا أعلم أنه فاض جهز شغله فيها، ثم أمر خداوند زاده أن يعطيني ذلك من الخزانة فطمع في الرشوة على ذلك وامتنع أن يكتب خط خرد فبعث إليه مائتي تنكة فردها ولم يأخذها، وقال لي عنه بعض خدامه أنه طلب خمسمائة تنكة، فامتنعت من ذلك، وأعلمت عميد الملك بن عماد السمناني بذلك فاعلم به إياه وعلمه الوزير، وكانت بينه وبين خداوند زاده عداوة، فأعلم السلطان بذلك، وذكر له كثيرًا من أفعال خداوند زاده، فغير خاطر السلطان عليه، فأمر بحبسه في المدينة، وقال: لأي شيء أعطاه فلان ما أعطاه، ووقفوا ذلك حتى يُعْلَم هل يعطي خداوند زاده شيئًا إذا مَنَعْتَه أو يمنعه إذا أعطيته، فبهذا السبب توقف عطاء ديني.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.