من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر قدوم السلطان ولقائنا له
ولما كان في رابع شوال نزل السلطان بقصر يسمى تلبت (بكسر التاء المعلوة الأولى وسكون اللام وفتح الباء الموحدة ثم تاء كالأولى)، وهي على مسافة سبعة أميال من الحضرة، فأمَرَنَا الوزير بالخروج إليه فخرجنا، ومع كل إنسان هديته من الخيل والجمال والفواكه الخراسانية والسيوف المصرية والمماليك والغنم المجلوبة من بلاد الأتراك، فوصلنا إلى باب القصر وقد اجتمع جميع القادمين، فكانوا يدخلون إلى السلطان على قَدْر مراتبهم، ويخلع عليهم ثياب الكتان المزركشة بالذهب، ولما وَصَلَت النوبة إليَّ دَخَلْتُ، فوجدت السلطان قاعدًا على كرسي فظننته أحد الحُجَّاب، حتى رأيت معه ملك الندماء ناصر الدين الكافي الهروي، وكنت عَرَفْتُه أيام غيبة السلطان، فخدم الحاجب فخدمت، واستقبلني أمير حاجب وهو ابن عم السلطان المسمى بفيروز، وخدمت ثانية لخدمته، ثم قال لي ملك الندماء: بسم الله مولانا بدر الدين، وكانوا يدعونني بأرض الهند بدر الدين، وكل من كان من أهل الطلب إنما يقال له مولانا، فقربت من السلطان حتى أخذ بيدي وصافحني، وأمسك يدي، وجعل يخاطبني بأحسن خطاب، ويقول لي باللسان الفارسي: حلت البركة، قدومك مبارك، اجمع خاطرك، أعمل معك من المراحم، وأعطيك من الأنعام ما يسمع به أهل بلادك فيأتون إليك، ثم سألني عن بلادي، فقلت: له بلاد المغرب، فقال لي بلاد عبد المؤمن؟ فقلت له: نعم، وكان كلما قال لي كلامًا جيدًا قَبَّلْتُ يده، حتى قَبَّلْتُها سبع مرات، وخلع علي وانصرفت واجتمع الواردون، فمد لهم سماط، ووقف على رءوسهم قاضي القضاة صدر الجهان ناصر الدين الخوارزمي، وكان من كبار الفقهاء، وقاضي قضاة المماليك صدر الجهان كمال الدين الغزنوي، وعماد الملك عرض الماليك والملك جلال الدين الكيجي وجماعة من الحجاب والأمراء.
وحضر لذلك خداوند زاده غياث الدين بن عم خداوند زاده قوام الدين قاضي الترمذ الذي قَدِمَ معنا، وكان السلطان يعظمه ويخاطبه بالأخ، وتردد إليه مرارًا من بلاده، والواردون الذين خلع عليهم في ذلك هم خداوند زاده قوام الدين وإخوته ضياء الدين وعماد الدين وبرهان الدين وابن أخته أمير بخت ابن السيد تاج الدين وكان جده وجيه الدين وزير خراسان، وكان خاله علاء الدين أمير هند ووزيرًا أيضًا، والأمير هبة الله بن الفلكي التبريزي، وكان أبوه نائب الوزير بالعراق، وهو الذي بنى المدرسة الفلكية بتبريز، وملك كراي من أولاد بهرام جور (جوبين) صاحب كسرى، وهو من أهل جبل بدخشان الذي منه يُجْلَب الياقوت البلخش واللازورد، والأمير مبارك شاه السمرقندي وأرون بغا البخاري، وملك زاده الترمذي، وشهاب الدين الكازروني التاجر الذي قَدِمَ من تبريز بالهدية إلى السلطان فسُلِبَ في طريقه.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع