من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر عطاء ثانٍ أمر لي به وتوقفه مدة
وكنت يومًا بالمشور بعد أيام من توليتي القضاء والإحسان إلي وأنا قاعد تحت شجرة هنالك، وإلى جانبي مولانا ناصر الدين الترمذي العالم الواعظ، فأتى بعض الحجاب فدعى مولانا ناصر الدين، فدخل إلى السلطان، فخلع عليه وأعطاه مصحفًا مكللًا بالجوهر، ثمَّ أتاني بعض الحجاب، فقال: أعطني شيئًا، وآخذ لك خط خرد باثني عشر ألفًا أمر لك بها خوند عالم، فلم أُصَدِّقْه وظننته يريد الحيلة عليَّ وهو مُجِدٌّ في كلامه، فقال بعض الأصحاب: أنا أعطيه، فأعطاه دينارين أو ثلاثة، وجاء بخط خرد ومعناه الخط الأصغر مكتوبًا بتعريف الحاجب، ومعناه أمر خوند عالم أن يعطى من الخزانة الموفورة كذا لفلان بتبليغ فلان أي بتعريفه، ويكتب المُبْلِغ اسْمَه، ثم يكتب على تلك البراءة ثلاثة من الأمراء؛ وهم الخان الأعظم قطلو خان معلم السلطان، والخريطة دار وهو صاحب خريطة الكاغد والأقلام والأمير نكبية الدوادار صاحب الدوات، فإذا كتب كل واحد منهم خطه يذهب بالبراءة إليَّ ديوان الوزارة فينسخها كتاب الديوان عندهم، ثمَّ تثبت في ديوان الأشراف، ثمَّ تثبت في ديوان النظر، ثمَّ تكتب اليروانة وهي الحكم من الوزير للخازن بالعطاء، ثمَّ يثبتها الخازن في ديوانه، ويكتب تلخيصًا في كل يوم بمبلغ ما أمر به السلطان ذلك اليوم من المال ويعرضه عليه، فمن أراد التعجيل بعطائه أمر بتعجيله، ومن أراد التوقيف وقف له، ولكن لا بُدَّ من عطاء ذلك ولو طالت المدة، فقد توقفت هذه الأثناء عشر الفاستة أشهر، ثمَّ أخذتها مع غيرها حسبما يأتي، وعادتهم إذا أمر السلطان بإحسان لأحد يحط منه العشرة، فمن أمر له مثلًا بمائة ألف أعطي تسعين الفًا أو بعشرة آلاف أعطي تسعة آلاف.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع