تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر دخولنا إليه وما أَنْعَمَ به من الإحسان والولاية

ولما كان يوم الجمعة ثاني يوم دخول السلطان أتينا باب المشور، فجلسنا في سقائف الباب الثالث، ولم يكن الإذن حصل لنا بالدخول، وخرج الحاجب شمس الدين الفوشنجي، فأمر الكُتَّاب أن يكتبوا أسماءنا، وأَذِنَ لهم في دخولنا ودخول بعض أصحابنا وعين للدخول معي ثمانية فدخلنا ودخلوا معنا، ثم جاءوا بالبدر والقبان وهو الميزان، وقعد قاضي القضاة والكُتَّاب، ودعوا من الباب من الأعزة وهم الغرباء، فعينوا لكل إنسان نصيبه من تلك البدر، فحصل لي منها خمسة آلاف دينار، وكان مبلغ المال مائة ألف دينار، تصدقَتْ به أم السلطان لما قدم ابنها، وانصرفنا ذلك اليوم، وكان السلطان بعد ذلك يستدعينا للطعام بين يديه، ويسأل عن أحوالنا، ويخاطبنا بأجمل كلام، ولقد قال لنا في بعض الأيام: أنتم شرفتمونا بقدومكم، فما نَقْدِرْ على مكافأتكم، فالكبير منكم مقام والدي والكهل مقام أخي والصغير مقام ولدي، وما في ملكي أعظم من مدينتي هذه أعطيكم إياها فشكرناه ودعونا له، ثم بعد ذلك أَمَرَ لنا بالمرتبات فعَيَّنَ لي اثني عشر ألف دينار في السنة، وزادني قريتين على الثلاث التي أَمَرَ لي بها قبل؛ إحداهما قرية جوزة والثانية قرية ملك بور، وفي بعض الأيام بعث لنا خداوند زاده غياث الدين وقطب الملك صاحب السند فقالا لنا: إنَّ خوند عالم يقول لكم: مَنْ كان منكم يصلح للوزارة أو الكتابة أو الإمارة أو القضاء أو التدريس أو المشيخة أعطيته ذلك فسكت الجميع؛ لأنهم كانوا يريدون تحصيل الأموال والانصراف إلى بلادهم.

وتَكَلَّمَ أمير بخت ابن السيد تاج الدين الذي تَقَدَّمَ ذِكْرُه، فقال: أما الوزارة فميراثي، وأما الكتابة فشغلي، وغير ذلك لا أعرفه، وتكلم هبة الله بن الفلكي فقال مثل ذلك، وقال لي خداوند زاده بالعربي: ما تقول أنت يا سيدي وأهل تلك البلاد ما يدعون العربي إلَّا بالتسويد، وبذلك يخاطبه السلطان تعظيمًا للعرب، فقلت له: أمَّا الوزارة والكتابة فليست شغلي، وأمَّا القضاء والمشيخة فشغلي وشغل آبائي، وأمَّا الإمارة فتعلمون أن الأعاجم ما أسلمت إلَّا بأسياف العرب، فلما بلغ ذلك إلى السلطان أعجبه كلامي، وكان بهزار أسطون يأكل الطعام، فبعث عنا فأكلنا بين يديه وهو يأكل، ثم انصرفنا إلى خارج هزار أسطون، فقعد أصحابي، وانصرفت بسبب دمل كان يمنعني الجلوس، فاستدعانا السلطان ثانية، فحضر أصحابي واعتذروا له عني، وجئت بعد صلاة العصر فصليت بالمشور المغرب والعشاء الآخرة، ثمَّ خرج الحاجب فاستدعانا فدخل خداوند زاده ضياء الدين وهو أكبر الإخوة المذكورين، فجعله السلطان أمير داد وهو من الأمراء الكبار، فجلس بمجلس القاضي، فمن كان له حق على أمير أو كبير أحضره بين يديه، وجعل مرتبه على هذه الخطة خمسين ألف دينار في السنة عين له مجاشر فائدها ذلك المقدار، فأمر له بخمسين ألفًا عن يد، وخلع عليه خلعة حرير مزركشة تسمى صورة الشير ومعناه صورة السبع؛ لأنه يكون في صدرها وظهرها صورة سبع، وقد خيطَ في باطن الخلعة بطاقة بمقدار ما زُرْكِش فيها من الذهب، وأمر له بفرس من الجنس الأول.

والخيل عندهم أربعة أجناس، وسروجهم كسروج أهل مصر، ويكسون أعظمها بالفضة المذهبة، ثم دخل أمير بخت فأمره أن يجلس مع الوزير في مشده، ويقف على محاسبات الدواوين، وعين له مرتبًا أربعين ألف دينار في السنة، أُعْطِيَ مجاشر فائدها بمقدار بمقدار ذلك، وأُعْطِيَ أربعين ألفًا عن يد، وأُعْطِيَ فرسًا مجهزًا، وخلع عليه كخلعة الذي قبله ولقب شرف الملك، ثم دخل هبة الله ابن الفلكي، فجعله رسول دار، ومعناه حاجب الإرسال، وعَيَّنَ له مرتبًا أربعين ألف دينار في السنة أُعْطِىَ مجاشر يكون فائدها بمقدار ذلك، وأُعْطِيَ أربعة وعشرين ألفًا عن يد، وأُعْطِيَ فرسًا مجهزًا وخلعة، وجُعِلَ لقبه بهاء الملك، ثم دخلت فوجدت السلطان على سطح القصر مستندًا إلى السرير والوزير خواجة جهان بين يديه والملك الكبير قبولة واقف بين يديه، فلما سلمت عليه قال لي الملك الكبير: اخدم فقد جعلك خوند عالم قاضي دار الملك دهلي، وجعل مرتبك اثني عشر ألف دينار في السنة، وعين لك مجاشر بمقدارها، وأمر لك باثني عشر ألفًا نقدًا تأخذها من الخزانة غدًا إن شاء الله، وأعطاك فرسًا بسرجه ولجامه، وأمر لك بخلعة محاربين، وهي التي يكون في صدرها وظهرها شكل محراب.

فخدمت وأخذ بيدي فتقدم بي إلى السلطان، فقال لي السلطان: لا تحسب قضاء دهلي من أصغر الأشغال، هو أكبر الأشغال عندنا، وكنت أفهم قوله ولا أحسن الجواب عنه، وكان السلطان يفهم العربي ولا يحسن الجواب عنه، فقلت له: يا مولانا أنا على مذهب مالك وهؤلاء حنفية وأنا لا أعرف اللسان، فقال لي قد عينت بهاء الدين الملتاني وكمال الدين البجنوري ينوبان عنك ويشاورانك، وتكون أنت تسجل على العقود، وأنت عندنا بمقام الولد، فقلت له: بل عبدكم وخديمكم، فقال لي باللسان العربي: بل أنت سيدنا ومخدومنا تواضعًا منه وفضلًا وإيناسًا، ثم قال لشرف الملك أمير بخت: إن كان الذي ترتب لا يكفيه لأنه كثير الإنفاق فأنا أعطيه زاوية إن قدر على إقامة حال الفقراء، وقال: قل له هذا بالعربي، وكان يظن أنه يحسن العربي ولم يكن كذلك وفهم السلطان ذلك، فقال له بروو يكجا بخصبي (بخسبي) وإن حكاية براوبكوي وتفيهم كني (بكني) تافردا إن شاء الله ييش من بيايي «و» جواب أوبكري (بكوي) معناه امشوا الليلة، فارقدوا في موضع واحد، وفهمه هذه الحكاية، فإذا كان بالغد إن شاء الله تجيء إلي وتعلمني بكلامه.

فانصرفنا وذلك في ثلث الليل وقد ضربت النوبة، والعادة عندهم إذا ضربت لا يخرج أحد، فانتظرنا الوزير حتى خرج وخرجنا معه، ووجدنا أبواب دهلي مسدودة، فبتنا عند السيد أبي الحسن العبادي العراقي بزقاق يُعْرَف بسرابور خان، وكان هذا الشيخ يَتَّجِر بمال السلطان، ويشتري له الأسلحة والأمتعة بالعراق وخراسان، ولما كان بالغد بعث عنا، فقبضنا الأموال والخيل والخلع، وأخذ كلُّ واحد منا البدرة بالمال، فجعلها على كاهله، ودخلنا كذلك على السلطان فخدمنا وأتينا بالأفراس، فقبلنا حوافرها بعد أن جُعِلَتْ عليها الخرق، وقددناها بأنفسنا إلى باب دار السلطان فركبناها وذلك كله عادة عندهم، ثم انصرفنا وأَمَرَ السلطان لأصحابي بألفي دينار وعشر خلع، ولم يُعْطَ لأصحابي أحدٌ سواي شيئًا، وكان أصحابي لهم رواء ومنظر فأعجبوا السلطان، وخدموا بين يديه وشَكَرَهُم.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.