من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر الجملين اللذين أهديتهما إليه والحلواء وأمره بخلاص ديني وما تعلق بذلك
ولما عاد إلى راجلي الذي بعثته بالجمل فأخبرني بما كان من شأنه صنعت كورين اثنين، وجعلت مقدم كل واحد ومؤخره مكسوًّا بصفائح الفضة المذهبة وكسوتهما بالملف، وصنعت رسنًا مصفحًا بصفائح الفضة، وجعلت لهما جلين من زردخانة مبطنين بالكمخا، وجعلت للجملين الخلاخيل من الفضة المذهبة، وصنعت أحد عشر طيفورًا، وملأتها بالحلواء، وغطيت كل طيفور بمنديل حرير، فلما قدم السلطان من الصيد وقعد ثاني يوم قدومه بموضع جلوسه العام غدوت عليه بالجمال، فأمر بها فحركت بين يديه، وهرولت فطار خلخال أحدها فقال لبهاء الدين بن الفلكي بايل ورداري معنى ذلك ارفع الخلخال فرفعه، ثم نظر إلى الطيافير فقال جداري (جه داري) درآ طبقها حلوا أسث معنى ذلك ما معك في تلك الأطباق، حلواء هي؟ فقلت له: نعم، فقال للفقيه ناصر الدين الترمذي الواعظ ما أكلت قط ولا رأيت مثل الحلواء التي بعثها إلينا، ونحن بالمعسكر، ثم أمر بتلك الطيافير أن ترفع لموضع جلوسه الخاص فرفعت وقام إلى مجلسه، واستدعاني وأمر بالطعام فأكلت، ثمَّ سألني عن نوع من الحلواء الذي بعثت له قبل فقلت له: يا خوند عالم تلك الحلواء أنواعها كثيرة، ولا أدري عن أي نوع تسألون منها فقال: ائتوا بتلك الأطباق وهم يسمون الطيفور طبقًا، فأتوا بها وقدموها بين يديه وكشفوا عنها فقال: عن هذا سألتك، وأخذ الصحن الذي هي فيه، فقلت له: هذه يقال لها المقرصة.
ثمَّ أخذ نوعًا آخر فقال: وما اسم هذه؟ فقلت له هي لقيمات القاضي، وكان بين يديه تاجر من شيوخ بغداد يُعْرَف بالسامري، وينتسب إلى آل العباس رضي الله تعالى عنه وهو كثير المال، ويقول له السلطان والدي فحسدني وأراد أن يخجلني، فقال: ليست هذه لقيمات القاضي بل هي هذه، وأخذ قطعة من التي تسمى جلد الفرس، وكان بإزائه ملك الندماء ناصر الدين الكافي الهروي، وكان كثيرًا ما يمازح هذا الشيخ بين يدي السلطان، فقال له يا خواجة: أنت تكذب والقاضي يقول الحق، فقال له السلطان: وكيف ذلك؟ فقال: يا خوند عالم هو القاضي وهي لقيماته فإنه أتى به، فضحك السلطان وقال: صدقت، فلما فرغنا من الطعام أكل الحلواء، ثمَّ شرب الفقاع بعد ذلك، وأخذنا التنبول وانصرفنا، فلم يكن غير هنيهة، وأتاني الخازن فقال: ابعث أصحابك يقبضون المال فبعثتهم وعدت إلى داري بعد المغرب، فوجدت المال بها وهو ثرث بدر فيها ستة آلاف ومائتان وثلاث وثلاثون تنكة وذلك صرف الخمسة والخمسين ألفًا التي هي دين علي وصرف الاثني عشر ألفًا التي أمر لي بها فيما تقدم بعد حط العشر على عادتهم وصرف التنمة ديناران ونصف دينار من ذهب المغرب.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع