تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر خروج السلطان وأمره لي بالإقامة بالحضرة

وفي تاسع جمادى الأولى خرج السلطان برسم قصد بلاد المعبر وقتال القائم بها، وكنت قد خلصت أصحاب الدين، وعزمت على السفر، وأعطيت مرتب تسعة أشهر للكهارين والفراشين والكيوانية والدوادرية — وقد تَقَدَّمَ ذِكْرُهم — فخرج الأمر بإقامتي في جملة ناس، وأخذ الحاجب خطوطنا بذلك لتكون حجة له، وتلك عادتهم خوفًا من أن ينكر المبلغ، وأمر لي بستة آلاف دينار دراهم، وأمر لابن قاضي مصر بعشرة آلاف، وكذلك كل من أقام من الأعزة، وأما البلديون فلم يعطوا شيئًا، وأمر لي السلطان أن أتولى النظر في مقبرة السلطان قطب الدين الذي تَقَدَّمَ ذِكْرُه، وكان السلطان يعظم تربته تعظيمًا شديدًا؛ لأنه كان خديمًا له، ولقد رأيته إذا أتى قبره يأخذ نعله فيقبله ويجعله فوق رأسه، وعادتهم أن يجعلوا نعل الميت عند قبره فوق متكأة، وكان إذا وصل القبر خدم له كما كان يخدم أيام حياته، وكان يعظم زوجته ويدعوها بالأخت، وجعلها مع حرمه وزوجها بعد ذلك لابن قاضي مصر، واعتنى به من أجلها، وكان يمضي لزيارتها في كل جمعة، ولما خرج السلطان بعث عنا للوداع فقام ابن قاضي مصر فقال: أنا لا أودع ولا أفارق خوند عالم، فكان له في ذلك الخير فقال له السلطان: امْضِ فتَجَهَّزْ للسفر، وقدمت بعده للوداع، وكنت أحب الإقامة، ولم تكن عاقبتها محمودة فقال مالك من حاجة، فأخرجت بطاقة فيها ست مسائل فقال لي: تكلم بلسانك، فقلت له: إن خوند عالم أمر لي بالقضاء وما قعدت لذلك بعد وليس مرادي من القضاء إلا حرمته، فأمرني بالقعود للقضاء وقعود النائبين معي، ثم قال لي إيه؟ فقلت وروضة السلطان قطب الدين ماذا أفعل بها، فإني رتبت فيها أربعمائة وستين شخصًا ومحصول أوقافها لا يفي بمرتباتهم وطعامنا معهم؟ فقال للوزير ينجاه هزار ومعناه خمسون ألفًا، ثم قال: لا بد لك من غلة بدية يعني أعطه مائة ألف من المغلة وهي القمح والأرز ينفقها في هذه السنة حتى تأتي غلة الروضة، والمن عشرون رطلًا مغربية، ثم قال لي وماذا أيضًا؟ فقلت: إن أصحابي سجنوا بسبب القرى التي أعطيتموني فإني عوضتها بغيرها فطلب أهل الديوان ما وصلني منها أو الاستظهار بأمر خوند عالم أن يرفع عني ذلك، فقال كم وصلك منها؟ فقلت: خمسة آلاف دينار، فقال: هي إنعام عليك، فقلت له: وداري التي أمرتم لي بها مفتقرة إلى البناء فقال للوزير عمارة كنيد أي معناه عمروها، ثم قال لي ديكر نماند فقلت له: معناه هل بقي لك كلام؟ فقال لي وصية ديكرهست معناه أوصيك ألَّا تأخذ الدين؛ لئلا تطلب فلا تجد من يبلغ خبرك إلي، أَنْفِق على قَدْر ما أعطيتك.

قال الله تعالى: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ، وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ، فأردت أن أقبل قدمه، فمنعني وأمسك رأسي بيده فقبلتها وانصرفت وعدت إلى الحضرة، فاشتغلت بعمارة داري، وأنفقت فيها أربعة آلاف دينار، أعطيت منها من الديوان ستمائة دينار، وزدت عليها الباقي، وبنيت بإزائها مسجدًا، واشتغلت بترتيب مقبرة السلطان قطب الدين، وكان السلطان قد أمر أن تبنى عليه قبة يكون ارتفاعها في الهواء مائة ذراع بزيادة عشرين ذراعًا على ارتفاع القبة المبنية على قازان ملك العراق، وأمر أن تشترى ثلاثون قرية تكون وقفًا عليها، وجعلها بيدي على أن يكون لي العشر من فائدها على العادة.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.