من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر ما خُصُّوا به من إحكام الصناعات
وأهل الصين أعظم الأمم إحكامًا للصناعات وأشدهم إتقانًا فيها؛ وذلك مشهور من حالهم، قد وصفه الناس في تصانيفهم فأطنبوا فيه، وأما التصوير فلا يجاريهم أحد في إحكامه من الروم ولا من سواهم، فإن لهم فيه اقتدارًا عظيمًا، ومن عجيب ما شاهدت لهم من ذلك أني ما دخلت قط مدينة من مدنهم ثم عدت إليها إلا ورأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في الحيطان والكواغد موضوعة في الأسواق، ولقد دخلت إلى مدينة السلطان، فمررت على سوق النقاشين، ووصلت إلى قصر السلطان مع أصحابي ونحن على زي العراقيين، فلما عدت من القصر عشيًّا مررت بالسوق المذكورة، فرأيت صورتي وصورة أصحابي منقوشة في كاغد، قد ألصقوه بالحائط، فجعل كل واحد منا ينظر إلى صورة صاحبه، لا تخطئ شيًّا من شبهه، وذكر لي أن السلطان أمرهم بذلك، وأنهم أتوا إلى قصر ونحن به، فجعلوا ينظرون إلينا ويصورون صورنا، ونحن لم نشعر بذلك، وتلك عادة لهم في تصوير كل من يمر بهم، وتنتهي حالهم في ذلك إلى أن الغريب إذا فعل ما يوجب فراره عنهم بعثوا صورته إلى البلاد وبحث عنه فحيثما وجد شبه تلك الصورة أخذ، قال ابن جزي: هذا مثل ما حكاه أهل التاريخ من قضية سابور ذي الأكتاف ملك الفرس، حين دخل إلى بلاد الروم متنكرًا، وحضر وليمة صنعها ملكهم وكانت صورته على بعض الأواني، فنظر إليها بعض خدام قيصر، فانطبعت علي صورة سابور فقال لملكه: إن هذه الصورة تخبرني أن كسرى معنا في هذا المجلس، فكان الأمر على ما قاله، وجرى فيه ما هو مسطور في الكتب.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع