من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
حكاية المشعوذ
وفي تلك الليلة حضر أحد المشعوذة وهو من عبيد القان، فقال له الأمير: أَرِنَا من عجائبك، فأَخَذَ كُرَةَ خشب لها ثقب، فيها سيور طوال، فرمى بها إلى الهواء، فارتفعت حتى غابت عن الأبصار ونحن في وسط المشور أيام الحر الشديد، فلما لم يَبْقَ من السير في يده إلا يسيرُ أَمْرٍ متعلمًا له فتعلق به، وصعد في الهواء إلى أن غاب عن أبصارنا، فدعاه فلم يُجِبْه ثلاثًا، فأخذ سكينًا بيده كالمغتاظ، وتَعَلَّقَ بالسير إلى أن غاب أيضًا ثم رمى بيد الصبي إلى الأرض، ثمَّ رمى برجله، ثمَّ بيده الأخرى، ثمَّ برجله الأخرى، ثمَّ بجسده، ثمَّ برأسه، ثم هَبَطَ وهو ينفخ وثيابه ملطخة بالدم فقَبَّلَ الأرض بين يدي الأمير، وكَلَّمَه بالصيني، وأَمَرَ له الأمير بشيء، ثم إنه أخذ أعضاء الصبي، فألصق بعضها ببعض وركضه برجله فقام سويًّا فعجبت منه، وأصابني خفقان القلب كمثل ما كان أصابني عند ملك الهند حين رأيت مثل ذلك، فسقوني دواء أذهب عني ما وجدت، وكان القاضي أفخر الدين إلى جانبي فقال لي: والله ما كان من صعود ولا نزال ولا قطع عضو وإنما ذلك شعوذة، وفي غد تلك الليلة دخلنا من باب المدينة الخامسة وهي من أكبر المدن يسكنها عامة الناس وأسواقها حسان، وبها الحذاق بالصنائع، وبها تُصْنَع الثياب الخنساوية، ومن عجيب ما يصنعون بها أطباق يسمونها الدست، وهي من القصب وقد أُلْصِقَتْ قِطَعُه أَبْدَعَ إلصاق، ودُهِنَتْ بصبغ أحمر مشرق، وتكون هذه الأطباق عشرة واحدًا في جوف آخر لطورفتها تظهر لرائيها كأنها طبق واحد، ويصنعون غطاء يغطي جميعها، ويصنعون من هذا القصب صحافًا، ومن عجائبها أن تقع من العلو فلا تنكسر، ويجعل فيها الطعام السخن فلا يتغير صباغها ولا يُحَوَّل، وتُجْلَب من هنالك إلى الهند وخراسان وسواها، ولما دخلنا هذه المدينة بتنا ليلة في ضيافة أميرها، وبالغد دخلنا من باب يسمى كشتي وانان إلى المدينة السادسة ويسكنها البحرية والصيادون والجلاقطة والنجارون ويدعون دود كاران (درودكران)، والأصباهية وهم الرماة والبيادة وهم الرجالة وجميعهم عبيد السلطان، ولا يسكن معهم سواهم وعددهم كثير.
وهذه المدينة على ساحل النهر الأعظم بتنابها ليلة في ضيافة أميرها، وجهز لنا الأمير قرطي مركبًا بما يحتاج إليه من زاد وسواه، وبعث معنا أصحابه برسم التضييف، وسافرنا من هذه المدينة وهي آخر أعمال الصين ودخلنا إلى بلاد الخطا (بكسر الخاء المعجم وطاء مهمل)، وهي أحسن بلاد الدنيا عمارة، ولا يكون في جميعها موضع غير معمور، فإنه إن بقي موضع غير معمور طلب أهله أو من يواليهم بخراجه، والبساتين والقرى والمزارع منتظمة بجانبي هذا النهر من مدينة الخنسا إلى مدينة خان بالق وذلك مسيرة أربعة وستين يومًا، وليس بها أحد من المسلمين إلا من كان حاضرًا غير مقيم؛ لأنها ليست بدار مقام، وليس بها مدينة مجتمعة إنما هي قرًى وبسائط فيها الزرع والفواكه والسكر، ولم أَرَ في الدنيا مثلها غير مسيرة أربعة أيام من الأنبار إلى عانة.
وكنا كل ليلة ننزل بالقرى لأجل الضيافة حتى وصلنا إلى مدينة خان بالق (وضبط اسمها بخاء معجم وألف ونون مسكن وباء معقود وألف ولام مكسور وقاف)، وتسمى أيضًا خانقو (بخاء معجم ونون مكسور وقاف وواو)، وهي حضرة القان، والقان هو سلطانهم الأعظم الذي مملكته بلاد الصين والخطا، ولما وصلنا إليها أرسينا على عشرة أميال منها على العادة عندهم، وكتب إلى أمراء البحر بخبرنا، فأذنوا لنا في دخول مرساها فدخلناه، ثم نزلنا إلى المدينة وهي من أعظم مدن الدنيا، وليست على ترتيب بلاد الصين في كون البساتين داخلها، إنما هي كسائر البلاد والبساتين بخارجها، ومدينة السلطان في وسطها كالقصبة حسبما نذكره، ونزلت عند الشيخ برهان الدين الصاغرجي، وهو الذي بعث إليه ملك الهند بأربعين ألف دينار واستدعاه فأخذ الدنانير، وقضى بها دينه، وأبى أن يسير إليه، وقدم على بلاد الصين فقدمه القان على جميع المسلمين الذين ببلاده وخاطبه بصدر الجهان.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع