من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر حفظهم للمسافرين في الطرق
وبلاد الصين آمَنُ البلاد وأحسنها حالًا للمسافرين، فإن الإنسان يسافر منفردًا مسيرة تسعة أشهر، وتكون معه الأموال الطائلة فلا يخاف عليها، وترتيب ذلك أن لهم في كل منزل ببلادهم فندقًا، عليه حاكم يسكن به في جماعة من الفرسان والرجال، فإذا كان بعد المغرب أو العشاء الآخرة جاء الحاكم إلى الفندق ومعه كاتبه، فكتب أسماء جميع من يبيت به من المسافرين وختم عليه، وأقفل باب الفندق عليهم، فإذا كان بعد الصبح جاء ومعه كاتبه، فدعا كل إنسان باسمه، وكتب بها تفصيلًا، وبعث معهم من يوصلهم إلى المنزل الثاني له ويأتيه ببراءة من حاكمه أن الجميع قد وصلوا إليه، وإن لم يفعل طلبه بهم، وهكذا العمل في كل منزل ببلادهم من صين الصين إلى خان بالق، وفي هذه الفنادق جميع ما يحتاج إليه المسافر من الأزواد وخصوصًا الدجاج والإوز، وأما الغنم فهي قليلة عندهم، ولنعد إلى ذكر سفرنا فنقول: لما قطعنا البحر كانت أول مدينة وصلنا إليها مدينة الزيتون، وهذه المدينة ليس بها زيتون ولا بجميع بلاد الصين والهند ولكنه اسم وضع عليها، وهي مدينة عظيمة كبيرة تُصْنَع بها ثياب الكمخا والأطلس وتُعْرَف بالنسبة إليها، وتُفَضَّل على الثياب الخنساوية والخنبالقية، ومرساها من أعظم مراسي الدنيا أو هو أعظمها، رأيت به نحو مائة جنك كبار، وأما الصغار فلا تحصى كثرة، وهو خور كبير من البحر يدخل في البر حتى يختلط بالنهر الأعظم وهذه المدينة وجميع بلاد الصين يكون للإنسان بها البستان والأرض، وداره في وسطها كمثل ما هي بلدة سجلماسة ببلادنا وبهذا عظمت بلادهم، والمسلمون ساكنون بمدينة على حدة، وفي يوم وصولي إليها رأيت بها الأمير الذي توجه إلى الهند رسولًا بالهدية، ومضى في صحبتنا، وغرق به الجنك، فسلم علي، وعرف صاحب الديوان بي، فأنزلني في منزل حسن، وجاء إلي قاضي المسلمين تاج الدين الأردويلي وهو من الأفاضل الكرماء وشيخ الإسلام كمال الدين عبد الله الأصفهاني وهو من الصلحاء.
وجاء إلي كبار التجار فيهم شرف الدين التبريزي أحد التجار الذين استدنت منهم حين قدومي على الهند، وأحسنهم معاملة حافظ القرآن مكثر للتلاوة، وهؤلاء التجار لسكناهم في بلاد الكفار إذا قدم عليهم المسلم، فرحوا به أشد الفرح، وقالوا جاء من أرض الإسلام، وله يعطون زكوات أموالهم، فيعود غنيًّا كواحد منهم، وكان بها من المشايخ الفضلاء برهان الدين الكازروني، له زاوية خارج البلد، وإليه يدفع التجار النذور التي ينذرونها للشيخ أبي إسحاق الكازروني، ولما عرف صاحب الديوان أخباري كتب إلى القان — وهو ملكهم الأعظم — يخبره بقدومي من جهة ملك الهند، فطلبت منه أن يبعث معي من يوصلني إلى بلاد الصين (صين الصين) وهم يسمونه صين كلان لأشاهد تلك البلاد وهي في عمالته بخلال ما يعود جواب القان، فأجاب إلي ذلك، وبعث معي من أصحابه من يوصلني، وركبت في النهر في مركب يشبه أجفان بلادنا الغزوية، إلا أن الجذافين يُجَذِّفون فيه قيامًا، وجميعهم في وسط المركب والركاب في المقدم والمؤخر، ويُظَلِّلون على المركب بثياب تُصْنَع من نبات بلادهم يشبه الكتان وليس به وهو أرق من القنب، وسافرنا في هذا النهر سبعة وعشرين يومًا، وفي كل يوم نرسو عند الزوال بقرية نشتري بها ما نحتاج إليه، ونصلي الظهر، ثمَّ ننزل بالعشيِّ إلى أخرى، هكذا إلى أن وصلنا إلى مدينة صين كلان (بفتح الكاف)، وهي مدينة صين الصين، وبها يصنع الفخار وبالزيتون أيضًا، وهنالك يصب نهر آب حياة في البحر، ويسمونه مجمع البحرية، وهي من أكبر المدن وأحسنها أسواقًا، ومن أعظم أسواقها سوق الفخار، ومنها يحمل إلى سائر بلاد الصين وإلى الهند واليمن.
وفي وسط هذه المدينة كنيسة عظيمة لها تسعة أبواب، داخل كل باب أسطوان ومصاطب يقعد عليها الساكنون بها، وبين البابين الثاني والثالث منها موضع فيه بيوت، يسكنها العميان وأهل الزمانات، ولكل واحد منهم نفقته وكسوته من أوقاف الكنيسة، وكذلك فيما بين الأبواب كلها، وفي داخلها المارستان للمرضى، والمطبخة لطبخ الأغذية، وفيها الأطباء والخدام، وذكر لي أن الشيوخ الذين لا قدرة لهم على التكسب لهم نفقتهم وكسوتهم بهذه الكنيسة، وكذلك الأيتام والأرامل ممن لا حال لهم، وعمَّر هذه الكنيسة بعض ملوكهم، وجعل هذه المدينة وما وليها من القرى والبساتين وقفًا عليها، وصورة ذلك الملك مصورة بالكنيسة المذكورة وهم يعبدونها، وفي بعض جهات هذه المدينة بلدة المسلمين لهم بها المسجد الجامع والزاوية والسوق ولهم قاضٍ وشيخ، ولا بد في كل بلد من بلاد الصين من شيخ الإسلام تكون أمور المسلمين كلها راجعة إليه وقاضٍ يقضي بينهم، وكان نزولي عند أوحد الدين السنجاري وهو أحد الفضلاء الأكابر ذو الأموال الطائلة، وأقمت عنده أربعة عشر يومًا وتحف القاضي وسائر المسلمين تتوالى علي، وكل يوم يصنعون دعوة جديدة، ويأتون إليها بالعشارين الحسان والمغنين، وليس وراء هذه المدينة مدينة لا للكفار ولا للمسلمين، وبينها وبين سد يأجوج ومأجوج ستون يومًا فيما ذكر لي، يسكنها كفار رحالة يأكلون بني آدم إذا ظفروا بهم؛ ولذلك لا تسلك بلادهم ولا يسافر إليها، ولم أَرَ بتلك البلاد من رأى السد ولا من رأى من رآه.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع