من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
حكاية عجيبة
ولما كنت بصين كلان سمعت أن بها شيخًا كبيرًا، قد أناف على مائتي سنة، وأنه لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث ولا يباشر النساء مع قوته التامة، وأنه ساكن في غار بخارجها يتعبد فيه، فتوجهت إلى الغار، فرأيته على بابه، وهو نحيف شديد الحمرة عليه أثر العبادة ولا لحية له، فسلمت عليه، فأمسك يدي وشمها، وقال للترجمان: هذا من طرف الدنيا كما نحن من طرفها الآخر، ثم قال لي: لقد رأيت عجبًا، أتذكر يوم قدومك الجزيرة التي فيها الكنيسة والرجل الذي كان جالسًا بين الأصنام، وأعطاك عشرة دنانير من الذهب؟ فقلت: نعم، فقال: أنا هو، فقبلت يده، وفكر ساعة، ثم دخل الغار، فلم يخرج إلينا وكأنه ظهر منه الندم على ما تكلم به، فتهجمنا ودخلنا الغار عليه فلم نجده، ووجدنا بعض أصحابه ومعه جملة بوالشت من الكاغد، فقال: هذه ضيافتكم فانصرفوا، فقلنا له: ننتظر الرجل، فقال: لو أقمتم عشر سنين لم تروه، فإن عادته إذا أطلع أحد على سر من أسراره لا يراه بعده، ولا تحسب أنه غاب عنك بل هو حاضر معك، فعجبت من ذلك وانصرفت، فأعلمت القاضي وشيخ الإسلام وأوحد الدين السنجاري بقضيته، فقالوا: كذلك عادته مع من يأتي إليه من الغرباء، ولا يَعْلَم أحد ما ينتحله من الأديان، والذي ظننتموه أحدَ أصحابه هو هو، وأخبَروني أنه كان غاب عن هذه البلاد نحو خمسين سنة، ثم قَدِمَ عليها منذ سنة.
وكان السلاطين والأمراء والكبراء يأتونه زائرين، فيعطيهم التُّحَف على أقدارهم، ويأتيه الفقراء كل يوم، فيعطي لكل أحد على قدره، وليس في الغار الذي هو به ما يَقَعُ عليه البصر، وأنه يُحَدِّث عن السنين الماضية، ويَذْكُر النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: لو كنت معه لنصرته، ويذكر الخليفتين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب بأحسن الذكر، ويثني عليهما، ويلعن يزيد بن معاوية ويقع في معاوية، وحدثوني عنه بأمور كثيرة، وأخبرني أوحد الدين السنجاري قال: دخلت عليه بالغار، فأخذ بيدي فخيل لي أني في قصر عظيم، وأنه قاعد فيه على سرير، وفوق رأسه تاج، وعن جانبيه الوصائف الحسان، والفواكه تتساقط في أنهار هنالك، وتخيلت أني أخذت تفاحة لأكلها، فإذا أنا بالغار وبين يديه وهو يضحك مني، وأصابني مرض شديد لازمني شهورًا فلم أعد إليه، وأهل تلك البلاد يعتقدون أنه مسلم، لكن لم يره أحد يصلي، وأما الصيام فهو صائم أبدًا، وقال لي القاضي: ذكرت له الصلاة في بعض الأيام، فقال لي: أتدري أنت ما أصنع، إن صلاتي غير صلاتك، وأخباره كلها غريبة، وفي اليوم الثاني من لقائه سافرت راجعًا إلى مدينة الزيتون، وبعد وصولي إليها بأيام جاء أمر القان بوصولي إلى حضرته على البر والكرامة إن شئت في النهر وإلا ففي البر فاخترت السفر في النهر، فجهزوا لي مركبًا حسنًا من المراكب المعدة لركوب الأمراء، وبعث الأمير معنا أصحابه، ووجه لنا الأمير والقاضي والتجار المسلمون أزوادًا كثيرة، وسرنا في الضيافة نتغدى بقرية ونتعشى بأخرى، فوصلنا بعد سفر عشرة أيام إلى مدينة قنجنفو (وضبط اسمها بفتح القاف وسكون النون وفتح الجيم وسكون النون الآخر وضم الفاء وواو)، مدينة كبيرة حسنة في بسيط أفيح والبساتين محدقة بها فكأنها غوطة دمشق.
وعند وصولنا خرج إلينا القاضي وشيخ الإسلام والتجار ومعهم الأعلام والطبول والأبواق والأنفار وأهل الطرب وأتوا بالخيل، فركبنا ومشوا بين أيدينا لم يركب معنا غير القاضي والشيخ وخرج أمير البلد وخدامه، وضيف السلطان عندهم مُعظَّم أشد التعظيم، ودخلنا المدينة ولها أربعة أسوار يسكن ما بين السور الأول والثاني عبيد السلطان من حراس المدينة وسمارها ويسمون البصوانان (الباسوانان) (بفتح الباء الموحدة وسكون الصاد المهمل وواو وألف وألف ونون وألف ونون)، ويسكن ما بين السور الثاني والثالث الجنود المركبون والأمير الحاكم على البلد، ويسكن داخل السور الثالث المسلمون، وهنالك نزلنا عند شيخهم ظهير الدين القرلاني (بضم القاف وسكون الراء)، ويسكن داخل السور الرابع الصينيون وهو أعظم المدن الأربعة، ومقدار ما بين كل باب منها والذي يليه ثلاثة أميال وأربعة، ولكل إنسان — كما ذكرناه — بستانه وداره وأرضه.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع