تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر الرخ

ولما كان في اليوم الثالث والأربعين ظهر لنا بعد طلوع الفجر جبل في البحر بيننا وبينه نحو عشرين ميلًا، والريح تحملنا إلى صوبه، فعجب البحرية، وقالوا: لسنا بقرب من البر، ولا يُعْهَد في البحر جبل، وإن اضطرتنا الريح إليه هلكنا، فلجأ الناس إلى التضرع والإخلاص، وجَدَّدُوا التوبة، وابتهلنا إلى الله بالدعاء، وتوسلنا بنبيه صلى الله عليه وسلم ونذر التجار التصدقات الكثيرة، وكَتَبْتُها لهم في زمام بِخَطِّي، وسَكَنَت الريح بَعْض سكون، ثم رأينا ذلك الجبل عند طلوع الشمس قد ارتفع في الهواء، وظهر الضوء فيما بينه وبين البحر، فعَجِبْنا من ذلك، ورأيت البحرية يبكون، ويودع بعضهم بعضًا فقلت: ما شأنكم؟ فقالوا: إن الذي تخيلناه جبلًا هو الرخ، وإن رآنا أَهْلَكَنَا، وبيننا إذ ذاك وبينه أقل من عشرة أميال، ثم إن الله تعالى مَنَّ علينا بريح طيبة صَرَفَتْنا عن صوبه، فلم نَرَهُ ولا عَرَفْنا حقيقة صورته، وبعد شهرين من ذلك اليوم وصلنا إلى الجاوة، ونزلنا إلى سمطرة، فوجدنا سلطانها الملك الظاهر قد قدم من غزاة له، وجاء بسبي كثير، فبعث لي جاريتين وغلامين، وأنزلني على العادة، وحضرت أعراس ولده مع بنت أخيه.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.