تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر خروج القان لقتال ابن عمه وقتله

ولما وصلنا حضرة خان بالق وجدنا القان غائبًا عنها إذ ذاك، وخرج للقاء ابن عمه فيروز القائم عليه بناحية قراقوم وبش بالغ من بلاد الخطا، وبينها وبين الحضرة مسيرة ثلاثة أشهر عامرة، وأخبرني صدر الجهان برهان الدين الصاغرجي أن القان لما جمع الجيوش وحشد الحشود اجتمع عليه من الفرسان مائة فوج، كل فوج منها من عشرة آلاف فارس، وأميرهم يسمى أمير طومان، وكان خواص السلطان وأهل دخلته خمسين ألفًا زائدًا إلى ذلك، وكانت الرجالة خمسمائة ألف، ولما خرج خالف عليه أكثر الأمراء، واتفقوا على خلعه؛ لأنه كان قد غير أحكام اليساق، وهي الأحكام التي وضعها تنكيز خان جدهم، الذي خرب بلاد الإسلام، فمضوا إلى ابن عمه القائم، وكتبوا إلى القان أن يخلع نفسه، وتكون مدينة الخنساء إقطاعًا له فأبى ذلك، وقاتلهم فانهزم وقتل.

وبعد أيام من وصولنا إلى حضرته ورد الخبر بذلك، فزينت المدينة وضُرِبَت الطبول والأبواق والأنفار، واستعمل اللعب والطرب مدة شهر، ثم جيء بالقان المقتول وبنحو مائة من المقتولين بني عمه وأقاربه وخواصه، فحفر للقان ناووس عظيم وهو بيت تحت الأرض وفُرِشَ بأحسن الفرش، وجعل فيه القان بسلاحه، وجعل معه ما كان في داره من أواني الذهب والفضة، وجعل معه أربع من الجواري وستة من خواص المماليك، معهم أواني الشرب، وبنى باب البيت وجعل فوقه التراب حتى صار كالتل العظيم، ثم جاءوا بأربعة أفراس، فأجروها عند قبره حتى وقفت ونصبوا خشبًا على القبر وعلقوها عليه بعد أن أدخلوا في دبر كل فرس خشبة حتى خرجت من فمه، وجعل أقارب القان المذكورون في نواويس ومعهم سلاحهم وأواني دورهم، وصلبوا على قبور كبارهم، وكانوا عشرة؛ ثلاثة من الخيل على كل قبر وعلى قبور الياقين فرسًا فرسًا.

وكان هذا اليوم يومًا مشهودًا لم يتخلف عنه أحد من الرجال ولا النساء المسلمين والكفار، وقد لبسوا أجمعون ثياب العزاء، وهي الطيالسة البيض للكفار والثياب البيض للمسلمين، وأقام خواتين القان وخواصه في الأخبية على قبره أربعين يومًا، وبعضهم يزيد على ذلك إلى سنة، وصنعت هنالك سوق يباع فيه ما يحتاجون إليه من طعام وسواه، وهذه الأفعال لا أذكر أن أمة تفعلها سواهم في هذا القصر، فأما الكفار من الهنود وأهل الصين فيحرقون موتاهم، وسواهم من الأمم يَدْفِنُون الميت ولا يجعلون معه أحدًا، لكن أخبرني الثقات ببلاد السودان أن الكفار منهم إذا مات ملكهم صنعوا له ناووسًا، وأدخلوا معه بعض خواصه وخدامه وثلاثين من أبناء كبارهم وبناتهم بعد أن يكسروا أيديهم وأرجلهم، ويجعلون معهم أواني الشراب، وأخبرني بعض كبار مسوفة ممن يسكن بلاد كوبر مع السودان، واختصه سلطانهم أنه كان له ولد، فلما مات سلطانهم أرادوا أن يدخلوا ولده مع من أدخلوه من أولادهم، قال: فقلت لهم كيف تفعلون ذلك، وليس على دينكم ولا من ولدكم وفديته منهم بمال عريض، ولما قتل القان كما ذكرناه واستولى ابن عمه فيروز على الملك، اختار أن تكون حضرته مدينة قراقرم (وضبطها بفتح القاف الأولى والراء وضم الثانية وضم الراء الثانية)؛ لقربها من بلاد بني عمه ملوك تركستان وما وراء النهر، ثم خالفت عليه الأمراء ممن لم يحضر لقتل القان، وقطعوا الطرق وعظمت الفتن.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.