من «دار الطراز في عمل الموشحات» لابن سناء الملك (ت ٦٠٨هـ)
مقدمة ابن سناء الملك في نظم الموشحات
مقدمة ابن سنا الملك في نظم الموشحات:
﷽
رب "انعمت فزد
الحمد لله استفتاحًا بحمده، واستنجاحًا بذكره، ورحمة الله وبركاته، وسلامه وصلاته، على سيدنا وسيد النبين والمرسلين، والآخرين والأولين، محمد وآله الأقربين الأطيبين، وصحابته المنتخبين المنتجبين.
وبعد؛ فإن الموشحات مما ترك الأول للآخر، وسبق بها المتأخر المتقدم، وأجلب بها أهل المغرب على أهل المشرق، وغادر بها الشعراء من متردم، مُلحةُ الدهر، وبابل السحر، وعنبر الشّحر وعود الهند، "وخمر القفص" وتبر الغرب، ومعيار الأفهام، وميزان الأذهان، ولباب الألباب، تلهى وتطرب، وتؤيس وتطمع، وتخلب وتجلب، وتفرغ وتَشغَل، وتُؤنس وتُنفِر. هزلٌ كله
جِدّ، وجِدّ كله هزل، ونظم تشهد العين أنه نثر، ونثر يشهد الذوق أنه نظم. صار المغرب بها مشرقًا لشروقها بأفقه، وإشراقها في جوه، وصار أهله بها أغنى الناس لظفرهم بالكنز الذي ذخرته لهم الأيام، وبالمعدن الذي نام عنه الأنام.
وكنت في طليعة العمر وفي رعيل السن قد هِمتُ بها عشقًا، وشغفت بها حبًّا، وصاحبتها سماعًا، وعاشرتها حفظًا، وأحطت بها علمًا، واستخرجت خباياها، واستطلعت خفاياها، وقَلبتُ ظهورها وبطونها، وعانقت أبكارها وعُونها، وغصت على جواهرها المكنونة، وتخطيت من أخبارها المعلومة إلى أسرارها المكتومة، ولبثت فيها من عمري سنين، إلى أن عرفت أن معرفتها تزكية للعقل، وتعديل للفهم، وجهلها تجريح للطبع، وتفسيق الذهن، وأنه لا أدل على أن الذهن لطيف، والفهم شريف، والطبع فايق، والعقل راجح، إلا معرفتها فإن العارف بها قد شهدت له معرفته بذكاء الحس، وضياء النفس، وإشراق نور الفهم، ورقة حاشية العلم، كما أنه لا أدل على أن الفهم فدم، والعقل غفل، والذهن عهن والطبع طَبِع، والخلق خَلَق، إلا جهلها. فإن الجاهل بها بعد سماعها قد شهِد جهله بأنه كز الغريزة، جاسي الطبيعة، غليظ
الحاشية، فطير الفِطرة، عاميُّ الفكرة، بهيمي الهمة، لم يخرج بعد إلى وجود الأدب، ولا بينه وبين الفضل نسب. ولم أعن بالجاهل بها من لم يصنعها، بل من إذا سمعها فكأنه لم يسمعها.
ولما كانت الموشحات بهذه المثابة، ولها في سوق الأدب هذه القيمة، ولم أر أحدًا صنف في أصولها ما يكون للمتعلم مثالًا يحتذى وسبيلًا يقتفى، جمعت في هذه الأوراق ما لا بد لمن يعاينها ويعنى بها من معرفته، ولا غناء به عن تفصيله وجملته، ليكون للمنتهي تذكرة، وللمبتدي تبصرة، وبالله التوفيق.
حَدّ الموشح:
الموشح كلام منظوم على وزن مخصوص، وهو يتألف في الأكثر من ستة أقفال وخمسة أبيات، ويقال له: التام، وفي الأقل من خمسة أقفال، وخمسة أبيات، ويقال له: الأقرع. فالتام ما ابتدئ فيه بالأقفال، والأقرع ما ابتدئ فيه بالأبيات.
فمثال التام موشح الأعمى، وهو "الذي سارت به الركبان":
ضاحك عن جمانسافر عن بدر
ضاق عنه الزمانوحواه صدري
فهذا الموشح ابتدئ بقفله.
ومثال الأقرع:
سطوة الحبيبأحلى من جنى النحل
وعلى الكثيبأن يخضع للذل
أنا في حروبمع الحدق النجل
ليس ليبأحور فتان
من رأى جفونهقد أفسدت دينه
"فهذا الموشح ابتدئ ببيته"
والأقفال هي أجزاء مؤلفةٌ يلزم أن يكون كل قفل منها متفقًا مع بقيتها، في وزنها وقوافيها وعدد أجزائها.
والأبيات هي أجزاء مؤلفةٌ مفردة أو مركبة يلزم في كل بيت منها أن يكون متفقًا مع بقية أبيات الموشح في وزنها، وعدد أجزائها لا في قوافيها، بل يحسن أن تكون قوافي كل بيت منها مخالفة لقوافي البيت الآخر، والقفل، كما تقدم، يتردد في الموشح ست مرات في التام، وخمس مرات في الأقرع.
وأقل ما يتركب القفل من جزءين فصاعدًا إلى ثمانية أجزاء، "وقد يوجد في النادر ما قفله تسعة أجزاء" وعشرة أجزاء، ولم أجد للمغاربة منه ما أثق بنسبه فلهذا لم أذكر مثالًا منه.
والبيت لا بد أن يتردد في التام وفي الأقرع خمس مرات، وأقل ما يكون البيت ثلاثة أجزاء، وقد يكون في النادر من جزءين، وقد يكون من ثلاثة أجزاء ونصف، وهذا لا يكون إلا فيما أجزاؤه مركبة، وأكثر ما يكون
خمسة أجزاء والجزء من القفل لا يكون إلا مفردًا، والجزء من البيت قد يكون مفردًا، وقد يكون مركبًا، والمركب لا يتركب إلا من فقرتين أو من ثلاث فقر، وقد يتركب في الأقل من أربع فقر.
وسنكتب ههنا مثالًا لكل ما ذكرناه ليتلخص ويتشخص وينتقل ما ندركه بالقول سماعًا إلى أن تراه بالخط عيانًا فأمثلة الأقفال:
القفل المركب من جزءين:
شمس قارنت بدرًاراح ونديم
المركب من ثلاثة أجزاء:
حلت يد الأمطارأزرَّة النوار
فياخِدني
المركب من أربعة أجزاء:
ادر لنا أكوابينسى بها الوجد ... واستحضر الجلاس ... كما اقتضى الود
المركب من خمسة أجزاء:
يا من أجود ويبخلعلى شحي ... وافتقاري
أهواك وعندي زيادةمنها "شوقي وادكاري"
المركب من ستة أجزاء
ميتات الدِّمَنأحيين كربي ... وهل يتمكن
عزاء لقلبيمت يا عزاه ... شاه
المركب من سبعة أجزاء:
الموشح المعروف بالعروس، وهو موشح ملحون واللحن لا يجوز استعماله في شيء من ألفاظ الموشح إلا في الخرجة خاصة فلهذا لم نورد مثاله.
المركب من ثمانية أجزاء:
على عيون العينرعى الدراري ... من شغف ... بالحب
واستعذب العذابوالتذ حاليه ... من أسف ... وكرب
وقد يندر في بعض الموشحات الشاذة التي لا يعول عليها أن
تكون أققالها مختلفة أعداد الأجزاء كالموشح الذي أوله:
بأبي عِلْقُبالنفس عليق
وهذا الموشح لعُبادة فإن قفله الأول جزءان، وبقية أقفاله ثلاثة، وسيأتي هذا الموشح "منسوقًا" في جملة ما نذكر من الموشحات التي ذكرت الأمثلة منها، فإني أذكر في آخر هذه الأوراق كل موشح ذكرت المثال منه؛ ليكون أنس المتعلم بها أكثر وعلمه بها في نفسه أرسخ.
أمثلة الأبيات:
أمثلة ما أجزاؤه مفردة
ما هو منها على ثلاثة أجزاء
أرى لك مهند
أحاط به الإثمد
فجرد ما جرد
فيا ساحر الجفن
حسامك قطاع
ما هو منها على أربعة أجزاء
قد باح دمعي بما أكتمهوحنّ قلبي لمن يظلمه
رشا تمرن في لا فمهكم بالمنى أبدًا ألثمه
يفتر عن لؤلؤ متسقمن للأقاح بنسيمه العبق
أمثلة الأبيات التي أجزاؤها مركبة
ما تركب "بيته" من فقرتين وثلاثة أجزاء
أقم عذريفقد آن أن أعكف
على خمريطوف بها أو طف
كما تدريهضيم الحشى مخطف
إذا ما مادفي مخضرة الأبراد
رأيت الآسبأوراقه قد ماس
ما تركب من فقرتين وثلاثة أجزاء ونصف
من أودع الأجفانصوارم الهند
وأنبت الريحانفي صفحة الخد
قضى على الهيمانبالدمع والسهد
أنى وللكتمان
للهايم المغرمبدمع نم ... إذ يسجم ... بما يكتم ... من السر
في عاطل حالغرير ساط ... علي بالدعج
ما تركب من فقرتين وأربعة أجزاء
ما حوى محاسن الدهرإلا غزال
معرق الخدين من فهرعم وخال
نسبة للنايل الغمروللنزال
فأنا أهواه للفخروللجمال
وجهه وجه طليقللضيوف مشرق ... ويد تسطو على الأسد ... فتفرق
ما تركب من فقرتين وخمسة أجزاء
هن الظباء الشمسقنيصهن الضيغم
ما إن لها من كنسإلا القلوب الهيتم
القرب منها عرسوالبعد عنها مأتم
تلك الشفاه اللعسيحي بهن المغرم
لها لحاظ نعسترنو إلى من يسقم
بأعين الغزلانوتبتسم ... عن جوهر ... الأسماط
قضى لها الغيرانأن تكتتم ... في مضمر ... الأنياط
وقد يندر في بعض الموشحات ما يكون بيته جزءين مركبين من فقرتين، وهو شاذ جدًّا "وهو":
باكر إلى الخمرواستنشق الزهرا
فالعمر في خسرما لم يكن سكرا
فقل ما أسلوعن مرشف الأكواس ... وساحرالطرف ... مساعد الجلاس
فسقيني بنت الزراجين
ما تركب من ثلاثة فقر وثلاثة أجزاء
من لي به يرنوبمقلتي ساحر ... إلى العباد
ينأى به الحسنفينثني نافر ... صعب القياد
وتارة يدنوكما احتسى الطاير ... ماء الثماد
فجيده أغيدوالخد بالخال منمق ... تكتمه الحجب ... فلي إلى الكلة تشوق
النص من طبعة دار الفكر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع