من «كنز الكتاب ومنتخب الأدب» للبونسي (ت ٦٥١هـ)
فصول من كلامهم في معنى التَّعْزية
لما توفي الفقيه القاضي أبو عبد الله محمد بن أصبغ، كتب أبو عبد الله محمد بن أبي الخصال إلى
بنيه رقعة افتتحها بهذه الأبيات:
أَعَلِمْت منْ حَمَلُوا على الأعْوَادِأرأيْتَ كيْف خبا ضِياءُ النادي
جبَلٌ هوى، لوْ خرَّ في البحر، اغتدىمنْ وقعه، مُتتابِعَ الأرْبادِ
يالَيْتَ أنِّي ما اقْتَنَيْتُكَ صاحِبَاكمْ قِنْيَةٍ جَلَبَتْ أسىً لِفُؤاد
بَرْدُ الضُّلُوع بمَنْ تُحِبُّ بَقَاءَهُمِمَّا يَجُرُّ حَرَارَةَ الأكبادِ
ياسَادَتي المُعَظّمين وكُبَرَائِي، وأنْصاري المُقَدَّمين وظهرائي، والعُمدةُ المنيعَةُ الذين أَعُدُّهم منْ خيرِ
العتادِ لِمَنْ ورائي. كلأَكُمُ الله وكَلأَ المجْدَ فيكمْ بعِصمَتِهِ المُطيفِةِ، وتكَفَّلَ بِهِممِكُمُ الباسِقَةُ المنيفَةِ،
وحَجبَكُم بصونِهِ عنْ صُرُوفِ الأيام وحَوادِثِها العنيفَةِ، وأحسن عزاء المسلمين وعزاءكم في البحر
الذي أسْلَمْنا بعده إلى ضَحْضَاح، والجبلِ الذي كُنّا نَلُوذُ بظلِّهِ فتَركَنا أيَّ تركٍ إلى أجْرد
صاحٍ، ندفعُ ظالمنا ببنانٍ وراحٍ. وقدْ كُنّا نذُودُه منْ جَلالَتِهِ ومَهَابَتِهِ بأمْضى سُيُوفِ وأنْفذِ رماحٍ. يا حَرَّها على
الأكبادِ، ويالها مُصيبَةً فتَّتْ على الأعضادِ، وعَمَّتْ أهل الرُّبا والوهادِ، وقدحتْ في الجوانِحِ والعُيُون
نارَ الجَوَى والسهادِ:
إذا ما دَعَوْنَا الصَّبْرَ بعدَكَ والبُكَاأجابَ البُكَا طَوْعاً ولم يُجِبِ الصَّبْرُ
فإنْ ينقطعْ منكَ الرَّجاءُ فإنهسيبْقى عليكَ الحُزْنُ ما بَقِيَ الدَّهْرُ
أُشْهِدُ لقدِ اسوَدَّ ناظري من الأرضِ حينَ نُعيَ، وتَمنَّيْتُ أني دُعيتُ فأجَبْتُ حينَ دُعي:
وأقبَلَ ماءُ العينِ مِنْ كُلّ زَفْرَةٍإذا ورَدتْ لمْ تَسْتَطِعْها الأضالِعُ
فُجِعْنا به حينَ نَظَم الفَضائلَ كُلّها نَظْماً، واستولى على أمدِ التَّقْوى شدَّا وحزْماً، واستوى على ذِرْوَةِ
المَعَالي سيِّداً ضخْماً، نراهُ للإسْلامِ أمْنَةً وسكَناً، ونَعْتَدُّهُ قيماً على أماناتِ الدَّهرِ مُؤتَمَناً، ونَعْتَقِدُهُ مِمّنْ
بَشَّرَ الله منَ المؤمنين الَّذين يعملونَ الصالحاتِ أنَّ لَهُمْ أجراً حسناً:
وَكُنْتُ أرَجِّي أنْ أُمَلاَّهُ حِقْبَةًفحالَ قضاءُ الله دُونَ رجَائِيا
ألا لِيَمُتْ منْ شاء بعْدَك، إنَّماعليكَ، مِنَ الأشياءِ كان شائيا
ولئنْ سُرّ بيوْمِهِ الشامتُ والكاشحُ، فما ألْوى به الخطبُ الفادحُ الكالِحُ، إلاّ
حينَ لمْ يبْقَ مَشرِقٌ ولا مغْرِبٌ إلا ولهُ فيه مُثْنٍ ومادِح، ووراءهُ - بحَمدِ اللَّه - منكم مَنْ يُدافِعُ عنْ مَجْدِهِ ويُنَافِح، ويَسْمُو مِنَ
المَكَارِمِ إلى حيثُ سما، ويَرْمي في المآثر إلى حيثُ رمى، وينْتَمي إلى جُرْثُومَةِ العربِ إلى أكرمِ
مُنْتَمى. فالتَّعَزِّي عليهِ بكُم ماثلٌ، والسُّلْوانُ عنِ الأحزانِ بِمَكانِكُمُ السَّادِّ لِمكانِهِ حاصِلٌ، وكُلُّكُمْ بعدَ ذلك
السَّيِّدِ الماجدِ سيِّدٌ فاضِلٌ، لا يَتَّكِلُ على الحسبِ، ولا يَقْصُرُ عنْ أهْلِ الرُّتَب.
وإنِّي، وإنْ عَزَّيْتُكُمْ - أعَزَّكُمْ الله - لَمِمَّنْ يُعَزَّى بمجْدِه، ويجدُ به حَقَّ وجْدِهِ، ولا يَرى فَقْدا كفَقْدِهِ. كانَ
في كلِّ فضيلةٍ قريعَ دَهْرِهِ، ونَسَيجَ وَحْدِهِ. وأنْتُمْ - بحمدِ الله - السَّادُّونَ في الدِّينَ والدُّنْيا مَسَدَّهُ منْ
بَعْدِهِ. وأعْتَذِرُ إليكمْ - أعَزَّكُمْ الله - منْ أشْغالٍ وكيدَةٍ مُسْتَحَقَّة، وفِكَرٍ في أشْتاتٍ مُسْتَرَقَّة، ولوْ أعْمَلْتُ
في هذا الرُّزْء قدَمي، مكانَ قَلَمي، لمَا بلغتُ قَدَرَه، ولقدْ شهِدْتُ بقلبي معَ مَنْ شهِدَهُ وحضره، وفيكم -
بحمد الله - منْ تُرْفَعُ إليه الأبصار إجْلالاً، فَتَرى فيه منَ الماضينَ - رحمكم الله - مُشابهةً كريمةً
وأمثالاً. وأنتُم - أعزَّكمُ الله - تَجْعلُونَ سَيْرَهُ وهَدْيَهُ إماماً ومِثالاً، وتَمْلؤونَ الحَضْرةَ بَهَاءً وجَمالاً.
بُدُورٌ يَسْري بها السَّارونَ، ويَقْتَدي بها المُقْتَدُون، ولا يتجاوزُها المُنْتَهُون. أقَرَّ الله بكم عُيُونَ الأوْلياء،
وأفاضَ عَلَيْكُمْ سَوَابِغَ النَّعْماءِ، وأشْرَبَ قُلُوبَكمْ جميلَ الصَّبْرِ والعزاءِ، بِكَرَمِهِ. وأَقْرَأُ عليكمْ أعَمَّ السّلامِ
وأنْماهُ، وأبَرَّهُ وأحْفاهُ، ثمَّ السلامُ المُرَددُ، عليكُم ورحمةُ الله وبَرَكاتُه.
قوله: (فما ألوى به الخطب الفادح الكالح، إلا حين لم يبق مشرق ولا مغرب إلا وله فيه مُثْنٍ ومادح)
من قطعة شعر قرأتها في النوادر لأبي علي أولها:
مضى ابنُ سعيدٍ حينَ لم يبْقَ مَشْرِقٌولا مغرِبٌ إلاَّ له فيه مادِحُ
وما كُنتُ أدْري ما فواضِلُ كفهعلى الناس حتَّى غيَّبَتْهُ الصَّفائحُ
فأصبح في لَحْدٍ من الأرض ميِّتاًوكانت به حياً تضيق الضحاضح
فما أنا من رُزءٍ وَإِنْ جَلَّ جازِعٌولا بسرور بعدَ موتِكَ فارح
كأنْ لم يَمُتْ حَيٌّ سواك ولم تقمعلى أحدٍ إلا عليك النَّوائح
لئنْ حَسُنَتْ فيكَ المراثِي وَذِكْرُهَالقد حَسُنَتْ من قبلُ فيكَ المدائح
سأبكيكَ ما فاضتْ دُموعي فإنْ تَقْضِفَحَسْبُكَ مِنِّي ما تحنُّ الجوانِحُ
وكتب أبو القاسم بن الجد في المعنى:
لا بدَّ منْ فقْدٍ ومنْ فاقدٍهيهاتَ ما في الناسِ منْ خالِدِ
كُنِ المُعَزّي لا المُعَزّى بِهِإنْ كانَ لا بُدَّ منَ الواحِدِ
إذا لمْ يَكُنْ بُد منْ تجَرُّعِ الحِمامِ، وتَشَتُّتِ النَّظامِ، وانصداع شملِ الكِرامِ، فمِنَ الاتفاقِ السعيدِ، والقدَرِ
الحميدِ، أنْ يرثَ أعْمار البيْتَةِ الكريمة مُشَيدُ عُلاها، وتسْلَمَ منَ القِلادَةِ وُسْطاها، فمَدارُ الكِنايةِ على
مُعَلاها، وفخَارُ الحَلْبَةِ بِمُحْرِزِ مداها، وفي هذه النُّبْذةِ إشارةٌ إلى منْ فَرَطَ منَ الإخوةِ الفُضلاء، ودَرَجَ
منَ السَّاداتِ النُّجَباء، فإنَّهم، وإنْ كانوا في رُتْبَةِ الفضلِ صُدُوراً، وبَدَوا في سماءِ النُّبْلِ بُدُوراً، فإنَّ
شمسَ عُلاكَ أبْهرُ أضْواءً، وأزْهرُ أنْواراً، وظِلَّ حمايتِكَ على بنيهم ومُخَلَّفيهم أنْدى آصالاً، وأبْرَدُ
أسْحَاراً.
ونُعي إليَّ، أوْشَكَ الله سُلْوانَكَ، ولا أخْلى منْ شَخْصِكَ الكريمِ مَكَانَكَ، الوزيرُ أبو فُلان بَرَّدَ الله ثراه،
وكرَّم مثْواه، فكَأنَّما طعنَ ناعيه في كبدي، وظعَنَ حاديه بذخيرةِ خلَدي. لا جرمَ أنِّي دُفِعْتُ إلى غَمْرَةِ
من التلدُّدِ لو صُدم بها الدَّهرُ لحار، أَوْدُهِمَ بِمِثْلِها الحزمُ لخار، ثمَّ ثابَتْ إليَّ نفسي وقدْ وَقَدَها الجَزَعُ،
وعَضَّها الوَجَع، فأطلْتُ الاسْتِرجاع، وجمَعْتُ الجلَدَ الشعاع، وهَاأنا عندَ الله أَحْتَسِبُهُ جُماعَ فضائل،
وجمالَ محامل، وحديقةَ مكارم ضَرَّحَتْ، وصحيفة محاسِن درستْ وامَّحَتْ؛ وما اقتصرتُ منْ رسْم
التعْزِيَّةِ المَألُوفِ، على القليل المَحْذُوف، إلاَّ لِعِلْمي بأنّ التَّعَزِّي لا يُورِدُ عَلَيْكَ غريباً، ولا يُسْمِعُكَ منْ
موْعِظَةٍ عجيباً، فيكَ يقتدي اللبيب، وعلى مثالكَ يجْتَزئ الأريبُ، وإلى غَرَضِكَ يرْمى المُصيبُ، وفي
تجافي الأقدارِ عنْ حَوْبائِكَ، وسُقُوطِها دُون فِنَائكَ، ما يَدْعُو إلى حُسْنِ العزاء، ويُهَوِّنُ جلائلَ الأرْزاء،
لا صَدَعَ الله جَمْعَكَ، ولا قَرَعَ بِنَبْأةِ المكْروهِ سمْعَكَ، بِعِزّتِه.
وفي المعنى للكاتب الماهر أبي عبد الرحمن بن طاهر:
أَقَمتُ لَهْفَانَ وقدْ أسْمَعَ النَّاعي، فأضْرِمَ نار الأسى بينَ أضْلاعي، للرَّزِيَّةِ العُظْمى، التي رمى سَهْمُها،
فأصْمى، بوفاةِ منْ جُمعَتْ فيه المحاسنُ والخِلال، وزالَ كما تَزُولُ الجبالُ، وقَلَّ له المُشاَبِهُ والنَّظيرُ،
وماتَ بمَوْته البشرُ الكثيرُ، أبو فُلان ربُّ الشَّرَفِ الصَّميمِ، والحَسَبِ العِدِّ الكريمِ، أوْ سَعَهُ الله رحماهُ،
وجعلَ الجنّةَ مَأْواه، فإنّا لله وإنَّا إليهِ راجِعُون؛ على الرَّزِيَّةِ فيه،
لَيّتَني بالنفسِ أَفْديه، فأمّا القلبُ فَمُنْحَلّ
ومُسْتَلبٌ، وأمّا الدمعُ فمُنْهَلّ ومنْسكِبٌ. سقى الله جَدَثَهُ سَبَلَ القَطْرِ، ونَفَّعهُ بحسنِ المذهبِ وجلالَةِ
القدْرِ، وجزاه جزاءَ المُحسنينَ، وأنْزلهُ دارَ المُقامَةِ في علّيّين، وهَنَّاكَ الله ميراثَهُ منَ الرِئاسةِ، ومَكَانَهُ
من النَّفاسَةِ، ومَنَحَكَ العُمْر الطَّويل، وأمْتَعَكَ العِزَّ الظليل، وساعدكَ بكلِّ ما تهواهُ الزمانُ، ولا زالَ بكَ
يتَحَفَّلُ ويَزْدان.
قول أبي عبد الرحمن ﵀: (ومات بموته البشر الكثير) مأخوذ من قول الشاعر:
لًَعَمْرُكَ ما الرَّزِيةُ فَقْدُ مالٍولا شَاةٌ تموتُ ولا بَعيرُ
ولكن الرَّزيَّةَ فقدُ قرْمٍيَمُوتُ بموته بشَرٌ كثيرُ
ويروى: يموت من آجِلِهْ. وهذا من قول عَبْدَة بن الطبيب يرثي قيس بن عاصم:
عَلَيْكَ سلاَمُ الله قيْسَ بن عاصمٍورَحْمَتُهُ ما شاء أنْ يتَرَحَّما
تحِيَّة منْ غَادَرْتَهُ عَرَضَ الرَّدىإذا زار عنْ شحطٍ بلادكَ سَلَّما
فما كانَ قيسٌ هُلْكُهُ هُلْكُ واحدٍولكنه بُنْيانُ قومٍ تهَدَّما
والمتقدم بهذا المعنى امرؤ القيس حيث يقول:
فَلَوْ أنّها نفْسٌ تَموتُ جميعةًولكنّها نفْسٌ تساقَطُ أنْفُسا
أخذه أبو العباس أحمد بن عبد ربه صاحب (كتاب العقد) فقال:
منْ يُرْتَجَى بعدكَ أوْ يُتَّقىوفي يدَيْكَ الجودُ والباسُ
ماعِشْتَ عاش الناسُ في نِعْمَةٍوإنْ تَمُتْ مات بكَ النَّاسُ
وقول الشاعر: (فقد قَرِمَ) القَرْمُ: هو السيد الكريم من الرجال، وأصله الفحل من الابل يُكْرَم ويُصان،
فلا يُمْتَهن ولا يُذَلَّلُ بالحَبْل، وإنَّما يُعَدُّ للضِّراب. قال الشاعر:
فَحَزَّ وظيفُ القرْمِ في نصف ساقهوذاكَ عِقال لا يُنَشَّطُ عَاقِلُهْ
ويقال له أيضا المُقْرَم. قال الشاعر:
إذا مُقْرمٌ منَّا مَضى لسبيلهتَخَمَّطَ فينا نابُ آخرَ مُقْرَمِ
ومثل هذا قول المرار الأسدي:
وإذا فُلانٌ ماتَ عنْ أُكرومَةٍرقعُوا معاوزَ فقْده بفُلانِ
وفي حديث علي ﵁، أخبرنا أبو الحسن القرم كنى به عن نفسه.
قال: وعزّى عبد الرحمن بن أبي بكرة سليمان بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ منْ طالَ
عمره فقد الأحِبَّة، ومنْ قصر عمره كانت مُصيبتُه في نفسه. قال: ونظر أعرابيٌّ إلى قومِ يدفنونَ
حريمَة لهم، فقال: نعمَ الصّهر صاهَرْتُم، تَأْمَنُونَ به العار، وتكفون به سوء الأُحْدُوثَة، وما لِمَضْنونٍ
بها من النِّساء أكرمُ من قبْر.
وحكى الأصمعي قال: سمعتُ أعرابياً يقول: غَفَلْنا ولمْ يغْفل الدَّهرُ، ولم نتَّعِظْ فيه بغيرِنا، حتى وعَظَ
غيرَنا بنا. فقد أدرك السعادة منْ تنَبَّهَ، وأدرك الشقاء منْ غفَلَ، وكَفى بالتَّجربة واعظاً.
قال: وسمعت أعرابياً يقول لقوم يدفنون ميْتاً لهم: جافى الله عنْ ميتِكُم الثَّرى، وأعانَه على طُولِ
البِلى، وآنسه في الهُوَّةِ الظَّلماء، حين تتصدَّعُ عنه الأقرباء. قال: ودخلتُ على امرأة من العرب
بأعلى الأرض في خِباءٍ لها، وبين يديها بُنَيٌّ لها، قد نزل به الموت، فقامتْ إليه فأغْمَضَتْهُ، وعَصبَتْه،
وسجَّتْهُ، ثم قالت: يا ابن أخي. قلتُ: ما تشائين؟ قالت: ماأحَقَّ منْ أُلْبِسَ النعمة، وأُطيلتْ به النَّظرة،
ألايدَعَ التوثق من نفسه قبل حلِّ عُقْدته، والحُلُولِ، بعَقْوَته والمَحَالة بينه وبين نفسه. قال: وما تقطر
من عَيْنَيْها دمعة صبراً واحتساباً، ثم نظرت إليه فقالت: والله ما كان مالُكَ لِبَطْنِكَ، ولا عُمْرُكَ لعِرْسِك.
ثم أنشدت:
رحيبُ الذِّراعِ بالتي لا تُشينُهوإنْ كانتِ الفحشاءُ ضاقَ بها ذَرْعا
قال: وحجَّتْ امرأة من العرب ومعها ابن لها، فأصيبتْ به، فلمّا دُفِنَ قامتْ على قبره، وهي مُرَجِّعةٌ
فقالت: والله يا بُنيَّ لقد غذَوْتُك رضيعاً، وفقدْتُكَ سريعاً، ولم تكن بين الحالين مدةً أَلتَذُّ بعيشِك منها،
فأصبحتَ بعد النَّضارة والغضارة ورونقِ الحياة صديعاً، تحت أطباقِ الثَّرى جسداً هامداً. أي بُنيَّ، لقد
سحبت الدُّنيا أذْيالَ الفناء، وأَسْكنتْكَ دارَ البَلى، ورمَتْني بعدكَ بالداهية الدَّهْياء. أي بُنَيَّ لقد أوْرَثَ
الحُزْنُ نَفْسي فادِحَةً وهي لقلبي شاذِخة. ثم قالت: أيْ رَبِّ، منكَ العدْلُ، ومنْ خَلْقِكَ الجَوْرُ، وهَبْتَ لي
قُرَّة عَيْن فلم تُمَتِّعْني به كبيراً، بل
سَلَبْتَنيه وشيكاً، وأمَرْتنى بالصبر، ووعَدْتَني عليه بالأجْرِ، فصدَقْتَ
وَعْدكَ، وأصبْتَ قضاكَ. اللهمَّ ارحمْ غُرْبَتَه، واسْترْ عَورته، يوم تُكْشَفُ الهَناتُ والسَّوْءات. ثم
انصرفت، فلما أرادت الخروج إلى أهلها عادت إلى قبره، وقفت عليه وقالت: أيْ بُنَي، قدْ تزَوَّدْتُ
لسفري، فياليتَ شعري؛ ما زادُكَ لسَفَرِكَ، وبُعْدِ طريقَك، ويومِ ميعادِك. اللهمَّ إنِّي أسألُكَ لَهُ الرِّضى
بِرِضائي عنه. ثم قالت: اسْتَوْدَعْتُكَ من استودعَنيكَ في أحْشائي جنيناً، وَاثُكْلَ الوالِدات. ما أمضَّ
حرارة قُلُوبِهِنَّ. وأقْلَقَ مضاجعهُنَّ، وَاثُكْلَ الوالدات. ما أطول ليلهُنَّ. وأقْصرَ نَهارَهُنَّ، وَاثُكْلَ الوالدات
ما أقلَّ أُنْسَهُنَّ، وأكثر وحْشَتَهُنَّ، وَاثُكْلَ الوالداتِ ما أبعَدهنَّ من السَُّرور. وأقْرَبهُنَّ من الأحزانِ.
ثمَّ لمْ تَزَلْ تقُولُ من الكلامِ مثْلَ هذا، حتَّى أبْكَتْ منْ سَمِعَها، ثمَّ حَمِدت الله ﷿، واسترجعتْ
وصلَّتْ عند قبره ركعاتٍ وانطلقتْ.
قال: وسمعتُ صالحاً المُري يُعَزِّي رجلاً على ابن له توفي فقال له: إن كانت مُصيبَتُكَ بابنِك لم
تُحدثْ لكَ موعِظة في نفسك، فمُصيبتُكَ بابنكَ جَلَلٌ في مُصيبتكَ في نفسك، فإيَّا ها فابْك.
قال: وماتَتْ أخْتٌ لرَجُلٍ فوجدَ عليها وجْداً شديداً، فقال له رجل آخر:
وإذا تُصِبْكَ مُصيبَةٌ فاصبِْر لهاعَظُمتْ بليَّةُ مُبتلىً لا يصْبِرُ
قال: ونالتْ أعْرابياً مُصيبةٌ، فسَمِعْتُهُ يقول: إنَّها والله جعلتْ سُودَ الرُّؤوسِ بيضاً، وبيضَ الوُجوهِ
سوداً، هَوَّنَت المصائب، وشيَّبَت الذَّوائبَ.
قال: وكان أبو بكر ﵁ إذا عزَّى عن ميِّتِ، قال لِوَلِيِّه: ليس
مع العزاء مُصيبةٌ، ولا معَ الجزعِ فائدة. والموتُ أهْوَنُ ما بعْدَه.
واذكرُوا فقْدَ نَبِيِّكم، تهونُ عنْدَكمْ مُصيبتُكُم، صلى الله علي محمد، وعَظَّمَ أجْرَكُم.
قال: وكان علي ﵁ يقول إذا عزَّى أهل المَيِّت؛ إنْ تجْزَعوا فمَحَلُّ جزَعٍ، وإنْ تصبِرُوا
ففي ثوابِ الله العوَضُ منْ كلِّ فائتٍ، صلى الله على محمد وعظمَ أجْركم.
ولما قُتِل زيد بن الخطاب بن نفيل أخو عمر لأبيه، حزن عليه أخوه عمر ﵁ حزناً
شديداً، وقال: ما هَبَّت الصَّبا إلا وأنا أجِدُ منها ريحَ زيد. وقال ﵁ حين نُعِيَ ابنه: رَحِمَ
الله أخي، سَبَقَني إلى الحُسْنَيَيْن، أسلم قبْلي واستُشهد قبلي. ولما أنشده متمم بن نويرة اليربوعي راثية
في أخيه مالك. قال ﵁ لو كنت أُحْسِنُ الشعرَ لقُلتُ في أخي زيد ما قُلتَ في أخيكَ مالك،
فقال له متمم: لو أنَّ أخي ذهبَ على ما ذهبَ عليه أخوك لَمَا حَزَنْتَ عليه. فقال له عمر: ما عزَّاني
أحدٌ بأحسن ممَّا عزَّيتني به.
وكتب أبو نصر في تعزية وضمَّنها غريقاً:
أتاني ورحلي بالعراقِ عشيةًوأيدي المَطايا قدْ قَطَعْنَ بنا نَجْدَا
نَعِيٌّ أطارَ القلبَ عن مستقرهوكنتُ على قصدٍ فأغلطني القَصْدَا
نَعَوْا واللهِ باسِقَ الأخلاق لا يخلف، ورموا قلبي بسهم أصاب صميمه وماأخْلَف. لقد سام الرَّدى فيه
حُسناً ووسامة، وطوى بطيِّه نجدةً وقسامة،، فتعطَّلَ منه النَّدى والنَّدِيّ، وأشكَل فيه الهُدى والهَديّ. كمْ
راعَ البدْرَ ليلة إبْدارِه، وروَّع العدُوَّ في عُقْر داره. وكمْ سلَّ السيوفَ طولُ قراعه، ودلَّ عليه الضيوفَ
موقدُ النَّار بيفاعه، وتشوَّفَ إليه السرير والمنبرُ، وتصرَّفَ فيه الثناءُ المحبَّرُ. أيُّ فتى غدا له البحر
ضريحاً، وأَعْدى عليه الحينُ ماءً وريحاً، فتبَدَّلَ منْ ظِلِّ عُلاً ومَفَاخر، إلى قَعرٍ طامي اللُّجَجِ زاخر،
وعوَّضَ من صهواتِ الخيْلِ، بلهواتِ اللُّجَجِ واللَّيْلِ، غريقٌ حَكى مُقْلَتيَّ في دَمْعِها، وأصابَ نفسي في
سمعها، ومنْ حُزْنٍ أنِّي لا أسْتَسقي لهُ الغَمامَ فمالَهُ قبرٌ تَجودُه، ولا ثرى تُرْوى بِه تهائِمُهُ ونُجُوده، وقدْ
آليْتُ ألا أُودِعَ الريحَ تحيَّةً، ولا يُورِثُني هُبُوبُها أَرْيَحِيَّةً، فهي التي أثارتْ منَ الموجِ حنقاً، ومشتْ
عليها خَبَباً وعَنَقاً،
حتى أعادَتْهُ كالكثبان وأوْدَعَتْهُ قضيب بان. وَوَاأَسَفاً لزُلالٍ غاضَ في أَُجَاج،
وسلْسالٍ فاضَ عليه بحْرٌ عَجاج. وما كان إلا جوهرٌ آبَ إلى عُنْصره، وغاب عنْ عينِ مُبْصرهِ، ولقد
آن للحُسامِ، أن يُغمد ولا يُشامَ، وللعَذارى ألا يَحْجُبهنَّ الخَفْرُ والاحتشام، يَنُحْنَ فتى ما درَّتِ الشمسُ إلا
ضَرَّ أَو نَفَعَ ويبْكينَ منْ لمْ يدَعْ فقْدُهُ للأنْسِ من مُنْتَفَعٍ. صديقٌ ما حمِدْتُ فيه الأيامَ إلا ذَمَمْتُها، ولا
بَنيتُ به أرْكان المُنى إلا هَدَمْتُها. فكم غدوْنا بروضة مُوَشِّيَة، ووقَفْنا بالسراةِ عشيةَ، وبِتْنا لمْ نَرُمِ
السَّهر، ولم نَشِمْ برْقاً إلا الكأسَ والزّهرَ؛ ولو غير الحِمام زحَفَ إليه جيشه، أوْ سِوى البحر رجف
إليه ارتجاجه وطيشه، لثناهُ من أَسِرَّتِه منْ يتَهَيَّبُهُ ليثَ الشَّرى، ويرهَبُه البطلُ الباسلُ إذا استشرى،
منْ كلِّ أروع، إن عجَّل إليه المكروه ثبَّطهُ، أوْجاءه الشرُّ تأَبَّطَهُ؛ لكنه الموتُ لا ترُدُّهُ الصَّوارمُ ولا
الأسل، ولا يُفوتُه ذئابُ الغضا العُسَّلُ وذكرتُ بمعنى هذا المُزْدَوج الكافي، قولَ الأديب الكامل أبي
عبد الله الرصافي من أبيات له في المعنى وهي:
يا بدر حمصٍ والسِّرار ثلاثةٌعدْ عودةً لا توحش الأيامَا
أما البهاء فقد خلعت رداءهيومَ ادرعت من الخليج غماما
وقضتْ وفاتك أن أُقول لعبرتييا ماء كُنْ سقياً له وسلاما
والنهر لا تبق الربيع بشطهزهراً ولاألف القضيب حماما
فلقد أرقت به حشاشة مهجةثنت المشارب مسكةً ومداما
ماذا عليه وقد علاك مفاضةتياره لو لم يقلك حساما
وأبو نصر قُدْوةُ الكُتاب، وصاحبُ إبداعٍ في كتابته وإغرابٍ، مُخْتَص بالانْطِباع، وجودَةِ القريحة
وذكاء الطِّباع، وهو القائل في المعنى:
أطال الله بقاء أمير المسلمين، وناصر الدين، الشائع عدْلُه، السابِغِ فضْلُه، العظيمِ سلطانه، العلي
شأنه، السني قدره ومكَانُه. في سعدٍ يصرفُ عنه أعْيُنَ النوائب، وجدٍّ يضربُ دونَهُ أوْجه المصائب.
كلُّ رُزْءٍ - أدامَ الله تأييده - وإن عَظُمَ وجَلّ، حتى استولى منه على النُّفوسِ الوجَل، إذا عدا بابه،
وأخطأ حجابَهُ. فقد أخْطَأ - بحمد الله - المقتل، وصدَّ عنْ سواء الغرض وعدل. وإذا كانت أقدار الله
تعا لى غالبةً لا تُطاول، وأحكامه نافذة لاتُزاوَلُ، فالصَّبرُ لِمَواقِعِها أوْلى، والتَّسليمُ لِجَوازِها أقربُ
لِرِضَى المولى، والتزامُ أوامِره أشرفُ وأعْلى.
كتبتُهُ - أدامَ الله تأييدَكَ - والنفسُ بنار زَفْرَتِها مُحْترقة، والعينُ لعبرتها شرقَةٌ مُغْرَوْرِقة، لِما نفذَ بهِ
قَدَرُ الله المَقْدُور، وقضاؤُهُ المسطورِ، منْ وفاةِ الأميرِ الأجلِّ أبي فُلان قدَّسَ الله روحَهُ، وسقى
ضريحهُ، فيالَهُ رُزْءٌ أقْصَمََ الظَّهرَ، ووسَمَ النُّجومَ الزُّهرَ، وأبْكى الأجْفانَ، وأذْكى الأحزانَ، بِمكانَتِه منَ
الدَّوْلَةِ المُنيفَةِ، ومنزِلته من السَّوْرةِ الرَّفيعةِ الشريفةِ، وعندَ الله ﷿ تحْتَسبُه ذخيرةً
عُظْمى، ونسْأَلُ لهُ المغفرة والرُّحْمى. فإنَّه كان - نضر الله وجْهَهُ - مُتَوَفِّرَ الهِمَّةِ على الجهادِ، منْ أهلِ الجدِّ
في ذلكَ والاجتهاد. وحسْبُه أنَّه لم يَقْض نَحْبَهُ إلاَّ في عَسْكَره، فأدْرَكَهُ الموتُ مُهاجراً، ومَعَ الله سبحانه
وتعالى تاجرا، وأرْجُو أن يكونَ الله ﵎ قدْ قرَنَ لهُ فاتِحةَ السعادَةِ، بخاتِمَة الشهادةِ.
وأنّ أمير المُسْلِمينَ أوْرى في الرِّئاسةِ زَنْداً، منْ أنْ تُضَعْضِعَهُ الخُطوبُ وإنْ أهَمَّتْ، أو تُوجِعَهُ
الحوادثُ إذا ادْلهمَّتْ. والله يُحْسنُ عزاءهُ على فجَعِه، ولا يُدْني كارثةً منْ وَلَعِه.
ولغيره في المعنى:
الدُّنيا، صرفَ الله عنْكَ صُرُوفَها، على الفجائِعَ مَبْنِيَة، وقُصَاراها كَدَرٌ أَوْمَنِيَّةٌ، (وإن الحازِمَ من وطَّنَ
لأحداثها)، وأيْقَنَ بانتِكاثِها، فأوْسَعها صدْراً رحيباً، وقلباً صليباً.
كتبتُه - أطال اله بقاءكَ - والدُّمعُ محْدُورٌ، وقدْ حُمَّ قضاءٌ ونفذَ مقْدور، بوفاةِ الشيخِ أبي فلان أبينا
وقُرَّة أَعْيُننا. كان نضَّرَ الله وجْهه ولقاه مغْفِرته ورحمَتَه، ورفعَ في دارِ المُقامَةِ منزلتَهُ. فناهِيكَ أسفي
عليه وتَوَجُّعي، وما أوْ قدَ نارَ الأسى بينَ أَضْلُعي، فأيُّ ذِهنٍ - أعزّكَ الله - ينْطاعُ، أمْ أيُّ كلامٍ
يُستطاعُ، واللسانُ معقولٌ، والفُؤادُ منْقولٌ، والشَّجْوُ دائم، والدَّمعُ ساجِم، لما طرقتْ به الأيامُ، وقرعَتْ
به أسماعَ الأنامِ. فإنّا لله وإنّا إليه راجِعون. لقد أظْلَمَتْ لهذا الرُّزْء الآفاق، وأدركَ بدْرَ تمامِها المُحاقُ،
وإلى الله الشَّكْوَى، فهو
الذي أضْحكَ وأبْكى، وهكذا تزول الجبالُ، وينْصَرِمُ المآل، ويتهَدَّم البناءُ،
ويضْمَحِلُّ السَّنا والسناء. وما أُعَزِّيك - أعزك الله - وأترك نفسي، وقد شرذتما سكَني وأُنْسي، ونالني
من الكربِ لهذا الخطبِ ما لوْ شهِدْتَهُ لراعكَ المنظر، ولجَعَلت نفْسَكَ الكريمة تنْفَطر.
وفي فصل:
وإنَّ الدُنْيا لفي حداد، لما قصدَتْ به منْ داهية نآد، فقد كان قائماً بأعْبائها، مبيداً لأعدائها، فهي تَبْكِيه
بأدمُعٍ سجام، وتنْدُبُهُ في كلِّ مقامِ، فيا سُرْعَ ما سلَبَتْهُ المنون، وقد قرَّتْ به العيون، وفَخَرَ به المجْدُ
والفخارُ، وأنابَ قدرُهُ على الأقدار، وعندَ الله تعالى نحتسبُهُ كريمَ النِّصاب قرْماً رفيعاً، وطوداً منيعاً،
وقدْ تساويْنا في الرَّزِيَّةِ، فلْنَعُدْ إلى التَّسليةِ بذلكَ أوْفَرَ ذُخْراً، وأعظمَ أجراً.
وفي هذا المعنى من المنظوم الجَزْل المُشتمل على فنون الانطباع، والنبلِ المُوقِظِ من نوم الغفلة
والسِّنة، والداعي إلى الادِّكار والموعظة الحسنة، المُذكَّر بانصداع الشمل، وفراقِ الوطن والأهل،
وانخرامِ النظامِ، وتجرُّعِ كؤوسِ الحِمام، قصيدٌ فريد للأديب الكامل أبي العباس أحمد بن شكيل في
رثاء والده أبي الحكم، وتوفي في شوال سنةثلاث وستمائة رحمة الله عليه وبركاته:
حَذَار حذار منْ ركُون إلى الزَّمَنْفمن ذا الذي يُبقيعليهِ ومَنْ ومَنْ
أَلَم تر للأحداثِ أقْبَلَها المُنىوأقَتلها ما عرَّضَ المرء للفتنْ
تُسَرُّ منَ الدُّنيا بما هو ذاهبٌويبكي على ما كانَ منها ولم يكنْ
أرى دارنا ليْسَتْ بدارِ إقامَةٍأرَدْنا ثواءً عنْدَها وهيَ في ظعَنْ
فكمَ سكن الدُّنْيا ملوك أَعِزَّةٌتفانوا فلم تَسْتَبْقِ منهم لها سكنْ
وكمْ في الثَّرى دَسَّتْ جَبينَ مُتَوَّجٍفأصبحَ بالأقدامِ يُوطا ويُمْتَهَنْ
وذي جُنَّةٍ كانت تقيه منَ الرَّدىأتاه الرَّدى فاعْتاض منها ثرى الجَنَنْ
وكالصَّقرِ فوْقَ السابِقاتِ اعْتَضَتْ بهأعَاليَ أعْوادٍ منَ النَّعْشِ فارْجَحَنْ
ومنْ ضاقَتِ الدُّنْيا به وبِجَيْشِهطوتْ شخْصَهُ في قيْدِ شبْرٍ من الكفنْ
ومحْتَجِبٍ لا يخرقُ الإذْنُ حُجْبَهولَجْنَ مناياهُ عليه وما أَذِنْ
وذي حرَسٍ لا يَغْفَلُونَ احتراسهُرمَتْهُ فلم يُنْصَرْ عليها ولم يُعنْ
وماسحِ عِطْفيهِ منَ الدَّرنِ انبرَتْلَهُ الدُّودُ أكْلاً فانْثنى دَرَنَ الدَّرَنْ
وذي أَمَلٍ منْ دُونِه أجَلٌ لَهُغَدَا شرَكاً ما كانَ قبلُ له وسَنْ
فما أَعْثَرَ الآمالَ في أجلِ الفتىوأقربَ أيَّامَ السرورِ من الحزَنْ
عفاءٌ على الدنْيا فإنَّ نعيمَهاكأَضْغاثِ أحلامٍ تلَذُّ بلا وسنْ
فبَيْنا الفتى في ظلِّها إذْ تقَلَّبَتْبهِ فاتَّقَتْهُ وهيَ قالِبَةُ المجَنْ
لعَمْركَ إنِّي قدْ حزنْتُ فلمْ أَهِنْوكُنْتُ جديرَ الرُّزْءِ بالحُزْنِ والوَهَنْ
دَهَتْني المَنَايا في أبي حَكَمٍ أبيومنْ قبْلُ وارَيْتُ الشَّقيقَ أبا الحَسَنْ
فيالَكُما بدْريْ علاء تساقطاوكانا سنا عيْني وأسْناهُما الأسنْ
تَضَمَّنَ شَوَّالُ مناياهُما معاًفبينَهُما حوْلٌ وفَقْدَُهُما قَرَنْ
تلا فقْدُ هذا فقْدُ ذا مُتتابِعاًفشمْسٌ تلتْ بدْراً وأصْلٌ تلا غُصُنْ
خلا منْهُما النَّادي وكانا وقارَهُفزُلْزِلَ رَضْوى واستُطِيرتْ به حَضَنْ
ولمْ يُبْقِ رَوْضي بعدَ هَلْكهِمَا الحَيَاوكُنْتُ أسَقِّي مِنْهُما السُّحُبَ الهُتُنْ
فَلِلَّهِ صبري بلْ شُجُوني فإنَّنينشَرْتُ اصْطِباراًوانْطَوَيْتُ على شجَنْ
بدا أعْظم الأرْزاء واكتَتَمَ الأسىفناقَضْتُ جُلَّ النَّاسِ في السِّر والعَلَنْ
فَقُلْتُ لجِسْمِي خالياً أنتَ والضَّنىوللرُّوحِ بِئسَ الرُّوح مالَك لمْ تَبِنْ
فقال فُؤادي هلْ أذُوبُ منَ الأَسَىفَقُلتُ تعَجَّلْ لا أبا لكَ وافْعَلَنْ
وقالتْ دُمُوعي هلْ أَفيضٌ وإنْ جَرىمعي الدَّمُ مسْفُوحاً فقلتُ افعَلي وَإنْ
أبْعدَ يعيشٍ سلْوَةٌ وتَصَبُّرٌلقدْ فَسَدَتْ عنْدي صنائعُهُ إذَنْ
فأيْنَ الأيادي السَّالِفاتُ التي بهاشهيدٌ عليَّ الطِّفْلُ والكهْلُ واليَفَنْ
وأيْنَ حَنانٌ كنْتُ أعْرِفُهُ بهِفيا قَلْبُ ما أشْجى عليهِ وما أحَنْ
وكمْ مِنَنٍ من دون مَنِّ تتابَعَتْعليَّ لهُ، والنَّاسُ مَنٌّ بلا مِنَنْ
وكمْ منْ عظيمٍ قدْ وقاني بنفسهفهانَ ولولا عَطْفُهُ بِيَ لمْ يَهُنْ
سأُثْني عليه بالذي هُوَ أهلُهُوإنْ يَكُ تَقْصِيرٌ فإقْصارُ ذي لسنْ
أبي ما أبي لا يُبْعِدِ اللهُ مثلَهُوَمَنْ مِثْلُهُ ذو اليُسرِ في عُسْرَةِ الزَّمَنْ
جوادٌ يزينُ الجُودَ منْهُ تواَضُعٌففَوْقَ الذي أبْدى منَ الجُودِ ما أكَنْ
إذا سُئلَ المعروفَ أسْبَلَ وابِلاوإنْ هو لمْ يُسْألْ تفَجَّرَ أوْ هَتَنْ
ولَمْ يَدَّخِرْ في أمْسِهِ قُوتَ يَوْمِهِنزاهَةَ نفْسٍ لا كَمَنْ حَاطَ واخْتَزَنْ
ولو قال أبو العباس ﵀: (قناعة نفس) عوض (نزاهة نفس) لكان المعنى أطبع، والمساق أبهى
وأبدع. على أن قوله مطبوع موافق، وسنا البلاغة عليه لافح ورائق، لأنه كان في النظم قدوة أهله،
وسالك فِجَاجِه وسُبله، حسن التصرف في ميدانه، ومُبَرَّزاً أمام حلْبته وفرسانه، ولم أقصد بهذا التنبيه
الطعن عليه، ولا نسبة التقصير إليه، فلست مِمَّن يعدل السَّبَج بالذهب، ولا يعرف الفرق بين النَّبعْ
والغَرَب.
رجع
شبيبَتُه بينَ المَكارِمِ واللُّهاوشيبَتُهُ بينَ الفرائضِ والسُّنَنْ
لَعَمْري لنِعْمَ المرءُ حيَّا وهالِكاًلِدَافِنِهِ الفخْر العظيمُ بمَنْ دَفَنْ
فبُورِكَ منْ قبْرٍ وطُهِّرَ منْ ثرىوقُدِّسَ منْ روحٍ وعُوفيَ منْ بدَنْ
رجَوْتُ لهُ عفْوَ المُهَيْمِن إنَّهُهوَ المَلِكُ الغَفَّارُ ذو الطَّوْلِ والمِنَنْ
لَه المُلْكُ في الدَّارَينِ والحُكْمُ مثْلَ مالَهُ المَلَوَانِ والَّذي فيهما سكَنْ
وأرْجُو لَهُ حُبَّ النَّبِيِّ مُحمَّدٍفذَنْبُ مُحِبِّيه بِغُفْرانِه قَمَنْ
وأرْجُو لِسُقياهُ سِقايةَ مورِدٍحَلا حوْضُهُ ما بينَ أَيْلةَ واليَمنْ
فقدْ قامَ بالتَّوحيدِ والخمسِ عُمْرُهُوصلَّى على المُخْتار واتَّبَعَ السُّنَنْ
خَلِيلَيَّ إنَّ الصَّبْرَ صبْرٌ ولا أرىسِواهُ لشَجْوي إنَّهُ أعصَمُ الجُنَنْ
قِفا حَيِّيا القَبْرَ الذي حَلَّهُ أبيمعي إنَّهُ رأْيٌ بريءٌ منَ الغَبَنْ
ولسْتُ وإنْ أنْحَى الزَّمانُ بصرفِهعلَيَّ ونالَتْني صُروفٌ منَ المِحنْ
بفاقِدِ شيءٍ منْ أبي غيرَ شخْصهِولا بائِع القُربَى ببخْسٍ منَ الثَّمَنْ
عَسى الله في الفِرْدَوْسِ يجْمعُ بَيْننافإنَّ الرَّدى إنْ كانَ يجْمَعُنا حَسَنْ
قوله: (الملوان والذي فيهما سكن) المَلَوان: اللَّيلُ والنّهار. قال: ابن مقبل:
ألا يا ديَار الحَيِّ بالسَّبْعَانِأمَلَّ عليْها بالبَلى المَلَوَانِ
ويقال: الليل والنهار أيضاً الجَدِيدَان. قال سويد بن عامر:
فالخيرُ والشرُّ مقرُونان في قرَنٍفكلُّ ذلك يأتيكَ الجديدان
ولهما أسماء سوى ما ذكرنا.
وفي رثاء أخيه أبي الحسن ﵀ يقول، وذلك في شوال من سنة اثنتين وستمائة:
رِضىً بقضاءِ الله فَهْوَ مُصِيبُوصبراً على الأحداثِ فهيَ تَثُوب
خليليَّ قَدْوارى التُّرابُ أحبَّتيفَلَمْ يَبْقَ لي فَوْقَ التُّرابِ حبيبُ
أَقِلاَّ وقُوفاً بالمنازِل أَوْقِفافإنَّ الذي تَسْتَبْعِدان قريبٌ
ألَم تُخْبِرا عنْ صاحِبِ القَبْرِ إنّهبِمَرْأى منَ الأهلينَ وهو غريبٌ
تَنَاذَرَهُ الخِلاَّنُ يأْساً فأصْبحوالهم جيئةٌ منْ حَوْلِه وذهُوبُ
وأيُّ نوىً أنْأى منَ القبْرِ شُقَّةًوأيُّ بَقاء بالممَات يطيبُ
على الجدثِ المَهْجُور عُوجاَ فسلِّماسقاهُ الحَيا الوَسْمِيُّ حينَ يَصُوبُ
وإلاّ فَعَيْني، إنْ أبى الغَيْثُ، مُزْنَةٌيدِرّ شمالٌ صوبها وجَنُوب
إذا هاجَها ذِكْرُ الأحِبَّة أجْهشَتْوأسْبلَ دَمْعٌ بالدِّماءِ مَشوبُ
تَأَوّبَني هَمّي فَبتُّ كَأنَّنيعلى مُسْتَقِلاَّتِ النُّجُومِ رقيبُ
كأنَّ اطَّلاَعَ الشُّهْبِ بينَ محَاجِريفَمِنْ ناظري تَبْدو، وفيه تغيبُ
كأنَّ الدُّجى، والشُّهْبَ هَمِي ونارَهُإذا شبَّ منْها في الضلوعِ، لَهيبُ
تقطَّعُ أنْفاسي فأقْطَعُ لَيْلَتيحَنيناً، كما حنَّتْ روائِمُ نيبُ
أقولُ ونفْسِي والأسى قدْ تَمازَجاوقَلْبيَ منْ حَر الفِراقِ يذوبُ
أَلاَ مَثَلٌ لي إنَّه لِيَ مُعْجِزٌوإنِّي لأَمثَالِ الوَرََى لَضُرُوبُ
إذا قُلتُ في شيء كأنِّي كُنْتهُوسِرُّ اتِّخَاذِ المُشْبِهينَ عجيبُ
أنا الميْتُ والثَّكْلانُ والصَّبُّ والشَّجِيفأيُّ شبيهٍ بَعْدَ ذاكَ أُصيبُ
وما سكَني إلاَّ ضريحٌ كأنَّهُلأنْسي به، ظَبْيٌ أحَمُّ ربيبُ
أعاوِدُ لثْمَ التُّرْبِ فيه كأنَّهُلِرشْفي لهُ، ثَغْرٌ أغر شنيبُ
أقامَ عَلِيٌّ في ثراهُ مُغَيَّباولِلْبَدْرِ منْ بعدِ الطُّلوع غرُوبُ
بعيداً عنِ الإخْوانِ رهْنَ قرارةٍتَضَوَّعُ منْ أنْفاسِهِ وتَطيبُ
على سفَرٍ لا زادَ فيه سوى التُّقىولا ظَاعِنُ الأقْوام عنهُ يؤوبُ
أخي سَلَبَتْنيه الخُطُوبُ مُشيحَةًوما الدَّهْرُ إلا سالِبٌ وسَليبُ
وكنتُ أرَجِّي أنْ تزيدَ حَيَاتَهُحياتي، فَشَانَتْها عليَّ شَعُوبُ
وكُنتُ أرجيه لكُلِّ مُلِمَّةٍفقالَ الرّدى إنَّ الرَّجاءَ كَذُوبُ
وكانَ سريعاً حينَ يُدْعى إلى النَّدىوكمْ منْ فتىً يُدْعى وليسَ يُجيبُ
وكان حَياً في المَحْلِ يعْلَمُ ضيفُهُإذا أمَّهُ أنَّ المحلَّ خصيبُ
وكانَ أخا حِلْمٍ يزينك شاهداًوتَأمنُ منهُ الغيبَ حين يغيبُ
ولمْ يكُ ذا عيبٍ ولا كان عائباًولكنْ نقيُّ اللِّبْسَتَيْن أديبُ
فتًى هُوَ حدُّ السيْفِ إنْ رُمْتَ ضيْمَهُوغُصْنٌ لمَنْ رام السَّماحَ رطيب
غَنيٌّ عن الأقوامِ ليسَ بباسطيداً لثوابِ وَهْوَ كانَ يُثيبُ
جميلٌ فأمَّا وجْهُهُ فمُنَوَّرٌطليقٌ وأمَّا صدْرُهُ فرحيب
رُزِيناه لَمَّا لمْ يكُنْ فيه مَطْعنٌولمْ يكُ راجي الخير منهُ يخيبُ
وألْوى به المِقْدارُ غضّاً شَبابُهُتميلُ إليه أعْيُنٌ وقلُوبُ
فَضاعَفَ وجْدي واسْتَحَرّ مُصَابُهُوولَّى عزائي عنهُ وهو مريبُ
وليسَ كمَفْقودٍ تقادَمَ عهْدُهوغطَّى عليهِ مسحقٌ ومشيبُ
أقولُ، وقدْ غنَّتْ حمامةُ أَيْكَةٍومالَ بِها بينَ الأراك قضيبُ
أساجِعةَ الأغصانِ نوحاً، فإننيعلى النَّوْحِ منْ بينِ اللُّحُونِ طرُوبُ
سُقيتُ حُمَيَّا الشّوقِ، فالهَمُّ سُكْرُهَاوأكثرُ ما ألْهى المَشُوقَ نحيبُ
ومُسْتَبْشِر أبْدى السُّرُورَ لِنَكْبَةٍألَمّتْ بنا والحَادِثاتُ ضُرُوبُ
فَقُلْتُ انتظرْ عُقْبى الزَّمانِ فَرُبَّماسقاكَ ذُنُوباً إنْ كَفاكَ ذُنُوبُ
فنحنُ بكينا نبْتَغي الأجر في البُكاونحنُ صبَرْنا والصَّبُورُ لبيبُ
وما جَزَعي للحادثات استِكانةٌولكنَّه للهالكين نَصيب
ولا جَلَدي عنهم سُلُوَّا وقسْوةولكنَّ عُودَ الأكرمين صليبُ
فطوبى لمَنْ لمْ يُعْنَ إلاّ بنفسِهويا ربَّنا إنّي إليكَ أتُوبُ
وله يرثي جدته للأم ونقلتها من خطه:
أدارَ البِلَى أما عمَرت بِمَعْشريفأنتِ الَّتي تُدْعينَ قَفْراً وبلْقَعاَ
على كثرةِ الأهْلينَ أوْحشتِ زائراًوأُلْهَبتِ أكباداً وأجْريْت مدْمَعا
إليك مآبُ الكُلِّ منهمْ مُلَبّثٌقليلاً، وَمِنْهُمْ منْ توَلَّى وودَّعا
ألا ليْتَ شِعْري كيفَ مسَّ الثَّوى بِهافإنِّي أرى فيها مِهَادا ومَضْجَعا
مَضاجِعُ ليْسَ النَّوْمُ فيها بِلَذَّةٍولا النَّوْمُ فيها أنْ تَهُبَّ وتَهْجَعَا
إلى الحَشْرِ، واسم الحَشْرِ وَفْقٌ لِشَكْلِهِجمَاعُ أمورما أهمَّ وأشْنَعا
مقامٌ يَعُمُّ الإنْسَ والجِنَّ هَو لُهُويُحْشَرُ فيه الوحشُ سِرْباً مُفَزَّعاً
تُبَدَّلُ فيه أرْضُهُ غيْرَ أرْضِناوتُطْوى السَّمَواتُ العُلى طيّةً مَعاَ
فيالكَ يوْماً قلَّ سعْي الورى لهُوما فيه للإنْسانِ إلاَّ الذي سعى
تُغَرُّ بِدُنْيا ليسَ تترُكُ منْزِلاًأنيساً ولا شملاً لقومٍ مُجَمَّعاَ
رماني الرَّدى قصْداً فأقْصَدَ مُهْجَتيوأخْطَأَ جُثْماني فأخْفى وأوْجَعَا
أُصِبْتُ بأصلٍ كنْتُ فرْعاً لفرْعِهِوشَأْنُ الرَّدى أنْ يهْصِرَ العُود أجْمَعَا
فنَفسي التي أبْكي، وإنْ كنْتُ باكِياًعَليها، فدَمْعي قدْ تقسَّمَ أَدْمُعا
دَعَتْها المنَايا فاسْتَجابَتْ دُعَاءهاسريعاً وداعِي الموتِ أسرعُ منْ دَعاَ
فَخِلْتُ عَلَيَّ الأَرضَ حَتَّى كأنّماحرامٌ على الأجْفانِ أنْ تتطلَّعا
وحَتْمٌ عليْها أنْ تَصُوبَ فما هَمَتْعلى مُمْحِلٍ إلاَّ وأَصْبَحَ مُهْرَعَا
بَكى بَعْدَها المِحْرابُ شَوْقاً لقربهاوروَّضَ منْها التُّرْبُ خِصْباً فأيْنَعَا
وصلَّى عليها كاتِبا ها وصَحْبُهاوجيرَتُهَا شيْخاً وكهلاً ومُرْضِعاً
سأُثْني عليها بالِّذي هيَ أَهْلُهُفإنَّ ثنائي طابَ قيلاً ومَسْمَعاَ
وما المدحُ والتَّأبينُ ممَّا يَرُدُّهَاولكنَّهُ قدْ صار مَبْكى ومجْزَعَا
عليكِ سلامٌ لا تلاقي بينَناسلاَمُ امرئٍ أمْسى بِفَقْدِكِ موجِعاَ
وله يرثي ابنين لأبي الحجاج يوسف بن مطروح من خطه أيضا:
قِفْ بِرَبْعِ الأسى وُقُوفَ الطَّليحوشِبِ الدَّمْعَ بالدّمِ المَسْفوحِ
واقضِ منْ واجِبِ البُكاء فَعَيْنَاكَ تَجُودانِ عنْ فُؤادٍ قريحِ
إنَّ شدْوَ الزَّمانِ نوْحُ الثَّكَالىوحُمَيَّاهُ كلُّ دمْعٍ سفوحِ
وسيفْنى كما فنينا ويلْقىمالَقينا منْ فُرْقَةٍ ونُزُوحِ
وتَغُولُ المنُونُ مِنَّا أناساًذهَبُوا إذْ مَضَوا بجِسْمي ورُوحِي
وأرى الدَّهّر شامِتاً بالمَعاليفي سَلِيلَيْ فتى بني مَطْروحِ
طلعا طَلعَة الهلالِ علَيْناواسْتَسرا سِرَارَه في الضَّريحِ
هَصَرَتْ منْهُما المَنُونُ قَضيبينِ فَمَالاَ مَعاً إلى التَّصْريحِ
يَا تُراباً أَجنَّ شَخْصَيْهِما أجننْتَ رُكْنَيْ عُلا وبَابيْ مديحِ
وصغيرين غيرَ أنَّ المَعَاليقدْ يُمَتَّعْنَ بالصَّغير الصَّريح
أرِجَتْ تِلكم البطاحُ لطيبٍساطِعٍ منْهُما بعرفٍ نفُوحِ
لَيْسَ مِسْكاً وإنَّما هُوَطِيبُ الذْذِكْرِ تَسْري بعرْفِهِ كُلُّ ريحِ
ضَلَّ سَعْيُ البُكاةِ إلاَّ على أحْمَدَ، يانَفْسُ أَسْعديني ونُوحي
مُر إذْ لا مُحمَّدَ الحيِّ باقٍفاسْتَشِفَا ثَمَادَ قلْبي القريحِ
أسْعداني يافَرْقَدان وغُورافَرْقَدا الأرض غوَّرا في الصفيحِ
كيفَ تَبْقى النُّجومُ بعدَهُما لمْتنْكَدِرْ والجِبالُ ذاتُ جُنُوحِ
كيفَ لمْ تلْفظِ المَقابِرُ موْتَاهَا ويبْدُو الأديمُ غيرَ صحيحِ
ليسَ إلاّ أنَّ التَّصبُّر أجْدىمنْ بُكاء يدُومُ غيرَ مُريحِ
ولقدْ قُلْتُ للوَزير أبي الحَجْجَاج صبْراً لِريبِ دهْرٍ مُشيحِ
مِثْلُ مَفْقُودِكَ اسْتباحَ حِمى الصَّبْرِ كما مِثْلكَ ارْعَوى للنَّصيحِ
فاصْطَبِرْ وارتقِبْ مُراجَعَةَ الحُسْنى مِنَ اللَّهِ فَهْوَ غيرُ شحيحِ
قوله في أول القصيدة (وقوف الطَّليح) يريد الفَاتِرُ المُعْيي.
يقال طَلَحَ الرَّجُلُ يَطْلَحُ طَلْحاً: إذا عَيِيَ وفَتُرَ. قال الشاعر:
لقدْ طَلَحَ البينُ القَذُوفُ ركائبيفَهَلْ أَرَيَنَّ البَينَ وَهْوَ طليحُ
ويقال: ناقةٌ طليح أيضاً بغير هاء. وأنشد أبو العباس أحمد بن يحيى لأبي حية النُّمَيْري:
وقالوا حماماتُ فَحُمَّ لِقاؤُهاوطَلْحٌ فَزِيرَتْ والمَطِيُّ طليحُ
وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنَّ كُفارَ قريش لَمَّا بَلَغَهم إسْلامه ثاروا عليه، فمَا برِحَ
يُقاتِلُهُم حتّى طَلَحَ. والطَّلَحُ أيْضاً، النِّعْمَةُ. قاله ابن السكيت وأنْشد قول الشاعر:
كم رأيْنا من أُناسٍ هَلَكُواورَأينا المَلْكَ عَمْراً بِطَلَحْ
أي: صَاحبُ نِعْمة.
وكتب لأحد أصحابه يُعَزِّيه في ابنة أخ له من خطه أيضاً:
صبْراً أبا عبد الإله عنِ الَّتِيسَلَبَتْ جميلَ الصَّبْرِ يوم تَوَلَّّتِ
عنْ دُرَّةٍ جَلَّى الضَّريحُ جَمَالَهاوعَقيلةٍ بالمَكْرماتِ تَحَلَّتِ
حُجِبَتْ بِتُرْبِ القَبْرِ عنْ أبْصارِنالكِنَّها بينَ الجوانِحِ حَلَّتِ
بَخِلَ الغَمامُ بِصَوْبِه عنْ ترْبِهافَسَقيتُها العَبَراتِ لَمّا انْهَلَّتِ
عَزت على الكُرَماء مِنْ مفْقُودَةودهتْ مُصيبَتُها الجلالَ فَجَلَتِ
لوْ تسْتَبينُ الأرْضُ قدْرَ جَلالِهابِكُمُ لألْقتْ شخْصها وتَخَلَّت
ريْحانَةٌ ذبَلَتْ وقَرَّتْ أعْيُنٌألْقَتْكِ أيَّامَ السُّرورِ وقلَّتِ
حازتْ بكُمْ شرَفَ العُمُومَةٍ فانجلتْشَمساً دَهَاهَا الكسفُ حين تجَلَّتِ
فاصْبِرْ فإنَّ الحُرَّ منْ إنْ تَدْعُهُللصَّبْرِ طابتْ نفسهُ وتَسَلَّتِ
فالموْتُ أمْرٌ عمَّ فينا حُكْمُهُخَضَعَتْ لعِزَّتِهِ الرِّقابُ وذَلَّتِ
وقال أيضاً يرثي:
وخَبَّرَني النَّاعُون ما صَنَعَ الرَّدَىبِأسْماءَ منْ أفْعالهِ النَّكراتِ
فكَذَّبْتُ ما قالُوا، وإنْ كانَ صادِقاًفيَا خيْرَ مُنْعىً، وشرَّ نُعَاتِ
أساءتْ بأسْماء الخُطُوبُ صنيعَهاإليْنا، فأَنْسَتْ سالِفَ الحَسَنَات
طَوى التُّرْبُ منها في حَشاهُ سريرَةًمنَ المجْدِ، والأسْرارُ للْمُهَجَاتِ
ورَوَّضَ ظَمْآنَ الثَّرى منْ سَمَاحِهَافأنْبَتَ زهْرَ الحمْدِ أيَّ نباتِ
سَقَاها الحَيا، والفخْرُ في ذاكَ للحَياوَإلاّ سَقَاها سائلُ العَبَراتِ
وإلاّ سقاها جُودُها في ضريحِهافقدْ كانَ مثْلَ الغيثِ في اللَّزَباتِ
وقالوا: عَجُوزٌ. قُلْتُ: رُبَّ صَنيعَةٍتزيدُ بها حُسْناً على الفَتَيَاتِ
مَضَتْ سَلَفاً، والكُلُّ يقْفُو سبيلَهامُشَيَّعةً بالبِرِّ والصلَواتِ
شَفَى النَّفْسَ أنْ لمْ يَخْلُ منها مَكَانُهاولمْ تَكُ مثْلَ الأعْظُمِ النَّخرَاتِ
ولَكِنَّها أبْقَتْ فُرُوعاً كثيرةًحياةً لَها منْ بَعْدِ كُلِّ مَمَاتِ
كَمِثلِ أبي بَكْرٍ، ومثْلِ سليلِهخَلِيلِي أبي إسْحَاقَ خيْرِ لِداتِي
لَعَمْرُ المَنَايا لا تَفُوزُ بِمِثْلِهافقدْ فَعَلَتْها أعْظمَ الفَعَلاتِ
تداعَتْ سماءُ العِزِّ فانْفَطَرَتْ لهاوأضْحتْ نُجُومُ الفَخْرِ مُنْكَدِراتِ
وباتَ الأسى فيها يَقُضُّ مَضاجِعيويَمْنَعُ أجْفاني لذيذَ سِناتِ
فَقُلْ للْمَنَايا قدْ وتِرْتِ سَرَاتِناتراتٍ بَظَنِّي مِنْهمُ بِترات
فَلَوْ كُنْتِ شَخْصاً ما اجتَرأتِ عليْهموجَنَّبْتِهِم عنْ هيْبَة وَهِباتِ
خليليَّ منْ عَلْيا مُراد تَصَبَّراففي الصَّبْرِ أعْوانٌ على الحَسَراتِ
وكُفَّ الدُّموعَ الواكِفاتِ فإنَّمادُمُوعُ الفَتى وقْفٌ على العَرَصَاتِ
فيَارُبَّ مَنْ تَبْكيه يَضْحَكُ فرْحَةًوأنْت عليهِ دائِمُ التَّرحَاتِ
فإنَّكَ لاقٍ من سُرورٍ ومنْ أسىًوما هُوَآتٍ لا مَحالَةَ آتِ
وقال أبو العباس أيْضاً في رثاء الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄:
أحَقُّ ما كان منْ قَلْبي تباريحُفَلْيَهْنِئِ العَيْنَ أنَّ الدَّمْعَ مَسْفُوحُ
تَأَلَّقَ البرْقُ غَوْرِيا فسَحَّ لَهُسُحْبٌ منَ الدَّمْعِ لَمَّا هَبَّتِ الرِّيحُ
يَاأَيُّها البرْقُ إنِّي عنكَ في شُغُلٍدُونَ المزارِ فَيَافٍ بيْنَنا فيحُ
تخْدي النَّجائبُ حوْلاً في نَفَانِفِهالا يأتيهنَّ إعياءٌ وتطْليحُ
وكيْفَ بالسيْرِ في جَرْداء بَلْقَعَةٍأقْرى مراتِعَها القَيْصُومُ والشيحُ
وسوْفَ أَجْشَم نَفْسي سيْرَ تلكَ إلىبيتٍ أطافَ بهِ في فُلْكِهِ نوحُ
قَبْرٌ بِيَثْرِبَ هَمِّي لوْ ظَفِرْتُ بِهِومقْصدٌ بِجِبالِ الطَّفِّمَطْرُوحُ
منْ كانَ في جَفْنِه دَمْعٌ يَضِنُّ بِهِفُإنَّ دَمْعي لأهلِ البيتِ ممْنُوحُ
آلَ النَّبيِّ لَقدْ سُقْيتُمُ عَلَلاًكأسَ المَنايا فَمَغْبُوقٌ ومَصْبُوحُ
صَلَّى الإلهُ على أشْلاءِ مُنْجَدلٍبِكَرْبلاءَ يُحَيِّي رَوْحَه الرُّوحُ
أوْفى على معْرِك الأبْطال مُحْتَسِباًليْت شِعَاراهُ تَهْليلٌ وتَسْبيحُ
يافارساً هاشمِياً ما أضرَّبِهتثاقُلُ القومِ إذْ نادَاهُمُ رُوحوا
طاروا وأثْبَتَ في الهيْجَاء أَخْمَصَهُصبْراً، وكانَ لَهُ عنْها مناديحُ
حتَّى ثَوى الفارِسُ الحجَّاجُ يتْبَعُهُمنْ هاشِمِ الخَيْرِ فُرْسانٌ جَحاجِيحُ
لمْ يتقوا الضرْبَ بالأكتافِ إذْ صُرِعوابل النَْجيع على اللَّبَّاتِ مَنْضُوحُ
تنْدى الوُجُوه نجِيعاً وَهْيَ مُشْرِقةٌكَأنَّها في دُجَى الهَيْجَا مَصَابيحُ
لوْ كُنْتُ شاهِدَ يوْمِ الرَّوْعِ قُلْتُ لهلشائحُ القومِ جَلْدٌ دونهُمْ شِيحُ
ولا اخْتَضَبْتُ أمامَ الصِّفِّ منْ جَسَدجُوداً بنَفْسي، وبعْضُ الجُودِ مرْبُوحُ
ضلَّتْ حُلُومُ أناسٍ كيفَ لمْ يَرِدوانارَ الكِفاحِ، وزنْدُ الحرب مقدُوحُ
أمَّ الحسينُ بِهِمْ عَدْناً فلَمْ يَلجُوابابَ الجنان عِياناً وهْوَمفْتُوحُ
أمَّا ابنُ حرب فَدَعْ حرْباً وأسْرتَهتلكَ الجُسومُ لَو انَّ العِرْضَ ممْدُوحُ
طافوا برأسِ ابن خَيْر الناس كُلِّهمبئْسَ الطَّوافُ ونِعْمَ الرَّأسُ والرُّوحُ
ولسْتُ أبْسُطُ قَوْلاً في دَعِيِّهِمكُلُّ الدَّعيينَ مَلْعُونٌ ومَقْبُوحُ
ياعينُ جُودي على قتْل الحُسين دَمآًوابْكي جَهَاراً، فإنَّ الوَجْد تصريحُ
ويا لساني عاوِدْ مَدحَهُ أبَداًوإنَّ أيْسَرَ ما فيه الأماديحُ
قوله ﵀: (فيَافٍ بَيْنَنَا فيح)، أي: أرض مُقْفرّة مُتسعة بعيدة. قال الشاعر:
ونَاحتْ وفَرْخاها بِحيثُ تراهُماومنْ دُون أفْراخي مَهَامهُ فيحُ
وقوله:
(ولست أَبْسُطُ قولاً في دَعِيِّهم). فالدَّعِيَّ يعني به عبيد الله بن زياد دَعِي ابن أمية. ووالده كان يقال له
زياد بن أبي سفيان ويقال زياد بن أبيه وزياد ابن أبه وزياد بن سمية بكل هذه الأسامي كان يدعى
وكان قبل الاستخلاف ببني أمية. يدعى بزياد بن عبيد الثقفي وأمه سمية جارية للحارث بن كِلْدَة
الثقفي وكان زياد طويلاً جميلاً يَكْسِرُ إحدى عيْنَيْه. وفي زياد هذا قال الفرزدق للحجاج:
وقَبلك ما أَعْيَيْتُ كاسِرَ عَيْنِهزياداً فلمْ تَعْلَقْ عليَّ حَبائلُهْ
وبَعثه عمر بن الخطاب ﵁ في إصلاح فسادٍ وقع باليمن، فلما رجع من وجهته خطب
خطبة لم يسمع الناس مثلها، فقال عمرو بن العا ص: أمَا والله لوْ كَان هذا الغُلامُ قُرَشِيَّا لَسَاقَ النَّاس
بِعَصاه، فقال أبوسفيان بن حرب: والله إِنِّي لأَعْرِفُ الَّذي وضَعَهُ في رحِمِ أُمِّه. فقال له علي بن أبي
طالب ﵁: ومن هو يا أبا سفيان؟ قال أنا. فقال له علي: مَهْلاً يا أبا سفيان. وأنشد في ذلك
أبو سفيان أبياتاً من الشعر وهي:
أما والله لَوْلا خَوْفُ شخْصٍيراني يا عَلِيُّ من الأعادي
لأَظْهَر أمْرهُ صخْرُ بنُ حربٍولم يُكْنِ المَقالة عنْ زياد
وقد طالت مجاملتي ثقيفاًوتركي فيهِمُ ثَمْرَ الفُؤادِ
وفي زياد وأخويه، يقول يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري وقيل ان عبد الرحمن بن الحكم هو
القائل:
إنَّ زياداً ونافعاً وأبابكرة عندي من أعجب العَجَبِ
هُمُ رِجَالٌ ثلاثةٌ خلقوامن رحم أنثى كُلُّهُمْ لأب
ذا قُرشِيٌّ، كما يقولُ، وذامولىً وهذا ابن عمه عَربي
وحكى الأصمعي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد أنه قال: قال عبيد
الله بن زياد ما هُجِيتُ بشَىءٍ أشَدَّ عَلَيَّ منْ قوْلِ ابن مفرغ:
فكِّرْ ففي ذاك إنْ فكَّرتَ مُعْتبَرٌهَلْ نلْتَ مَكْرُمةً إلاَّ بتَأميرِ
عاشتْ سُمَيَّةُ ما عاشتْ وما عَلِمَتْأنَّ ابْنَها من قريشٍ في الجماهير
وليزيد بن مفرغ في هجاء زياد وبنيه أشعار كثيرة كقوله:
أعَبَّادُ ما للرُّومِ عنك مُحَوَّلٌولالك أُمٌّ من قريش ولا أبُ
وقلْ لعبَيْدِ الله: مَالكَ والِدٌبِحقٍّ، ولا يَدْري امرؤُ كيف تُنْسبُ
وقصته مع عباد وعبيد الله أخيه مشهورة. وقال هو أو غيره في زياد:
زيادٌ لسْتُ أدْري منْ أَبُوهُولكنَّ الحمار أبو زياد
وفيه أيضا يقول:
شهدتُ بأنَّ أمّك لم تُباشِرْأبا سُفيان واضعةَ القِنَاع
ولكنْ كان أمْراً فيه لَبْسٌعلى وَجَلٍ شديدٍ وارْتِياع
وفيه يقول عبد الرحمن بن الحكم حين اعتذر من هجائه من أبيات
له:
زيادٌ من أبي سُفيانَ غُصْنٌتَهَادى ناضراً بينَ الجِنَان
أرادَ أخَاً وعَمَّا وابنَ عمٍّفمَا أدري بعينٍ ما تَراني
وأنتَ زيادةٌ في آل حربٍأحبُّ إليَّ من وُسْطى بَنَاني
وعبيد الله هو الذي وجه عمر بن سعد بن أبي وقاص لقتال الحسين بن علي ﵄، حين
ولاه يزيد (الكوفة) وهو (بالبصرة) فخرج مسرعاً حتى قدم الكوفة، وبعث عمر بن سعد لقتال الحسين
وأردفه شمر بن ذي الجوشن الضبابي لعنه الله، والخبر مشهور. وقتل الدَّعي عبيد الله ابراهيم بن
الأشتر ليلة التقائه معه بالمجاز وقيل حارر وهو اسم نهر بناحية الموصل. وكان إبراهيم بن الأشتر
على جيش المختار بن عبيد، وعبيد الله على جيش لعبد الملك بن مروان، فتقاتلا في ذلك الموضع،
حتى دخل عليهما الليل من يوم عاشوراء سنة سبع وستين بعد قَتْلِ الحسين بست سنين، وتمادى
القتل، فقتل إبراهيم عبيد الله، وانهزم أصحابه أشد هزيمة. فلمّا كان عند الصبح قال إبراهيم
لأصحابه: إنِّي قتلتُ البَارِحَة رَجُلاً، فَوَجدْتُ عليه أثر طيب، فمَا أراهُ إلاَّ عبيد الله بن زياد فالتَمِسُوه،
فإنِّي قَسمتُهُ بنصفين، فرميتُ ذِراعيهِ نحوَ المَشْرِق، وساقَيْهِ نحوَ المَغْرِب فالْتَمِسوه. فَوَجَدوه كما ذكر،
فلمَّا قُتِلَ عُبيد الله حُزَّ رأسُهُ، وبَعَثَ به المختار بن عبيد بن مسعود إلى علي بن الحسين،
وحكى الرّسولُ الذي مشى برأسه إلى علي بن الحسين، قال: دَخَلْتُ على علي بالرأس، وهو يتَغَذَّى، فقال:
سُبْحان الله. لقدْ أُدْخِلَ رأْسُ أبي عبد الله، يعني الحسين على عبيد الله بن زياد، وهو يتغدَّى.
رجع
وقال أبو العباس أيضاً:
يابَرْقُ بَرقاً بينَ مَرْوَةَ والصَّفاباكِرْ بِسُقْيا الحَجِّ ديناً قدْ عَفا
واهْدِ الحَجيجَ إلى مَعالِم مكَّةٍفلقدْ تركْتَهمُ حَيَارى وُقَّفا
حَمِّل عِمَامَكَ ديمَةً منْ زَمْزَمٍوانْضَحْ بِريَّاها القُلوب الرُّجفا
وَاكْحَلْ جُفُوني منْ سَوافي ريحهاإنِّي أشحُّ بتُرْبِها أنْ يَنْسِفَا
بينَ الحجونِ إلى الحطيم لأحْمدٍأثَرٌ زكَامنْهُ الثَّرى وتَشَرَّفا
بِمِنىً بجَمْرَتِه إلى عَرَفاتهناهيكَ مسْعى للنَّبي وموْقفا
والحِجْرُ والحَجَرُ الأحمُّ تَأَلَّقتْأَنْوارُهُ فأبى الهُدى أنْ تُكْسَفا
وَمَقامُ إبراهيمَ يَدْعو رَبَّهُقد أثَّرَتْ قَدَمَاهُ في صُمِّ الصَّفا
والبيتُ ذو الأستار تمْسَحُ رُكْنهُوُرْقُ الحَمَامِ عِياذَةً وتعَطّفا
يالَيْتَ أنِّي في ذراهُ حَمَامَةٌأدَعُ الهديل سُدًى وَأَبْكي المصطفى
يا عيْنُ بَكِّي للدَّفينِ بِطيبَةٍولِمَفْرقٍ بِدَمِ الوَصيِّ تغَلَّفا
أخَوَيْنِ خَيْرُهُما بِحَرَّةِ يثْرِبٍثاوٍ وَآخَرُ بالعِراقِ تَخَلفا
شُلَّتْ يمينُ المُلْجَميِّ فإنَّهُتَرَكَ الإِمَامَة بالإمام على شَفا
أرَتِ الشَّماتَة بالوَصِيَّ أمَيَّةًلا سَرَّها قتْلُ الوصيِّ ولا شَفى
ودَّت أمَيَّةُ لوْ يُصابُ بِسَيْفِهايكْفِيكَ جَمرُهُ يا أميةُ لوْ كَفى
أشَفَاكُمُ منْ يومِ بدْرٍ قَتْلُهُتِلْكَ الشَّهادَةُ ما بذلكَ مَنْ خَفَى
وَابْكِي على السِّبْطين بعْدَ أبيهماَحُبَّا لِجَدِّهِما الرَّحيمَ الأرْأفا
عَمْري لقدْ جَارَ الضَّلالُ على الهُدىبالطَّفِّ في قتْلِ الحُسينِ وطَفَّفا
واهاً لَها منْ عَثْرةٍ لوْ تُتَّقىواهاً لَها من ضِلَّةٍ لوْ تُقْتَفى
ماكانَ أجْدَرَها بأنْ تَدَعَ الظُّبامتَشَظِّياتٍ والقَنا مُتَقَصِّفَا
رضِيَتْ قُرَيشٌ أنْ يُقَتَّلَ هاشِمٌفعَلى قُريشٍ بعْدَ هَاشِمٍ العَفا
لا دَرَّدَرُّ العَبْشَمَيَّةِ كمْ لَهامنْ فَتْكةٍ فيهم عَلَتْ أنْ تُوصَفا
لوْ أنَّ صقْراً في مكانِ أمَيةٍلَحْماً لَحَامَ على الحُسين ورَفْرفا
أوْ أنْ لَيْثاً يوْمَ خَرَّ مَكَانَهاغَرَثاً لَمَهَّدَ للحُسين وأَلْطَفا
أوْ أنَّ سِرْبَ قطاً غداةَ شَكا الصَّدىوافاه مجَّ لِوِرْدهِ ما اسْتَخْلَفَا
مَنَعُوهُ ماءَ النَّهرِ ليْتَ مَدَامِعيمَعَهُ إذاً لَسَقى الرِّكابَ ولا اشْتَفى
إنّي لأشْرِقُ بالزُّلالِ تَذكُّراًهُمُ وأقْلقُ بالنَّعيم تَأسُّفا
يا لَيْتَ شِعْري كيفَ كانَ على العَصارأْسُ الحُسَيْن ونُورُهُ كيفَ انْطَفا
أمْ كيفَ تُقْرعُ بالقضيبِ ثنِيَّةٌكانتْ ملذاً للنَّبِي ومَرْشفا
إنْ يرفعُوا رأسَ الحُسين فقبْلَهرَفَعوا لواذاً منْ أبيه المُصْحَفا
إيهاً حديثاً عنْ فُؤادي إنَّهُذكرَ الرسولَ وآله فتشوَّفا
مَالي طَرِبْتُ بذكْرهمْ فكَأنَّنيعاقَرْتُ منْ ذكرِ الأحِبَّةِ قرْقَفا
أقِمِ الصلاةَ على النبيِّ فإنّهاتذَرُ الذُّنوبَ الشُّمَّ قاعاً صَفْصَفَا
صلّى الإلهُ على النبيِّ وآلهِمن ضَمَّ خَمْسَتَهُمْ كِساءٌ قدْ صَفا
ياربِّ إنِّي قدْ أنِسْتُ بِحُبِّهمفاجعلهُمُ لِيَ عنْ سِواهُمُ مَصْرِفَا
قوله: (والحِجر والحَجَرُ الأَحَمُّ) يعني الأسود، وإنما قال: الأحمُّ لِيقُوم له الوزن. وفَضْلُ هذا الحجر
عظيم، وشرفه معلوم، وذُكِرَ أنه يمين الحيّ القيوم.
حدَّث يحيى بن سليم عن ابن جُرَيْج قال: سمعت محمد ابن عباد ابن جعفر المخزومي يقول: سمعت
عبد الله بن عباس يقول: إن هذا الرُّكْنَ الأسوَد، هو يَمينُ الله في الأرض، فَصافَح بِه عبادَهُ مُصافحة
الرجل أخاه.
وقال القاضي أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن العثماني كتبَ إلَيَّ الشًّيْخُ أبو الفتوح طاهر بن علي
الرفاء المصري وأجاز لي الرواية عنه قوله:
في الحجَر الأسْود سرُّكُمَافي غامضات العلم أسرارُ
فَهْوَ يمينُ الله في أرضهواللَّهُ للأشياء يختارُ
وإنَّما الأمثال مضروبةٌوفي رموز القول تذْكارُ
وطاعةُ الله وعصيانُهُعقباهما الجَنَّةُ والنَّارُ
والوَصِيُّ الذي ذَكَرَ هو علي بن أبي طالب ﵁، وسنذكر بعد هذا طَرَفاً من خبره.
والملجمي هو عبد الرحمن بن ملجم التَّجُوبي. وقيل
السُّكُوني، وقيل الحميري. قال الزبير بن بكار:
تَجُوبُ رجل من حِمْير كان أصاب دماً في قومه، فلجأ إلى مراد فقال: جئت إليكم أجوبُ البلاد، فقيل
له: أنت تجوب. فسمي به. وهو اليوم في مُراد، وهم رهط ابن مُلْجَمُ المرادي ثم التَّجُوبي، وأصله من
حمير، ولم يختلفوا أنه حليفٌ لمراد، وعِدادُه، فيهم، وكانَ فاتكاً ملعُوناً انتدب من لقايا الخوارج لِقَتْل
علي بن أبي طالب ﵁، فقتله ليلة الجمعة لثلاث عشرة، وقيل لإحدى عشرة ليلة خلت،
وقيل بقيت من رمضان. سنة أربعين، وفي ذلك يقول شاعرهم:
علاه بالعَمُودِ أخو تجوبِفأوهى الرأس منه والجبينا
وقُبِضَ رحمةُ الله عليه ورضوانه في أول ليلة من العشر الأواخر منه.
وذكر المزني عن الشافعي عن سفيان بن عيينة قال: قال لي جعفر بن محمد توفي علي بن أبي
طالب وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وقتل الحسين بن على، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وتوفي
علي بن الحسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وتوفي محمد بن علي بن الحسين وهوابن ثمان
وخمسين سنة.
قال سفيان: قال لي جعفر بن محمد وأنا بهذه السنة في ثمان وخمسين سنة، فتوفي فيها رحمة الله
عليه وعليهم.
(حُبَّا لِجَدِّهِما الرَّحِيم الأَرْأَفَا) جاء به منصوباً على المدح للمبالغة فيه. ومثله قول الشاعر:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابن الهُمَامْوليثَ الكَتِيبَةِ في المزْدَحَمْ
فنصب (ليث) على المَدح. وقال الآخر:
الخائضَ الغَمْرَ والميْمونَ طائرُهُخليفَةَ الله يُسْتَسْقى به المطرُ
نصب الخائض والميمون وخليفة الله على المدح والترفيع.
ومثله أيضا قول الآخر:
لقد حَمَلَتْ قَيْسُ ين عيْلاَنَحَرْبَها على مُسْتَقلِّ بالنَّوائبِ والحربِ
أَخَاها إذا كانتْ غضاباً سمَالَهاعلى كلِّ حالٍ منْ ذَلولٍ ومنْ صعْبِ
فنصب (أخاها) على المدح. ولولا ذلك لخفضه على البدل من مستقل.
وقال يونس في قوله ﷿ (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ)، وفي قوله تعالى
(وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ): نصبهما على المدح. ونظير هذا من الكلام:
مرَرْتُ بِزَيْدٍ الرجَل الصَّالحَ. فإن خفضته جعلته بَدَلاً من زيد، وإن رفعته على إضمار هو. والنصبُ
على المدحِ والذم والترحُّم والاختصاص؛ إنَّما هو بإضمار: أعني. فمثال النصب على المدح ماذكرناه
من الأبيات، ومن قول الله ﷿. ومثال الذم قوله ﷿ في صفة المنافقين (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ) وقوله تعالى (مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا)
و (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) على قراءة عاصم ومنه قول الشاعر:
سَقَوْني الخمر ثمَّ تَكَنَّفُونيعُداةَ الله من كَذِبٍ وَزُورِ
وقول النابغة:
وَجُوهَ قرودٍ تبْتغي من تُخَادِعُ
نصب عُدَاة الله، ووجوه قرود على الذَّم. ونظيره في الكلام: مررت بزيد الفاجرَ. والفاسقَ. ومثال
الترحُّم قولك: مررت بزيد المسكينَ والضعيفَ. ومنه قول الشاعر:
ولقدْ خَبَطْنَ بُيُوتَ يشْكُرَ خَبْطةًأخْوَالَنَا وهُمُ بَنُو الأعْمَامِ
فنصب (أخوالنا) على الترحم، ومنه قول امرئ القيس:
فأَسْقِي بِهِ أُخْتِي ضَعيفَةً إذْ نأَتْوإذْ بعُِدَ المزار غير القريضِ
فنصب ضعيفة على الترحم. فأمّا قول ذي الرمة:
وَأَنْتُمْ بني قيسٍ إذا الحربُ شَمَّرَتْحُمَاةُ الوغى والخائضُونَ العواليَا
فانصبه إن شئت على المدح، وإن شئت على الاختصاص. ومن المنصوب على الاختصاص قول
الشاعر:
إنَّا بني مُنْقَرٍ قوم ذوو شَرَفٍفينا سراةُ بني سعد وناديها
ويروى هذا البيت على مساق آخر وهو:
إنَّا بَني منقر لا نَنْتَمِي لأبٍعنْه ولا هَو بالآباء يَشْرِينا
أي يبيعنا. كأنه قال: إنا، أعني بني منقر. وهذه الوجوه التي ذكرناها كثيرة في الشعر والكلام.
رجع
وقول أبي العباس (أم كيف تُقْرَعُ بالقضيب ثنية) الحسين. وذلك أنه لما قتل ﵁ يوم
عاشوراء سنة إحدى وستين، قتله سِنَان بن أنس، وقيل سنان بن
أبي سنان النخعي، وقيل قتله شَمْر بن ذي الجَوْشَن الأبرص الضبابي، وأجهز خولي بن يزيد الأصبحي لعنة الله عليهم ثلاثتهم وسخطه.
حزّ رأسه خولي، وأتى به عبيد الله بن زياد، وهو يقول:
أوْ قِرْ رِكَابي فِضَّةً وذَهَباإني قتلتُ الملِكَ المُحَجَّبا
خيْرُ عِبادِ الله أُمَّا وأباوَخَيْرُهم إذْ يُنْسَبُون نَسَبا
فقال له عبيد الله بن زياد: فَلِمَ قَتَلْتَه إنْ كان خير عباد الله أمَّا وأباً؟ فضرب عنقه ثم أمر بحمل
الرأس إلى يزيد بن معاوية، فحكى القوم الذين حَمَلُوه، أنّهمْ نزَلوا منْزلاً من المنازِل، ووضعوا الرأس
بين أيديهم، فرأوا يداً من حديد قد خرجت فكتبت على جبين الحسين بالدم:
أتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَت حُسيناًشَفَاعةَ جَدِّهِ يوْمَ الحِسَابِ
ويروى أنّ هذا البيت وجد مكتوباً في كنيسة من كنائس الرُّوم، وعليه تاريخه مذ كتب، فَعُدَّ تاريخه
فوجد قبل الإسلام بثلاث مائة سنة. فلما وصل الرأس إلى يزيد جعل ينكث بقضيب كان في يده على
ثَنِيَّةِ الحُسين وهو يقول:
نُفلِّقُ هاماً من رجالٍ أعزَّةٍعلينا وَهُمْ كانوا أَعَزَّ وأظلما
فقال له أبو برزة نَضْلة بن عبيد الأسلمي: ارفعْ قضيبَكَ فَطَالَ واللهِ ما رأيتُ رَسول الله صلى الله
عليه وسلم يُكِبُّ عليه يقبله فذلك الذي عنى أبو العباس بقوله: (أم كيف تقرع بالقضيب) البيت.
وحكى أبو عمر المطرز عن أحمد بن يحيى بن ثعلب عن عمر بن شبة قال: دخل سِنَان بن يزيد
النَّخَعي على الحجاج: فقال له الحجاج كيفَ صنعتَ بالحسين؟ فقال: دَسَرْتُهُ بالرُّمْح دَسْراً، وهَبَرْتُهُ
بالسيفِ هَبْراً، ووكَلْتُه إلى امرئ غيري وَكْلاً فقال الحجاج: ألاَ واللهِ لا تَجْتَمِعُونَ في الجنَّةِ أبَداً. وأمَرَ
له بخمسة آلاف درهم. فلما ولي قال: لا تُعْطُوه إياها.
وحكى مروان بن معاوية الفزاري عن محمد بن عبد الرحمن عن أبي مسلم النخعي انه قال: رأيت
رأس الحسين قد جيء به، فوضع بدار الإمارة بالكوفة بين يدي عبيد الله بن زياد. ثم رأيت رأس
عبيد الله بن زياد قد جيء به، فوضع في ذلك الموضع بين يدي المختار بن عبيد. ثم رأيت رأس
المختار قد جيء به، فوضع في ذلك الموضع بين يدي المصعب، ثم رأيت رأس المصعب قد جِيء
به، فُوُضِعَ ذلكَ الموْضع بين يدي عبد الملك بن مروان، فرأى عبد الملك مني اضطراباً يوم جيء
برأس المصعب، فسألني، وأخبرته بالقصة. وقلت: وهذا رأس المصعب بين يديك، فَوَقاكَ الله يا أمير
المومنين. قال: فوثب عبد الملك عن ذلك المجلس وأمَرَ بهَدْمِ الطَّاق الذي كان عليه.
رجع
وقال أبو العباس أيضاً يمدح أهل البيت صلوات الله عليهم. وقد سئل بعض الجفاة عن تفضيلهم
وتطهيرهم وتقديمهم على من سواهم فقال:
عَادَيْتُ في الله قوْماً أنْكَرُوا رَصَداًللدِّينِ تَطْهيرَ أهْلِ البيتِ ذي الحُجُب
ياأهْلَ بيتِ النَّبِيِّ المصطَفى حَرَبيممَّنّ يُخَفِّضُ منْ أَقْداركُم حَرْبِي
منْ لمْ يَقُلْ إنَّ خيرَ النَّاسِ كُلهُمُأنْتُم، فقدْ سدَّ بابَ الصِدْق بالكَذِبِ
اللهُ طهَّرَكُم والرِّجْسَ أذْهَبَهعنْكم، شَهادَةُ ربَّ العرْشِ في الكُتُبِ
وقائلٍ لا، جَوَاباً عنْ طَهارَتكمْويْلٌ لِقَائلِها، إنْ كانَ لمْ يَتُبِ
أخو الرَّسول، أبو السِّبْطَيْنِ، أكْرمُ منْيَمْشي على الرّتبِ أوْ يَرْقى على الشُّهُب
يا منْ يُفاخِربالأْنساب، هلْ لكَ فيفخْرٍ فحُبُّ النبيِّ المُصْطَفى حَسَبي
وحُبُّ فَاطِمَةٍ والمرتضى حَسَنٍوصِنْوِهِ وعليِّ كاشف الكُرَبِ
يومَ البعير ويومَ النَّهْروانِوفي صفِّين داوى شُكاةَ الدينِ بالقُضُبِ
ما كنتُ أجْعَلُ شَكاً في أبي حَسَنٍولوْ رَمَتْني جميعُ العُجْمِ والعَرَبِ
وقال أيضاً في المعنى ردَّا على ذلك الجافي المذكور بعينه:
لقدْ طَهَّرَ الرحْمنُ آلَ محمدٍوأذْهَبَ عنْهُمْ رِجْسَهُمْ وَهَدُوا كُلاَّ
عَجِبْتُ لِقوْمٍ لا يرَوْنَ وصيَّةأبا حَسَنٍ للأمْرِ يومَ انْتدوا أهلاً
أَمَا كان في آلِ النَّبيِّ مُحَمَّدٍبِزَعْمِهم منْ يَشْهَدُ العقْدَ والحَلاَّ
كَذَبْتُمْ، أخُوهُم كانَ فيهمْ وَعَمُّهُأشَدُّ الوَرى رأْياً وأوْثقُهم إلاَّ
فمَنْ كان يَدْعُوهُ الرَّسُولُ لنصْرِهإذا لَقَحَتْ حرْبٌ ومنْ كانَ للْجُلاَّ
ومنْ كان في دارِ النَّبيِّ خليفَةًكهَارُونَ من مُوسى، ومنْ بسَطَ العْدْلا
ومنْ كانَ مَوْلىً منْ يُوالي مُحَمَّداًومنْ كانَ أَسْمى في المنَاسِبِ أوْ أعْلى
فموسى وهارُونٌ كأحْمَدَ والرِّضاعَليٍّ فهلْ من ثالِثٍ نَالَ ذا الفضْلاَ
أخُوَّةُ خيْرِ النَّاسِ خيْرُ مزِيَّةٍفأيْنَ بِكُمْ عنْ هذه أوْضَحُوا السُّبْلاَ
وأرْبَعَةٌ والمصطَفى خامًسٌ لهُمأفاضَ عليهمْ مرطهُ وتَلا فَصْلاَ
وفيهم عليُّ بالكِسَاء مُلَفَّعاًوفي سورة الإنسان أمْداحُهُ تُتْلى
وإني لأعْطي أوَّلَ الفضْل رُتْبَةًوإنْ لامَنِي قوْمٌ لأوَّل منْ صلَّى
قوله ﵀: (ومن كان في دار النبي خليفة) إلى آخر الأبيات، إشارة إلى علي بن أبي طالب
﵁. ذلك أن علياً أول من آمن بالله من الناس بعد خديجة، وأول من صلى مع رسول الله
ﷺ معها، وأنه صلى القبلتين، وهاجر وشهد (بدراً) و (حديبية) وسائر المشاهد،
وأبلى يوم (بدر) و (أُحُد) و (الخَنْدَق) و (خَيْبَر) بلاء عظيماً، ولم يتخلف عن مشهد شهده الرسول
﵇ إلاّغزوة (تَبُّوك)، فإن رسول الله صلى الله عليه خلفه على (المدينة) وعلى عياله، وقال
له: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لانبي
بعدي)، وقال له ﵇: (أنت أخي وصاحبي).
وآخى بينه وبين نفسه ﷺ يوم آخى بين المهاجرين والأنصار، وقال له:
"أنت ولي كل مؤمن بعدي، وأنت الذائذ عن حوضي يوم القيامة، تذود عنه الرجال كما يُذادُ البعيرُ
الصادي". وزوَّجه رسول الله ﷺ ابنته فاطمة في سنة اثنتين من الهجرة، وهي سيدة
أهل الجنة ماخلا مريم ابنة عمران، وقال لها: "زَوَّجْتُكِ سيِّداً في الدنيا والآخرة" وفضائله رضوان
عليه كثيرة لا تحصى، وخصوصية بالنبي ﷺ مشهورة. وكان ﵁ يقول:
"أنا عبد الله وأخو رسوله، لا يقولها أحد غيري إلاّ كذَّاب". وروى عن جماعة من الصحابة عن النبي
﵇ انه قال يوم (خيبر) لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله،
ليس بفرار يفتح الله على يديه. ثم دعا لعلي وهو أرمد، فتفل في عينيه، وأعطاه الراية، ففتح الله
عليه. ولما نزلتْ (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا). دعا رسول الله ﷺ فاطمة وعلياً وحسناً وحسيناً، وهو في بيت
أم سلمة، فأقعد علياً عن يمينه، وفاطمة عن شماله، وحسناً وحسيناً في حجره، وألقى الكساء على
نفسه صلى الله عليه وعليهم، وقال: "اللهم إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرَّجس وطهرهم تطهيرا"
وإلى هذه الفضائل أشار أبو العباس في أبياته المذكورة.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ﵀، ومكانه من العلم
والفَضْل والوَرَع مَعْلُومة: كُلُّ منْ نازَعَ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في خلافته، فهو باغ. على هذا عهدت
مشايخنا لقوله ﵇: "تقتل عمار الفئة الباغية" يعني عمار بن ياسر بن عامر العبسي. وقتل
عمار ﵀ (بصفين) وكان مع علي ﵁، ووُجِدَ مقتولاً على باب سرادق معاوية.
وأتى يومئذ رجلان إلى معاوية يختصمان في رأسه وسلبه، أحدهما: أبو الغادية الجهني، والآخر هوى
بن ماتع. وقيل هوى بن جزء طعنه أبو الغادية واحتزّ هوى رأسه، ويقال إنهما اختصما في رأسه،
وسلمه إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فقال لهما، اخرجا عني، فإني سمعت رسول الله
ﷺ يقول: "أولعت قريش بعمار يا ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار".
وفي مقتل عمار يقول الحجاج بن غزية الأنصاري من أبيات رثاه بها:
قال النَّبِيُّ له تَقْتُلْكَ شِرذمةٌسِيطَتْ لُحومهمُ بالبَغْي فُجَّارُ
فاليَوْمَ يعلمُ أهلُ الشام أنهمُأصحابُ تلك وفيها العارُ والنارُ
وكان أهلُ الشّام يسمون قتل عمار فتح الفتوح. وفي عمار قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وقد سمع رجلاً من المهاجرين قد أغلظ عليه في شيء، فقال: "عمَّار جِلْدةُ ما بين عيني وأنفي فمن بلغ
منه فقد بلغ مني" وأشار بيده فوضعها على عينيه.
وقال أبو العباس في طريقة الصوفية:
حدَّثني الشوقُ عنْ تباريحيأن ضنى الجِسْمِ صَيْقَلُ الرُّوحِ
وأنَّ صُفْرَ الوُجُوه مُسفرَةٌتُشْرِقُ في الليل كالمَصابيح
وأنَّ رَوْحَ الإلهِ مُطَّلِعٌعلى المحبينَ في التراويح
أفْلَحَ عبدٌ جَفا الكرى سَهَراًبين سجودٍ وبين تسبيح
خلا بمولاه غيرَ مُلتَفِتٍفي الجمْعِ للفَرْقِ غيرَ تَلْوِيح
أصبح منْبتُ سيْرهِ فَلَهمنْ لُطْفِ مَوْلاه أيُّ تَرْويحِ
شاهدٌ ماغَابَ في سَريرَتِهوطَارَ إحساسُهُ معَ الرِّيحِ
لا مثْلَ منْ لُوِّنَتْ مَسَالِكُهفَتاهَ بينَ المَهَامهِ الفيحِ
عرِّضْ بالحقِّ في المثال لهُوالفوْزِ، لوْ نالَهُ بتصريح
موْلاي إنِّي علَيْكَ مُعْتَمدٌفجُدْ بفضْلٍ عليَّ ممْنوحِ
ونجِّني فالذُّنوبُ مُغْرقتيوأنتَ نجَّيْتَ تابِعي نوحِ
وفي المعنى أيضاً يقول:
أجيرَةَ بيتي مالَكُمْ بِكُمُ السَّهوُأمَرَّلكمْ شَجْوٌ وطابَ لي الشَّجْوُ
خَدعْتُكُم واسْتَأثرَ القلبُ بالهَوىلكُم مُرّهُ البادي وفي كبِدي الحُلْوُ
أبَتْ كَبِدُ المشتاقِ أنْ تَسْأمَ الجَوَىولو سئمتْ لم يَسْأم الجَسَدُ النِّضْوُ
لقدْ سَقَمَتْ أهْواؤُكُم فَزَلَلْتُمُولوْ صحَّتِ الأهْواءُ لا تّصَلَ الخطْوُ
وَليَ سيِّدٌ لمْ يَعْلَم النَّاسُ كُنْهَهُقريبٌ فإنْ هَاجَرْتُهُ بعُدَ الشَّأوُ
جَوادٌ إذا فرَّ المُسِيءُ بِذَنْبِهِإليه فأدْنى جُودِهِ الصَّفْحُ والعَفْوُ
تشاغَل أقْوامٌ بِخِدْمَةِ عِزَّةٍفعَزُّوا وأعْلى عزَّهُمْ ذلكَ القَتْوُ
رَدَدْتُ بِحُبِّيهِ على النّاسِ حُبَّهمْوهلْ كنْتُ أسْتَسْقي وفي يَدِيَ الدِّلوُ
وما سرني أنْ أملكَ الأرضَ كُلّهاوأنَّ فُؤادي منْ مَحَبَّتِه خِلْوُ
ولوْ أنَّ قلبي في يَدَيَّ بلا هَوىلجُنَّ فما ظَنِّي به وهوَ الحشْوُ
إذا هاجَ لي شَوْقٌ تَيَمَّمْتُ نَحْوَهعلى أنَّ منْ أحْبَبْتُ ليسَ لهُ نَحْوُ
وليسَ لَهُ أيْنٌ وليسَ له لَدُنْوليسَ لَهُ مثْلٌ وليسَ لهُ صِنْوُ
أمَثِّلُهُ في خَاطري فيفُوتُنِيوبالقَلْبِ منْ عِرْفانهِ التِّيهُ والزَّهْوُ
وقدْ طارَ حتَّى قرَّ في مطْلَعِ الهُدىفسَوْداؤُهُ حَضْرٌ وأضْلاعُهُ بَدْوُ
أُوَاصِلُهُ في كُلٍّ خَطْرَةِ خاطِرولا لعبٌ عندَ الوِصال ولا لَهْوُ
وُقُوفاً على سُفْلِ البِساطِ تَجِلَّةًولوْلا انْبِساطي كانَ موقِفيَ العُلْوُ
فواحسْرَتي إنْ خابَ مَسْعايَ عنكُمولوْ خابَ أيضاً ما اعْتَرى حُبِّيَ السَّهْوُ
ولا كهذا فَلْيَهْوَ منْ كانَ ذا هَوىوإلاّ فحُبُّ النَّاسِ أكْثَرُه لهْوُ
سُقيتُ الهَوى صِرْفاً فَعربَدْتُ صاحِياًولكنَّ صحْوي دُونَ أيْسَرِهِ النَّشْوُ
حَنَانَيْكَ إنَّ الحُبَّ كَأْسٌ شَرِبْتُهاعلى ظَمَأ صَفْواً فكَدَّرني الصَّفْوُ
فدُونَكُمُ يا أيُّها الشَّرْبُ فانعَموادُموعي لكم خمرٌ ونَوحي لكم شدْوُ
قال أبو إسحاق:
انتهى ما اختلسْتُه واخْتَطَفتُه، ومن أزْهارِ كَلامِهِ واقْتطَفْتُه. ويا حُسْنَها من أزَاهِر، وبدائِعَ وجَواهِر.
أفْكارٌ وألْبابٌ، أحْسَنُ منْ ساعَاتِ الوِصالِ والاقتِراب، بعدَ يَأْسٍ منَ الأحْباب، أُمْنِيةُ راغِبٍ، وعَقِيلَةُ
مُبْتَغٍ وطالِبِ. موالك للقلوب والأسماع، وأفتَنُ منَ الحَسْناء سافرَةَ القناع:
لوْ كنَّ في فَلَكٍ لكُنَّ كواكِباًأوْ كُنَّ في وجْهٍ لكنَّ عُيُونَا
وكان الأديب أبو العباس ﵀ فريد الإبداع في زمانه، معروفاً بانطِبَاعه وإتْقانِه، ولَهُ في أنواع
المديح قصائدُ سُلْطَانيات، تُوليكَ كثْرة طائل، وتدلكَ على أنْبَلِ قائل. بصير بمعاني اللغاتِ والآداب،
كثير التَّنْديرِ في كَلاَمِه والإغرابِ، وقدْ أثْبَتُّ في هذا الديوان من شعره المليح المعاني، السَّالمِ المبَاني،
ما يَسْترِقُّ القُلوبَ والنفوس، وتتيه بحُسْنه المَهَارِقُ والطُّرُوسُ.
وُلِدَ لعشر ليال خلت من شهر رجب الفرد سنة ثمانٍ وسبعين وخمسمائة، وتوفي ﵀ ضحى
يوم الثلاثاء الثالث عشر لجمادى الأخرى سنة خمس وستمائة.
وقال الفقيه الوزير أبو الربيع سليمان بن موسى الكَلاَعي البلنسي من أهل عصرنا، في مدح
الرسول وأزواجه، والصحابة وأهل البيت، وسَمَّى هذه القصيدة: "نَتِيجةُ الحُبِّ الصَّميمَ وزَكَاةُ المنثُور
والمنْظوم" نفعَهُ الله بما صَنَّفَ ونظم في أهل البيت، وفي تَعْزِيزِ نبينا المصطفى المكرم، وفي
أزواجه، أمَّهاتِ المؤمنين
الخَفَرات الطَّاهرات، العَفائف المكرمات، وبلغه من إحسانه الجزيل ما أمَله،
وتقبل دعاءه وعمله فقال ﵁ وأجاد في النسق والنظام، وضمّن أولها ذكر مثال نعل النبي
﵇:
يا مَنْ لِصَبٍّ يرى أشْجَانَه النظرُمَهْمَا تَبَدَّى له من حُبِّه أثَرُ
يَفي لهُ الصَّبر عند النائبات فإنيَلُحْ لهُ أثرٌ لمْ يبْقَ مُصْطَبِرُ
وذاكَ غيرُ ذميم من مواقِعِهِإذا تعقَّبهُ التنقيحُ والنَّظَرُ
فلا يُبالي الشَّجَى وَجْداً يُعَالجهفي ذاكَ لوْ طارَ من حافاتِه الشَّرَرُ
ولا يرْوي اعتذاراً عن لواعِجِهفما عن الرُْشد والتوفيقِ معتذرُ
هدىً أضَل عزاء المستهامِ بِمارأى فيَا لِضلالٍ بالهُدى يفِرُ
رأى مِثالاً لنعلِ المُصْطَفى فَهَفابِهِ النِّزاعُ وهَاجَتْ شَوْقَهُ الذِّكَرُ
وليْسَ نُكْرُ نزاع عند رُؤيَتِهلكنْ قَسَاوَتُهُ في مثْلِها نُكُرُ
أعوذُ بالله من قلبٍ يُطالِعُهافلا يُرى بأليمِ الوجْدِ ينْفَطِرُ
وحَاشَ للهِ أنْ تُهدى الضُّلوعُ علىأبْصَار آثارِ منْ حيزَتْ لهُ الأَثَرُ
مَن صَرَّحتْ بِمزايا فضْل سُؤْدَدِهآيُ الكتاب وشادت مَدْحهُ السُّوَرُ
محمدٌ خيرُ خَلقِ الله كُلِّهِمُمَمَّنْ نمَت يمَنٌ أوْ من نمت مُضرُ
وغيرهم من جميع العالَمين فَلايَزِغْ بِذي العقْلِ عنْ سمْتِ الهُدى البَصَرُ
فَيا مُطارَ الحشَى شوقاً لرُؤيتهوالعينُ تشْتاقُ مهْما أبْصرَ الأثَرُ
مثالُ نعْلِ النبي المصطفى عِوَضٌمنْ نعْلِهِ حينَ حالتْ دُونَهُ الغِيَرُ
فمَرِّغ الشَّيْبَ في ذاكَ المِثَالِ عَسىبِذاكَ شوْبُكَ للأعْمالِ يُغْتَفَرُ
واسْتَشْعِرنْ لَثْمَها في لَثْمِ مَمْتَثِلٍبه حذاءً لهَا أَودى به العُصُرُ
ففي مُشابهِ آثارِ الأحِبَّةِ مَايُرَى به وجْدُ مَشْغوفٍ ويَسْتَعِرُ
واركبْ من الشَّوقِ نحو المصطفى مَتْناًشَجْوَ الضلوع فلا يَفْنى ولا يَذَرُ
وَادْأَبْ على ذكَ واصْبِرْ تجنِ خيْرَ جَنىًفي جَنَّةٍ إنَّما يَحْظَى بها الصَّبرُ
وفي الصلاةِ عليه أيُّ ما وَطرٍفلا يَعُوقَنْكَ عنْ إدْمانِها وَطَرُ
واذْكُرْ مواعدَهُ الحُسْنى لِمُنْتهِجِسَبيلها يتَقَرَّاها ويَغْتَفِرُ
ونادِ في كلِّ نادٍ إذْ تمُرُّ بِهِنِداءَ منْ أُحْكِمَتْ منْ حُبِّهِ المِرَرُ
صلَّى الإلهُ وأهلُ الأرْضِ كُلُّهُمُمعَ السماء وشمسُ الأُفْقِ والقمرُ
والأنْجُمُ الزُّهْرُ منْ أَعْلى معَارِجِهاوالنورُ والظُّلُماتُ البُهْمُ والغُرَرُ
والوحشُ في القَفْرِ والطيرُ المطيفَةُ فيجوِّ السماء تعالى ثمَّ تنْحَدرُ
وكلُّ ما ضمَّنَهُ عُلْوٌ وضُمِّنَهسُفْلٌ من الخلق مما ليس يَنْحصرُ
أزْكى صلاةٍ وأنآها مَدى شرَفٍبكُلِّ معنى لَدى الإعْياءِ يُعْتَبَرُ
كالشَّمسِ في أُفُقٍ كالمِسْكِ في عَبَقٍكالدُّرِّ في نسَقٍ بلْ دُونَها الدُّرَرُ
على البَشير النَّذيرِ المنْتَقى كَرَماًمن مَحْتِدٍ طابَ منْهُ الخُبْرُ والخَبَرُ
منْ مَعْشَرٍ إنَّما هُمْ منْظراً بَشَرٌلكنْ مزاياهُم يُعْنى بِها البَشَرُ
على المبارك منهم مذهباً وأباًوشيمةٌ شأْنُها في الذِّكْرِ مُسْتَطِرُ
على الَّذي ابتهجَتْ سُبُلُ النَّجَاة بهعلى الذي خُتِمَتْ فَخْراً به النُّذُرُ
على ابنِ آمِنَةَ المَرْجُوِّ نائُلُهُيوْمَ القيامَةِ إذْ يُهْدى لَهُ الظَّفَرُ
على المُؤَثِّل دُونَ الأنبياء إذاجَدَّ الحسابُ وأَدَّتْ فَيْحَها سقَرُ
على الذي كَلَّمَتْهُ الشاةُ مُشْعِرَةًبِسُمِّها فانْثَنى عنْ قصْدِها الضَّرَرُ
على الَّذي لمْ تُهْدِ تَحِيَّتهاإليه مَهْمَا رَأَتْهُ الأرضُ والشَّجَرُ
على الذي كان يُسْتَسْقى الغَمَامُ بهفَتَسْتدرُّ بِهِ منْ صَوْبِه الدُّرَرُ
على الذي نبعتْ بالرَّيِّ أنْمُلُهُللوارِدِينَ فهالَ الوِرْدُ والصَّدرُ
فَيَا لِيُمْنِ مُحَيّاً إنْ سألْتَ بِهِفي الجَذْبِ جاءَكَ وَفْقَ البُغْيَةِ المَطَرُ
ويا لَيُمْنى ويُسْرَى ما عَطَاؤُهُمافي أَعْسَرِ العُسْرِ إلاَّ اليُمْنُ واليُسرُ
وضُوعِفتْ بركاتُ الأرْض فانْبَعَثَتْمَشاهِبُ الخِصْبِ بالأَرْزاقِ تَبْتدِرُ
على الذي أَسْعَدَ الأيامَ مَبْعثُهُفاستشْعرتْ طيبَها الآصالُ والبُكَرُ
على الذي حُبُّهُ موت بِمُخْلصهعلى مشارع صَفْوٍ مَا بِها كَدَرُ
صلاةُ صدق وإخْلاصٍ إذا صَدَرَتْعن الضمير فلا ريْبٌ ولا سَدَرُ
تزُورُ تُربتَه دأْباً نَوَافِحُهافيسْتَمِدُّ شذاها الرَّوضُ والزَّهرُ
إذا انْبَرَى رائحٌ منها يُيَمِّمُهابَاراهُ في قصده المَحْمودِ مُبْتَكِرُ
فلا تزالُ بها الآذانُ عَالِيَةًيَحْدوبِها السَّفْرُ أوْ يحْلو بها السَّمرُ
بلا انقضاءٍ ولا عدٍّ ولا أَمَدٍما غرَّدَ الوُرْقُ أوْ ما أوْرَقَ الشَّجَرُ
وَبعده صلواتُ الله عَاطِرَةًعلى الصَّحابَة تَتْلُو زُمْرةً زُهَرُ
جماعة تَحْسِبُ الصديقَ أوَّلَهُمْوَتِلْوُهُ في تناهي فضْلِه عُمرُ
وللشَّهيد ابن عَفَّانٍ مَكانتُهوفي عَلِيٍّ أثارتْ سِرَّهَا الأثَرُ
وللزُّبيرِ حوَارى النبي سنَاجَلاَلةٍ هي في عيْن العُلا حَوَرُ
وطَلْحَةُ الخيْرِ لا تُهْمِلْ فَضَائِلَهوفيضَ كفٍّ لَهُ بالجودِ تَنْفَجِرُ
ومِلْ إلي الخَالِ سعْدٍ فَهْوَ مَنْ قَصَفَتْبهِ الأكَاسِر قَصفاً والقنا كِسَرُ
في موقفٍ يُعْذَرُ الفرَّارُ فيه فَماثناهُ عن هولِهِ جُبْنٌ ولا خَوَرُ
والمُسْتَقِلُّ بِشُورى القومِ مُؤتَمِناًعلى الخِلافَةِ يأْبَاهاً ويَنْشَمِرُ
ذاكَ الأمينُ ابنُ عَوْفٍ فارْضَ عَنْهُ وَعَنْجَمِيعهمْ فَهُمُ أهلُ الرِّضى الزُّهُرُ
ثمَّ اذْكُرنْ عَامِراً واعْمُرْ بِمِدْحَتِهِأَسْماعَ كلِّ عِبادِ الله ما عَمَرُوا
ذاكَ الذي طلَّقَ الدُّنيا وزُخْرَفَهافما تعَلَّقَهُ منْ غمْرها غُمَرُ
فيالَهُ منْ أميرٍ باتَ مُدْرَكُهُفي كلِّ ما كانَ يأْتِيهِ ويَأْتَمِرُ
وما تأخَّر عنْ إهْمالِ واجِبِهذِكْرُ ابنِ زيْدِ ولكنْ قبْلَهُ أُخَرُ
هُمُ الأُلى سَبَقَتْ ذكراهم وَهُمُأهْلُ السَّوابِقِ لا ميْنٌ ولا هَذَرُ
وَكُلُّهمْ وسَعيدٌ عاشرٌ لَهُمُلاَيَدَّعي شَأوَهُمْ في الفخْرِ مُفْتَخِرُ
وأمْرُ حمْزَة لا يَخْفى على أحدٍولا مَكَانَتُهُ في الدِّينِ تُفْتَقَرُ
عمُّ النَّبيِّ وليْثُ الحرب ما بَرِحَتْتَشْقَى بأسْيافِهِ الأعْداءُ والجذُرُ
ومَدْرُهُ البَأْسُ عبَّاسٌ وموقِفهمُسْتسْقيا وغَزَالَى السُّحْبِ تَنْهَمِرُ
ساقي الحجيج وعَمُّ المصطفى وَأَبو الأمْلاَكِ تُنْبِيكَ عنْهُ الكُتْبُ والسِّيَرُ
وفي بَنِيهِ مَعَاني المَجْدِ أجْمَعهاقدْ قَرَّ في كلِّ سمعٍ عنهم خَبَرُ
وكُلُّ أبناء منْ حَبَّرْتَ مِدْحَتهلهُ بُرُودُ ثَناءٍ دونها الحِبَرُ
ولا كَسِبْطَيْ رسولِ الله منْ أَحَدٍوهلْ كفاطِمَةٍ من صفها بَشَرُ
ومَنْ دنَتْ مِنْ رسول الله نِسْبَتُهُدُنُوُّها لهُمُ لمْ يَخْتَطِرْ خَطَرُ
وكُلُّ ذي رَحِمٍ منه فإنّ لهُبذاكَ فَخْراً قُواه ليْسَ يَنْبَتِرُ
وسائرُ الصَّحْبِ والأنْصارِ أَوَّلُهُمْأهلُ الثَّناءِ فهم آوَوْا وهُمْ نَصَرُوا
أيَّامُهُمّ بَيَّضَتْ وجْهَ النبي رضىًوَسَوَّدَتْ أوْجُهَ القوْمِ الأُلى كفَروا
وَإِنَّهُمْ لَخيارٌ فارْعَ حَقَّهمُفَسُنَّةُ الحَقِّ ألاَّ تُهْمَلَ الخِيَرُ
وانظِمْ إلى سِلْكِ منْ تُهْدي الثَّناءَ لَهُأزْواجَهُ فلهَنَّ الشَّأْنُ والخَطَرُ
خديجَةُ البَرَّةُ العُلْيا مَكَانَتُهاوزيرَةُ الصِّدقٍ في الإسلام والوَزَرُ
وأُمُّ كُلِّ بَنيه غَيْرُ منْ وَلَدَتْعَقيلةُ القبْطِ أدَّى ذلكَ الأَثَرُ
وهْيَ المُحَيَّاةُ منْ جبْريلَ مُبْشِرَةًبِبَيْتِ دُرٍّ فَحُمَّتْ عِنْدَها البَشَرُ
وبَعْدَها ابنَةُ أَعْلى النَّاسِ منْزِلَةًعِنْدَ الرسول بَما أَعْلاهُ مُخْتَبَرُ
فتِلْكَ عائِشَةُ المشهورِ موضِعُهامن حُبِّه فاعْذِرُوها إنْ عَرَا أَشِرُ
وليسَ من شَأْنها لكن مَكَانَتُهاحَرى بِهِ فَلْيُزايِلْ صَدْرَكَ الوحَرُ
عَلامَةُ الدِّين أُمُّ المؤمنين متىيَحْضُرْنَها العِلْمُ يَضْمَنْ سَبْقَها الحضرُ
وَحَفْصَةُ بنتُ فاروقَ الهُدى فَلَهَاسَعْيٌ منَ السِّرِّ عند الله مُدَّخَرُ
صَوَّامَةٌ ونَهَارُ الصيف مُحْتَدِمٌقَوِّامَةٌ والدُّجى مُرْخَى لَها الأُزُرُ
وكُلُّ أزْواجِه بالدين مشتملٌٌوكلُّهنَّ بتقوى الله مؤتزرُ
وكلُّهن لنا أُمٌّ مباركةٌمنْ كُلِّ منْ ضَمَّت الأبياتُ والحُجُرُ
مُباركاتٌ تَوَلِّى الله معتَلياًتَطْهيرَهُنَّ فَهُنَّ الصَّوْنُ والطُّهُرُ
وإنْ غَدَوْنَ احتقاراً للْحُلَى عُطُلاًفَخَيْرُ زينَتهن الدِّين والخَفَرُ
وما حُلاهُنَّ بالأَصوافِ مُدْركَةٌوكلُّ ما طال منها فهو مُخْتَصَرُ
كذاكَ وصْفُ الصِّحابِ الغُرِّ تَعْجِزُ عَنْأَدْناهُ ما نَظَموا منه وما نثَروا
فليسَ إلاَّ الرِّضى عَنْهُمْ وصدْقُ هَوىفيهم تَوَفَّرَ عن إِخْلاصِه العِذَرُ
وذَكِّرْ ما ساعد الإمْكانُ ذاكرةًفالعَجْزُ من بعد بَذْل الجَهْدِ مُغْتَفَرُ
وليسَ عجزٌ ولَكِنْ شَأْوُ حَقِّهمُشيءٌ يُقَصِّرُ عنه الطولُ والقِصَرُ
فيا لِساني وقَلْبي ما يَعُوذُكُماعَمَّا يَحِقُّ لَهمْ عِيٌّ ولا حَصَرُ
أوتيتُما حسنَ إدْراكٍ فلا تنياَواجْرِيا لمدى باغيهِ مؤْتجِرُ
وبالِغا إنْ ونى بُعْدُ المَدى بِكُمافي الاجتهادِ فإعْذارُ الفتى عُذُرُ
وأيُّ عَتْبٍ على منْ رامَ مُجْتَهداًمثْلُ الّذي رُمْتُما فاعْتَاقَهُ قَدَرُ
خُصَّا وعُمَّاً عسى ألاَّ يَفُوتَكُمامن الصَّحابَة لا أُنْثى ولا ذَكَرُ
وَكَرِّرا وأَعيدا أنتُمُ فئةًغَيْثُ الرِّضى مُسْتَهِلٌّ كُلَّما ذُكِروا
واسْتَجْزِلِ الدُّخْرَ من إخلاَصِ حُبِّكَ ياقلبي لهُم فَلَنِعْمَ الزادُ والدُّخْرُ
وفي الدُّعاءِ رجاءٌ لا يَخيبُ ولايغِبُّ مُرْتَقبٌ منه ومنْتَظِرُ
فاصْدَعْ به يالِساني ضارِعاً أَبَداًففي الضَّراعَةِ ما يُقْضى بِهِ الوَطَرُ
ويا إلهيَ أَمْتِعْني بِحُبِّهمُحتَّى يُعَمِّرَ بي أَحْشاءَهُ العَفَرُ
وجَازِ يا رَبِّ قلبي عنْ مَحَبَّتهمْعَفْواً يُزوِّدُني إذْ جَدَّ بي السَّفَرُ
واصرف عِنانَ اعتنائي نحْوَ خِدْمَةِ مَايُرْضيكَ عنْ زَلَلِي ما امْتَدَّبي العُمُرُ
كَمُلَ ما أَسْداهُ الفقيه العلم وألْحَمَهُ، ويا حُسْنَ ما أَنْشَأه ونَظَمَه منَ الثَّناء الجميل وتَمَّمه، ولقد سَلَكَ
سبيلاً لا يَعْدَمُ سالكَهُ ثواباً، ولا يزْدادُ من الله تعالى إلاّ دُنُوَّا واقتراباً، والله تعالى يَنْفَعُهُ بما قال، ويأ
جُرُهُ كما أطْنَبَ في الثناء على منْ يُحِبُّ وأطالَ، وكُلُّ ما ذَكَرَهُ منْ مناقِبِ الرسول ﵇
وأصحابه مَعْلُومٌ مشهور، وفي الكتب بالأسانيد الصحاح مذكورٌ، وجاء بالعشْرة ﵃ على
النَّسقِ الواجبِ، في الأماكن من الفضلِ والمراتِب، والسَّنن الذي اتَّفَقَ عليه الأئمة والعُلَماءُ المتقدَّمون
سرحُ هدْي الأُمَّة.
قال الحافظ أبو عمر ﵀ في كتاب (الصحابة): وقف جماعة من أئمة السلف وأهل السنة في
علي وعثمان، فلم يُفَضِّلوا واحداً منهما على صاحبه، منهم مالك بن أنس ويحيى بن سعيد القطان
وابن معين. وأهل السُّنة اليوم على تقديم أبي بكر في الفضل على عمر، وتقديم عمر على عثمان،
وتقديم عثمان على علي، وعلى هذا جماعة أهل الحديث من زمن أحمد بن حنبل؛ إلاّ خواصّ من
جِلَّة الفقهاء، وأئمة العلماء، فإنهم على ما ذكرناه عن مالك ويحيى وابن معين. فهذا ما بين أهل الفقه
والحديث في هذه المسألة، وهم أهل السنة.
قال: وكان يحيى بن معين يقول: من قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعرف لعلي سابقته
وفضله، فهو صاحب سنة. ومن قال أبو بكر وعمر وعلى وعثمان، وعرف لعثمان سابقته وفضله،
فهو صاحب سُنَّة.
قال يحيى بن معين: خَلَوْتُ بأحمد بن حنبل على باب عثمان بن مسلم فقلت: ما تقول؟ قال: أقول:
أبو بكر وعمر وعثمان.
وفي الحديث عن محمد بن طلحة عن أبي عبيدة بن الحكم عن الحكم بن جَحْل قال: قال لي علي
﵁: لا يُفَضِّلُني أحدٌ على
أبي بكر وعمر إلاَّ جَلدْتُه جلد المفتري. وأنكر ابن معين قول منْ قال:
كُنَّا نقول على عهد رسول الله ﷺ: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم
نسكت. وتكلم فيه بكلام غليظ، لأن القائل بذلك، قد قال بخلاف ما اجتمع عليه أهل السنة من السلف
والخلف من أهل الفقه. والأثر أن علياً أَفْضَلُ الناس بعد عثمان. هذا مما لم يختلفوا فيه، وإنما اختلفوا
في تفضيل علي وعثمان.
وقول أبي الربيع: (وللزبير حواري النبي) البيت، هو أبو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد بن
أسد ابن عبد العزيز بن قصي، وفي قصي يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه، وهو حواريه، وابن
عمته صفية بنت عبد المطلب.
وقال ﵇: "الزُّبير ابن عمتي وَحوَاري من أمتى".
وقال ﵇: "لكل نبي حواريّ وحواري الزبير" وسمع ابن عمر رجلاً يقول: أنا ابن الحواري
فقال: (إن كُنْتَ ابن الزبير وإلاَّ فلا).
قال محمد بن السائب:
الحواري الخليل، وأنشد قول جرير:
أَفَبعْدَ مَقْتَلِهمْ خليلَ محمَّدٍتَرجُو العُيُونُ مع الرسول سبيلا
رقال غيره، الحواريُّ: النَّاصر، وأنشد:
ولكنه ألقى زمام قَلُوصِهفيحيا كَرِيماً أو يَمُوتَ حواريا
وقال غيره: الحواريُّ: الصَّاحبُ المستَخلص. وقيل غير ذلك.
وأصلُ الحَوَرِ في اللغة: شِدَّةُ البياض.
وقوله: (وَمِلْ إلى الخَالِ سَعدٍ) يعني سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالك بن وهب. وقيل:
وهب بن عبد مناف الزهري القرشي.
جاء في الحديث عن جابر بن عبد الله قال: كنت عند النبي ﷺ، فجاء سعد فقال:
أنت خالي، وكان سعد مجاب الدِّعْوة مشهوراً بذلك، لأن النبي عيه السلام دعا له وقال: "اللهم سَدِّدْ
سَهْمهُ وأجبْ دَعْوَتَه" وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وذلك في سرية عبيدة بن الحارث. وفي
ذلك يقول سعد:
ألا هَلْ جاءَ رسول الله أنيحَمَيْتُ صحابتي بصدور نَبْلِي
أذودُ بها عَدُوَّهمُ ذياداًبكلّ حَزُونةٍ وبِكُلِّ سَهْلِ
فما يعتد رامٍ من مَعَدٍّبسهمٍ مَعْ رَسُولِ الله قبلي
ولما قُتِل عن راية المشركين من بني عبد الدار يوم أحد من قتل، أخذ اللواء غلام لهم أسود، وكان
اللواء قد انتكس فنصبه العبد وبربر يسُبُّ. رماه سعد بسهمٍ ُأصاب ثغرته، فسقط العبد صريعاً، فأقبل
أبو سفيان، وقال: منْ رَدَاهُ منْ رَدَاهُ؟ أي، منْ رماهُ، ومن أصابَه.
يقال: رَدَيْتَ الرجل، إذا رميته. وأكثر ما يستعمل رَدَيْتَ في رمي الحجارة.
وسعد والزبير جمع رسول الله ﷺ أبويه، فقال لكل واحد منهما: "ارم فِداكَ أبي
وأمي" وكان سعد بن أبي وقاص من القُرَّاء وكان يكنى أبا إسحاق.
وقوله: (ذاك الأمين ابن عوف) يعني عبد الرحمن بن عوف. روى عن رسول الله صلى اله عليه
وسلم أنه قال: "عبد الرحمن بن عوف أمينٌ في السماء أمين في الأرض". وقال فيه عبد الرحمن: سيد
من سادات المسلمين. وفي الحديث فيما روى ميمون بن مهران عن ابن عمر أن عبد الرحمن ين
عوف قال لأصحاب الشورى، هل لكُم أن أخْتار لَكم، وأُشْفَى منها؟ فقال علي ﵁: أنا أولُ
منْ رضي، فإني سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عيه وسلم يقول: "أنت أمينٌ في أهل السَّماء، أمينٌ في
أهلِ الأرض".
ومناقبهم رضوان الله عليهم أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تُحْصى وتُحْصَرُ، وهمُ الأولياءُ الذين
طلقوا الدنيا ثلاثاً، وتركوا أسباب زخارفها رِثَاثاً. آياتُ فضلِهم ظاهِرة، وأَقْمار شَرَفِهم وسؤدَدِهم نَيِّرَةٌ
باهِرةَ، ومراتِبُهمْ عالية، وأماكِنُهم هائلة، ورحمَةُ الله عليهم مُتَواتِرةٌ مُتوالية، ﵃ أجْمعين.
وقال الوزير الأجل أبو عمرو بن غياث شيخنا في رثاء ابن لأحد أعيان بلدنا:
هذي المَطالِعُ أيْنَ بَدْري السَّارِيأَتُرى اعْتَراهُ مَدارُه بِسِرارِ
أومَلَّ مطلعهُ فَمَال إلى الثَّرىيَسْري على فُلْكٍ به دَوَّارِ
هَيْهَاتَ أعْجَلَه الأُفُولُ بأفْقهإنَّ الأُفولَ لآفةُ الأَقْمار
يا كَوْكَباً ما كانَ أَقْصَرَ عُمْرهوكذاكَ عُمْرُ كواكِبِ الأسْحَار
لَهْفي عليْكَ وقلَّ لَهْفي أن أرىحَيَّاً وما غيْرُ البُكاءِ شِعارِ
ياموتَ كِبْدي قد أَخَذْتُ ولم تدَعإلاّ أنينَ الحُزْنِ تحتَ دثار
أقْسمتُ لوْ أنِّي بمُقلةٍ نائمما إنْ أحسَّتْ غيرَ دَمْعي الجاري
بكَ كُنْتُ أُبْصِرُ يا بُنَيّ وها أناأعْمى وإنيِ منْ ذوي الأبْصارِ
بكَ كنتُ أسْطو أوْ أصولُ على العِدَىفي جُنْح ليْلٍ أوْ ضياء نَهارِ
بكَ كنُت مُنْتَصِراً فما أَسْلمْتَنيللنَّائبات ولا أضَعْتَ ذماري
لهْفي عَلَيْكَ وتمَّ لَهْفي دائماًضَعُفَتْ قوَايَ وَبُدِّدَتْ أنصاري
سلَبَتْكَ عَنِّي النَّائباتُ بسُرْعَةٍسلبَ النَّواظر منْ حِمَى الأشْفار
كُنْتَ المُهَنَّدَ حيْثُ شمَتُك لمْ تزَلْفي نُصْرتي أمْضى من الأقْدار
والسّيفُ مهْما شيمَ رُدَّ لِغِمْدِهِمعنى الغَمُودِ صيانَهُ الأشْفارِ
إنْ تَعْذِلُوني لَسْتُ أوَّلَ والِهٍأوْ تَعْذِرُوني قدْ بَدَتْ أَعْذاري
إنْ كُنْتُ معْتَرِفاً فمِنْ حُكْمِ الأسىأوْ كُنْتُ أُنْكِرُ لمْ يُفِدْ إنْكاري
لوْ كانَ دَمْعي قدَّرَ بَعْضِ تَفَجُّعِيأَغْنى الورى عنْ وابِلِ الأمطارِ
ياأيُّها المُغْتَرُّ منْ أَيَّامِهِدَارِ انْقِلابَ صُرُوفِها بكَ دارِ
لاتخْدَعَنْكَ بَوارِقٌ منْ أُفْقِهاوحَذارمنها ما اسْتَطَعْتَ حَذارِ
لا تخْدعَنْكَ من الزمانِ مَسَرَّةٌخُلِقَ الزَّمانُ مَساءَةَ الأحرارِ
وإليكِ يا دُنْيا فلسْتُ بِغافِلٍعَمَّا جَرى لبََنيك أوْ هُوَ جارِ
أَجَهِلْتِ ما تُطْوى عليهِ بِذي الورىأوَ ما درَيْتِ بأنَّني بِكِ دَارِ
كَمْ كدْتِ منْ أَهْلِ العُلُومِ وغيرهِمِحتَّى منَ الرُّهْبَانِ والأحْبارِ
وفَتَكْتِ بالأبْطالِ دُونَ أَسِنَّةٍوَقَواضِبٍ فَتكاتِ ليْثٍ ضارِ
وإذا قَتَلْتِ بلاَ قتالٍ لمْ يُفِدْكَسْبُ المُهَنَّدِ والقَنا الخَطَّارِ
دارُ الفَناء نَعُدُّها لِبَقائناعيْنُ المُحالِ بَقاءُ هذي الدارِ
دارُ الرَّحيلِ نعُدُّها لِقَرارِناكَيْفَ القرارُ بغيرِ دارِ قرارِ
مَكَّارَةٌ غَرَّارَةٌ غَدَّارَةٌوثَّابَةٌ سلاَّبَة الأعْمارِ
أكَّالةٌ أبْنَاءَهَا قَتَّالَةٌمن غيرِ خَوْفِ مُطالبِ بالثَّارِ
دَرَّاكَةُ الأوْطارِ منْ مَطْلُوبِهاقدْ أمَِّنَتْ منْ طالِب الأوتارِ
إنْ أًَقْبَلَتْ فَلْتَرْتَقِبْ إدْبارَهَالا بُدَّ للإقْبالِ منْ إدْبارِ
أوْ أوْردَتْ فلْتَرْتَقِبْ إصْدارَهَالا بُدَّ للإيرادِ منْ إصْدارِ
وإذا صَفَتْ حِيناً تَشُوفُ صَفَاءَهَالِلْحَيْن بالأقدارِوالأكْدارِ
إسْكَنْدَرٌ طَوَّافُها جَوَّابُهافَتَكَتْ بِه وبِجَيْشِهِ الجَرَّارِ
جَيْشٌ يَظَلُّ به الفَضاءُ مُعَضِّلاًتَرَكَ الإكَامَ كَأنَّهُنَّ صَحَار
أيْنَ الفَراعِنة الَّذين تَمَرَّدُواوتَجَبَّروا سَفَهاً على الجَبَّارِ
أيْنَ الّذين إلى الرِّياحِ تعرَّضواصاروا لَنا خبَراً منَ الأخْبارِ
عَصَفَتْ علَيْهِم للمَنُونِ عَواصٍفٌنَقَلَتهُمُ منها لدَارٍ بَوَار
وهذه القصيدة طويلة، ذكربها أسماء أفناهم المَلَوان، وأخْلََق جَديدَهُم الجديدان، وعَفَّتْ آثارَهُم خُطُوبُ
الأزْمان، ولا يَبْقى على الخدمان، إلاّ القائم الدَّائم الواحدُ المَنَّان، وكُلُّ شيءٍ بعْدَه فمنقطع وفان.
وقوله:
يا كوكباً ما كان أقصر عمره
البيت بكماله لأبي الحسن التهامي.
وقوله:
جيش يظل به الفضاء
البيت بكماله للنابغة الذبياني.
وقال أيضا:
رجاءٌ كانَ فانْقَطَعَ الرَّجاءُوللأشْياء حدٌّ وانْتِهاءُ
إذا سَبَقَ القضَاءُ فلا مرَدَّلِمَا فينا به سَبَقَ القَضاءُ
يُريدُ المرءُ أنْ يُوتى مُناهُويأبى الله إلاّ ما يَشاءُ
فلا تغْتَرَّ بالدُّنْيا وذَرْهافَعُقْباها وعُقْبَانَا فَنَاءُ
إذا ما افْتَرَّ عنْ أمَلٍ صَباحٌفرَاقِبْ مَابِهِ يَأْتي المَسَاءُ
فيا مغرور إنْ أثرى تنبَّهفما تحتَ الثَّرى يعني الثواءُ
ويا مغرور بالفاني بعزيسومُ الذُّل حيث هُوَ البَقَاءُ
سَيَفْنى كلُّ مَخْلُوقٍ سَريعاًفلا يَبْقَى الخَلاءُ ولا الملاَءُ
ألا يا موْتُ حَسْبُكَ لمْ تدَعْ ليبما يقْوى به عنْدي العزاء
سَلَبْت الرُّوح عن جِسْمٍ ضعيفٍفأيْنَ الرِّفْقُ أوْ أيْنَ الحَياءُ
إذا لمْ تَرْثِ يَوْماً للثَّكَالىبَدَتْ منْكَ القَسَاوَةُ والجَفَاءُ
أَلاَهَلْ مُبْلِغُ مِنِّي سلاماًيَهُبُّ مع الرِّياحِ به رَخَاءُ
إلى القبر الّذي في كُل حينٍيَطوفُ بِهِ المَكَارِمُ والعلاءُ
إلى شخْصٍ إذا أَنْصَفْتَ فيهفَقُلْ فَضُلَ الرِّجَالَ به النساءُ
أسامِعَةً ندايَ إذا أُنَاديشقيتُ وخبْتُ إنْ خابَ النِّداءُ
دعوتُ وما أرى لكِ منْ جَوابٍأيَنْبو عنْ مَسَامِعِك الدُّعاءُ
بَكَتْكِ إذاً عَدِمْت الأُنْسَ حتىبكتْ لي الأرْضُ حُزْناً والسّماءُ
وكادَتْ شُهْبُهاتَنْقَضُّ ثَكْلىلِتَبْكِيني وأَدْمُعُها دِماءُ
فكمْ أخْفَيْتُ حُبَّكِ في ضميريوأمّا الآنَ قدْ بَرَحَ الخَفاءُ
ولوْ يُجْدي البُكاءُ عَلَيكِ شيْئاًلكانَ لكُلِّ جارِحَةٍ بُكاءُ
ولوْ تُفْدى من الدُّنيا بشَيْءٍلقَلَّ بما حَوَتْهُ لَها الفِداءُ
وَلَوْ وقِيتْ بشيءٍ منْ رَدَاهالَدامَتْ والنُّفوسُ لَها وقاءُ
ومنها:
فلَيْتَكِ في مَحَلك منْ فُؤاديدُفِنت ولا يَطُولُ بيَ الشَّقاءُ
وإلاّ في سَوادِ العينْ منِّيفعيني فيكِ أوْ قَلْبي سَواءُ
فإنَّكِ قدْ ثَويتهما زماناًوليتَ يَدُومُ بيْنَهُما الثَّواءُ
ومنها:
عَجِبْتُ لهالَةٍ عَجِلَتْ أُفولاًوَكَمْ عن
فَيا بعضي فقدْتَ الكُلَّ مِنِّيوهَلْ للبَعْضِ عنْ كلِّ بَقاءُ
سأَدْعو الله في سِرٍّ وجَهْرٍمَحَلكِ حيثُ حَلَّ الأَوْلِياءُ
ونَفْسي سوفَ تُقْضى عنْ قريبٍوليس ِلحُزْنها فيك ِانْقِضاءُ
قوله:
يريد المرءُ أنْ يوتى مُناه
البيت بكماله لأبي الدرداء عويمر بن عامر وقيل ابن قيس الأنصاري ﵀، روى من حديث
ابن عيينة، ومن حديث إسماعيل بن عباس أيضاً، أنه قيل لأبي الدرداء: مالكَ لا تقول الشعر، وكل
لبيب من الأنصار قال الشعر. قال: وأنا قد قُلْتُ شعراً. فقيل: وما هو فقال:
يريد المرء أن يُؤتَى مناهويَأْبَي الله إلاّ ما أرادا
يقول المرء فائدتي وماليوتَقْوَى الله أَفَضَلُ ما استفادا
كذا قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر وغيره.
وقال الوزير أبو عمرو أيضاً:
سَحُّوا دُمُوعَكُمْ وإلاّ كَفْكِفُوافالمجد يبْكي والمَكارمُ تَهْتِفُ
والحُزْنُ جَلَّ كَأَنَّما هذا الورىيعْقوبُ والمفْقودُ منهُ يوسُفُ
رُزْءٌ عَظيمٌ حلَّ حتَّى إنَّهلِوُقُوعهِ اهتزَّ المَقامُ الأشْرَفُ
ياكَوْكَباَ أوْ يا هِلالاً اطْفَأَتْأنوارهُ ريحٌُ ولكنْ حرْجَفٌ
هَلْ تُكْسَفُ الأقْمارُ غيرُ كوامِلٍأعَلِمْتُمُ أنّ الأهِلَّةَ تُكْسَفُ
بَكَتِ السماءُ لفَقْدِهِ ونُجُومهاوالأرضُ قدْ كادَتْ تَميدُ وترْجُفُ
ونَعَتْهُ إذْ سَمِعَتْ بهِ أمُّ القُرىوبَكى الحطيمُ وزمزم ومُعَرَّفُ
والعالمُ الأعْلى يطيبُ بقبْرهِوعليه أفْواجُ المعالي عُكَّفُ
عجباً لقبْرٍ حلَّ منه ضريحُهُأنْ ليسَ يَنْبُتُ في ثراه الزخرفُ
لو كانَ بالدُّنْيا الذي بي أصبحتمنها المعالم وهْيَ قاعٌ صَفْصَفُ
ياليتهمْ دَفَنوه بين جوانحيتسقيه فيها سَحْبُ دمعي الوكَّفُ
أوَ ليْسَ أهْلُ الأرضِ طُرّاً أُثكِلوافجُفُونُهُمْ أبداً نجيعاً تذْرِفُ
سُكَّانَ أَحْنَاءِ الجوانح ربعُكممنكم خلاءٌ والأسى مُسْتَخلف
عيناي أفْقَدني الرَّدى إحداهماأَوَ ليست الأخرى لدمعي تضعُفُ
ويدايَ أفقَدني الردى يُمْناهماوليست الأخرى ... تعطف
والقصيد طويل، ولفظه لفظ جزيل، ومعناه معنى جليل، والنظير في مساقه نزرٌ قليل. وكلام الوزير
الأجلِّ كلّه رفيع، ومنحاه بديع، يحلُّ من القلوب في صميمها، ويزين العيون بهجة بأزاهر آداب حياة
النفوس في نسيمها، كثيراً ما يأتي بالمبدعات، ويبرز من خاطره أنواع المعجزات، حتى كان ما أنزل
على الملكين أو مرتبط في مُجَاجِ أقلامه.
وفي رثاء أحد الأعيان يقول أبو الحسن بن عطية ﵀:
كذَبَتْ ظُنُونُكَ ما العَزاءُ جَميلاأو ما رأيتَ َدمَ العُلا مَطْلُولا
هذا جَوادُ أبي شجاعٍ مُخْبِراًأن الجواد انقضَّ منه قتيلا
ولَطالما لَبِسَ الدُّروعَ غَلائلاًولطالما جَرَّ الرّماحَ ذُيولا
وسَرى إلى الغاراتِ وهْي كتيبةمِلْء الفضاء فَوارِساً وخُيُولا
واسْتَقبَلَ الزَّمَنَ البَهِيم فَلمْ تزلْأيَّامُهُ غُرَراً به وحُجُولا
حتى اسْتَفاضَ عليه بَحْرُ حِمامِهيَرْبَدُّ فيه أَسِنَّةً ونُصُولا
في مأزِقٍ ضنَْك المسالك رَتَّلَتْفيه الظُّبَى سُوَر الرَّدى تَرتيلا
حَامَ الكُماةُ فكَرّ كَرَّةَ ضيغمٍلم يرْض إلا السَّمْهريَّة غِيلاَ
لَبِسَ الشهادَةَ حُلَّةً حمراء منْعَلَقٍ تَعُمُّ السَّامِريّ فُضولا
يا شَدَّ ما اتَّخَذَ المنية خِلَّةًمنْ بعْدِ ما اتَّخَذَ الحُسامَ خَليلا
وأجالَ عادِيةَ الجيادِ مُحَارباًوأذالَ أعْناقَ التِّلادِمُنيلا
يا رَاحِلاً رَكِبَ الحِمَامَ مَطِيَّةًهَلْ تَرْتَجي بعْدَ الرَّحيلِ ٍقفولا
غَادَرْتَ مَعْمُورَ المَكارِمِ بَلْقعاًوتَرَكتَ رَبعَ المَعْلُوّاتِ مَحيلاْ
إنْ كُنْتَ وَدَّعْتَ الحَياةَ فإنَّماودَّعْتَ داءً في القلوب دخيلا
إنْ كانَ واراكَ الصَّفيحُ فإنَّماوارى رَقيقَ الشَّفْرتينِ صقيلا
أزْرى بهِ طُولُ الضِّرابِ وغادَرَتْفي مضْربيه الحادثاتُ فُلولاَ
أمَّا الأنامُ عُيُونُهم وقُلُوبُهمفلقد مُلئنَ مَدامِعاً وَغليلاَ
عِنْدِي حديثٌ عنْ وجيبِ ضُلُوعهملوْ كنت تُصْغي للحَديثِ قليلا
لمْ تبقِ منْ نطفِ المَدامعِ قَطْرةًإلاّ وراحَ مَصُونُها مَبْذُولا
مازِلْتَ صَبَّاً بالشهادةِ في الوغىحتى وجدْتَ إلى الوصال سبيلا
فبكى الحصانُ الأعْوَجِيّ تَحَمْحُماًوالهُنْدُ وانيّ الجُرازُ صليلا
واغرورقت عينُ السَّماءِ ورُبَّمارفعتْ كواكِبُها عليكَ عويلا
وتَغيَّر الصُّبْحُ المُنيرُ فَخِلْتُهُممَّا تَسَرْبَلَ بالشَّحوبِ أَصيلا
ياحسرةً نفتِ الرقادَ وأَطْلَعتْللشَّيْبِ في رأس الوليد نُصُولا
ما كانَ أجْدرَنا لمَصْرَعِ أرْقمأنْ تَغتدي بي حيثُ حلَّ حُلُولا
أببعده نَبْغي الحياةَ إذنْ فلانَقَعَ م البُكا منَّا عليه غليلا
قُلْ للمؤمل كُفَّ عنْ شَأوِ المُنىرمت المنُونُ فأصمَتِ المأمولا
واهْتِفْ بَمَنْ رَكِبَ السُّرى نَسْراً فَمَاتُجْدي السُّرى بعد الوزير فتيلا
خَلَعَ ابنُ لَبُّونٍ ثيابَ حَياتِهِفاخْلَعْ وجيفاً بعْده وذميلا
يا حامِليه إلى الثَّرى رِفْقاً بهفالمجدُ أصبح للثَّرى مَحْمولا
خُضُّوا به قلبي الشجيَّ لفقدِهولْتَجْعَلُوه من الضريح بَديلا
أوْ فاكفليه يا سماءُ فإنهمااعْتادَ نجْمٌ في سِواكِ أُفولا
كان الشِّهاب المستضيء فلم يَنُبْعنْ نُوره نور السماك دليلا
كان الغمامَ المُسْتَهل فما لنانشْكو وإنْ همت السحاب مُحُولاَ
عَظُمَ المُصابُ وقدْ أُصيبَ بَمَعْرِكأخذَتْ بهِ منْهُ العُداةُ ذُحولا
والرُّزْءُ ليسَ يَحُلُّ أوْ يُلْفِي الذيأَصْماه سهمُ الحادِثاتِ جليلا
أين الذي ْهُدِمَتْ صَوارِمُه الطَّلىوغدا بتشْييدِ العلاءِ كفيلا
أيْنَ الذي مَلَكتْ حُلاهُ نَواظِراًومَسامِعاً وقرائحاً وعُقُولا
وسَرى فَسَميْنا النجوم حَبّا حَبَاوحَباً فَسَمَّيْنا الغمامَ بَخيلا
من ذاْ يَسُدُّ مَكانَه في غارَةٍتَرَكَتْ سوابقها الحزُونَ سُهُولا
أمْ منْ يُنُوبُ منابَه لحوادثتَذَرُ العَزيزَ بحكمهن ذليلا
أوَ لَمْ يكن يغشى الحُروبَ منَازِلاًفيشبُّها بحُسامه مسْلُولا
أَوَ ما غَدا بِجياده فتَبَخترتمَرَحاً وَرَجَّعَت الغناءَ صهيلا
ما بالُهُ نبَذَ السَّوابح والقناوأقامَ عنْ شُغْلٍ بها مَشْغولا
ما بالُه تَرَكَ الجُفونَ سَحائباًما بالُه تركَ الجُسُومَ طُلُولا
يا دَهْرُ أما غِلْتَ منه مُثَقَّفاًلَدْنَ المِهَزِّ وصارماً مصقولا
يا قبرُ كيفَ وسعت منه سحابةوَطْفاء ساجية الذُّيولِ هَطُولا
قدْ زُرْتُ موضِع قبره فكأنّماقابَلْتُ منه روْضَةً وقَبُولا
ونشرْتُ حرَّ ثنائهِ فكأَنماعاطيْتُ منهُ السامعين شَمولا
ما رَاعَنا موْت الوزير فلمْ يزَلْحَيّاً لِمَنْ يَتَأَوَّلُ التَّنْزيلاَ
لكِنْ جَزِعْنا للفراقِ وقدْ نَوىعَنَّا إلى دارِ القرارِ رَحيلا
الله أنْزلَهُ الجِنَانَ ومَدَّ منْرضْوانه ظِلاًّ عليهِ ظليلاَ
وقال أبو الحسن أيضاً:
ألا يا واقِفاً بي عنْدَ قَبْريسَلِ الأجْداثَ عنْ صرفِ الليالي
وعنْ حالي فإنْ عَيَّتْ جَواباًفعبْرتُها تُجيبُ أَخا السُؤالِ
لئنْ شمِتَ العدُوَّ بِنا فَمَهْلاًسَيُنْقَلُ للصفائح كانتقالي
وأيُّ شَماتَةٍ في ترْكِ دُنْيالِذي أملٍ رأى عنها ارْتِحال
وكنتُ أُقيمُ بين النَّاسِ فيهافصرت إلى المُهَيْمن ذي الجلالِ
ومعنى هذه القطعة من قول الحُصْرِي في ابنه:
لا يَشْمَتَنَّ الأعاديفليس بالموتِ عارُ
لا الياسمينُ المندَّىيبقى ولا الجُلُّنَارُ
وقال أبو الحسن أيضاً:
أَإِخْوانُنَا والموتُ قد حالَ بينناوللموت حكم نافذٌ في الخلائٍق
سبقتكم للحين والعمر حلبةوأعلم أن الكل لا بُدّ لا حِقي
بِعيشكم أو با ضطجاعي في الثَّرىألم يكُ في حلوٍ من الودّ رائق
فمن مرّ بي فليمض بي مترحّماًولا يك منسيّا وفاء الأصادقِ
وقال أبو الحسن أيضاً:
بيْني وبينَ الحادِثاتِ خِصامُفيما جَنَته على العُلاَ الأيَّامُ
كسَفت هِلالَ سَمائها منْ بَعْدماوافاهُ منْ كرمِ الخلال تَمامُ
ورَمتْ قضيبَ رِياضها بتَقَصفٍغَضّاً سقاه منَ الشّبابِ غَمامُ
فاليَوْمَ بُستانُ المَكارِمِ ما حِلٌواليومَ نُورُ المَعْلُواتِ ظلاَمُ
رامتْ صُرُوفُ الحادِثاتِ فأدْرَكَتْمنْ كانَ لم يبْعدْ عليه مَرَامُ
أوْدَتْ بِمُهْجَتِهِ اللّيالي بعْدَمافخَرتْ بهِ الأسْيافُ والأقْلامُ
وغدا وراحَ المجْدُ ذا ثقةٍ بهِأنْ يردعَ الأحداثَ وهْيَ جِسامُ
وبدَتْ عليه منْ حُلاه شَمائلُلا تَهْتَدي لِنُعُوتِها الأوْهامُ
كالرّوْضِ لمّا دَبَجتْه غَمامَةٌوالمسْكُ لمّا فُضّ عنهُ خِتام
ناحَتْ عليهِ الشهبُ وهي عَوابِسٌوبَكى عليه الغيمُ وهْوُ جَهَامُ
وانْجابَ ظِلُّ الأُنْسِ فهوَ مقلَّصٌوامتدَّ ليلُ الخطْبِ فهوَ تَمامُ
وارْبَدَّ نورُ الشمس في رَأْد الضُّحىحتّى استوى الإشْراق والإظلامُ
ما للمَدامِعِ لا يطَلُّ بها الثرىوالسَّادَة الكُبراء فيه نِيامُ
أكَذا يُبادُ حُلاحلٌ ومُهَذَّبأكذا يُقالُ مُسَوَّدٌ وهُمام
تعس الزّمانُ فإنما أيّامُهُوَمُقامُنا في ظِلِّها أحْلامُ
لَتَرى الدِّيارَ وهُنَّ بعدَ أنيسهادُرُس المَعالِمِ والجُسُومُ رِمامن
والنسرُ مقْتنصٌ بأشراك الردىوبناتُ نَعْشٍ في الدُّجى أيتامُ
بأبِي قتيلٌ قَاتِلٌ حُسْنَ العزامُذْ أقصدته من المنُونِ سهامُ
غدَرتْ به أمُّ اللُّهَيْمِ وَطالمافلَّ الخميسَ المجْرَ وَهْوَ لُهَامُ
وأبى له إلاّ الشهادَةَ ربُّهومَضاؤُهُ والبَأْسُ والإقْدامُ
يا عيْنُ شَانُكِ والمدامعُ فَاسْجِميولْتَعْلَمي أنَّ الهُجوع حرامُ
إنَّ الذي كان الرجاءُ مُشيَّداًبِوفائه غَدَرَتْ به الأيامُ
فتكَ الرَّدى بأبي شُجاعٍ فَتكَةًزَلَّتْ لها رَضْوى وخرَّ شَمَامُ
فُقِدَتْ لها الآدابُ والألْبابوالأحْسابُ والإسْراجُ والإلْجامُ
بَدْرٌ ولَيْثٌ أَقْفَرتْ منْ نُورهِوآبائهِ الهالاتُ والآجامُ
نَدَبَتْهُ أبْكارُ الحُرُوبِ وعُونُهاوبكاهُ حِزْبُ الله والإسلامُ
أيُّ السُّيوفِ قَضى عليه وبينَهُقِدْماً وَبَيْنَ ظُبا السُّيوفِ ذمامُ
وبأيّ لحْدٍ أوْ دَعُوه وإنهماقَطُّ أودِعَ في الضّريحِ حُسامُ
ما كانَ إلاّ التبْرُ أُخلِصَ سبكُهُفاسْتَرْجَعَتْهُ تُرْبَةٌ ورغامُ
يا حامِليه قِفوا عليْنا وقْفَةًيَشْفى بها قبلَ الوداعِ هُيامُ
رُدُّوا وليَّ الله حتَّى نَشْتفيمن أروعِ شُفيتْ بِهِ الآلامُ
لا تُسْلِمُوهُ إلى الثَّرى فلسيفهمُذْ كان مِنْ أعدائه استسلامُ
ولتدْفِنُوه في الجَوانِح والحشاإنْ كانَ يُقْنِعه بهن مقامُ
واسْتَنْشِقُوا لِثَنائهِ عَرْفاً كمايَنْحطُّ عنْ نَفْسِ الصَّباحِ لِثامُ
أعْززْ عليّ بِزَهْرةٍ مَطْلُولةأمْسَتْ ولا غيْرَ الضَّريح كِمَامُ
أعزِزْ عليَّ بِضيغم ذي سَطْوةٍأجَمَاتُه بعد الرِّماح رِجَامُ
إنْ كانَ أَفْنَتْهُ الحُرُوبُ فشَدَّمافنِيَتْ بِمُنْصُله الطلى والهامُ
أَوْرَاحَ مَهْجورَ الفِناء فَطالَماهَجَرَتْ به أرْواحَها الأجْسامُ
أمُضرّجاً بِدِ مائه هي ميتَةٌوقْفٌ عليها السَّيّد القمقامُ
البأسُ والإقدامُ أوْ ردكَ الرَّدىإنْ كان أنجَى غيرَك الإحجامُ
قدْ كنتَ في ذاكَ المُقامِ مُخَيَّرالكنْ ثبتَّ وزلّتِ الأقدامُ
لم تُلف فيه سِوى الفرارأو الرَّدىفاخترتَ صِرْفَ الموتِ وَهْوَ زُؤامُ
فأَبَتْ لَكَ الذَّمَّ المكارِمُ والعُلاوالسَّمّهريُّ اللدنُ والصمصامُ
اللَّيلُ بعْدَكَ سَرْمدٌ لا ينقضيفكأنما ساعاتُه أعوامُ
والأُنْسُ غمٌّ والسُّرورُ كآبةٌوالنَّومُ سُهْدٌ والحياةُ حمامُ
لمن اطَّرَحْتَ المجدَ وَهْوَ كأنهطُللٌ تُعَفِّيهِ صَباً وغمامُ
ولمنْ تركتَ الصَّافِنات كأنهاموسُومَةٌ باللؤمِ وَهْيَ كِرَامُ
ولقدْ عَهِدْتُكَ كوكباً أبراجُهُجُرْدُ المذاكي والسّماءُ قَتامُ
وعَهِدْتُ سيْفَكَ جَدْوَلاً في وَرْدِهِيَوْمَ الكريهَةِ للنُّفوسِ زِمامُ
بَكَتِ السَّوابقُ منْ تَسَمَّى أرْقماًوالحرْبُ سلْمٌ إنّه ضرغامُ
زفرتْ لموتِ أبي شجاعِ زفرةًلم يَبْقَ سَاعتَها لَهُنَّ حِزامُ
عَمَّتْ رَزِيَّتُه القُلوبَ فَكُلُّهاكَأْسٌ وأنواعُ الهُمومِ مُدامُ
كَثُرَ العَوِيلُ عليه يومَ نَعِيِّهحتّى كأن العالمينَ حِمَامُ
وَحَكَتْ دموعَ الغانياتِ عقُودُهالو لم يَكُنْ لِعُقُودِهِن نِظام
يا حامِلينَ النَّعْشَ أيْنَ جِيادُهيا مُلْبِسيه التُّرْبَ أيْنَ اللامُ
أيْنَ السَّماحةُ والفَصاحَةُ والنُّهىمنهُ وأيْنَ الجُودُ والإكرامُ
أضْحى لعمرُ الله دون جلالهسَتْرٌ منَ الأجداث ليس يُرامُ
أأبا شجاعٍ إنْ حُجِبْتَ بربوةٍفالزَّهْرُ مَنْبتُه رُبى وأكامُ
قُمْ تبصر الخفراتِ حولكَ حُسَّراًإنْ كان يُمكنكَ الغداة قيامُ
واسمعْ عَويلَ بُكائها فلقد بكتْلِبُكائها الأصْواءُ والأعْلامُ
ضَجَّتْ لِمَصْرَعِكَ النَّوادِبُ ضجَّةًسَدَّتْ مسَامِعها لها الأيَّامُ
أبْشِرْ بِدارِ الخُلْدِ منكَ بِمَوْعِدٍواهنأْ فَفيها غِبْطَةٌ ودَوامُ
مرَّ الغمامُ على ثَراكَ محيِياًفَعلى الغمامِ تحِيَّةٌ وسلامُ
هاهنا كمل الباب بعون الله وتأييده.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (٢٠٠٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع