تجاوز إلى المحتوى

من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)

ممن لا يستطيع بها ملكة

قال الله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وقال تعالى خذوا حذركم وقد روى أن عمر ﵁ حين كره طواعين الشأم أراد الرجوع إلى المدينة فقال له أبو عبيدة بن الجراح يا أمير المؤمنين أتفر من قدر الله قال نعم إلى قدر الله فقال له أيمنع الحذر القدر قال لست مما هناك في شيء إن الله لا يأمر بما لا ينفع ولا ينهى عما لا يضر فإنه يقول ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وقال خذوا حذركم وقالوا الشجاعة تغرير والتغرير مفتاح الهلكة وقال يزيد ابن المهلب الاقدام على الهلكة تغرير والاحجام عن الفرصة جبن

وأنشدت لطاهر بن الحسين

ركوبك الأمر ما لم تبد فرصتهجهل ورأيك في الاقحام تغرير
فاعمل صواباً وخذ بالحزم مأثرةفلن يذم لأهل الحزم تدبير

ويقال أهوت إلى يزيد بن المهلب حية فلم يتوقها فقال له أبوه ضيعت الحزم من حيث حفظت الشجاعة الشريف الرضي

العزم في غير وقت العزم معجزةوالازدياد بغير العقل نقصان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أسل بدمعك وادي الحي إن بانوا»

ويقال من قاتل بغير نجدة وخاصم بغير حجة وصارع بغير قوة فقد أعظم الخطر وأكبر الغرر وقال بعض الحكماء من أعرض عن الحذر والاحتراس وبنى أمره على غير أساس زال عنه العز واستولى عليه العجز فصار من يومه في نحس ومن غده في لبس وفي كتاب للهند الحازم يحذر عدوه على كل حال يحذر مواثبته إن قرب وغارته إن بعد وكمينه إن تبع ومكره إن انفرد واستطراده إذا ولي وقال أبو بكر الصديق يحذر خالد بن الوليد ﵄ إذا دخلت أرض العدو فكن بعيداً من الحملة فإني لا آمن عليك الجولة واستظر بالزاد وسر بالادلال ولا تقاتل مجروحاً فإن بعضه ليس منه واحترس من الثبات فإن في القرب غمرة واقلل الكلام فإن مالك إلا ما وعى عنك وأقبل من الناس علانيتهم وكلهم إلى الله في سريرتهم واستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه وقال الشاعر

ومن يأمن الأعداء لا بدّ أنهسيلقى بهم في موقف الموت مصرعا

وقالوا الاقدام على الهلكة تضييع كما أن الاحجام عن الفرصة عجز وقيل لعنترة العبسي أأنت أشجع العرب وأشدها قال لا قيل فبم شاع هذا في الناس قال كنت أقدم إذا كان الاقدام عزماً وأحجم إذا كان الاحجام حزماً

ولا أدخل موضعاً لا أرى لي فيه مخرجاً وسئل بعض الشجعان هل شيء أضر من التواني قال الاجتهاد في غير وقته وقال جعفر بن ميسرة من مكن أسباب الهلكة من نفسه طائعاً لم يكد يتخلص منها وإن كان جاهداً وقال بعض الحكماء لصديق له اعلم إن الفطنة اظهار الغفلة مع شدة الحذر فبات مباثة الآمن وتحفظ منه تحفظ الخائف ولا تظهر له المخافة فيرى ان قد حذرت فيهون عليه ما يستهو له منك ويقال إذا أخد المرء بالحذر والاحتراس في موضع الشدة وعمل على الجراءة والاقدام عند انتهاز الفرصة فقد أخذ بالحزم في شدته وعمل بالحزم عند فرصته وقال بعض الفلاسفة كن حذراً كأنك غر فطناً كأنك غافل وذاكراً كأنك ناس وقال بعضهم

من أخذ الحذر من المحذورقلّ تجنيه على الدهور
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «من أخذ الحذر من المحذور»
فليحزم الحازم في الأمورفإن كبا فالعذر للمعذور

آخر

على كل حال فاجعل الحزم عدةتقدّمها عند النوائب في الدهر
فإن نلت حظاً نلته بعزيمةوإن قصرت عنك الحظوظ فعن عذر
ومما يكون عمدة عند لقاء الأبطالالتفكر في أعمال الاحتيال وإن طال

قالت الحكماء الحازم يحتال للأمر الذي يخافه لعله أن لا يقع فيه فليس من القوة التورط في الهوة ومن لم يتأمل العواقب بعين عقله لم يقع سيف حيلته إلا على مقاتله وأنشد لتأبط شرا

إذا المرء لم يحتل وقد جدّ جدّهأضاع وقاسى الصعب وهو مقصر
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلاًبه الأمر ألا وهو للقصد مبصر
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة

ويقال إذا اتسع لك المنهج فاحذر أن يضيق عليك المخرج وقال الشاعر

وإذا هممت ورود أمر فالتمسمن قبل مورده طريق المخرج

آخر

إياك والأمر الذي ان توسعتموارده ضاقت عليك المصادر
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، اقرأ القصيدة
فما حسن أن يعذر المرء نفسهوليس له من سائر الناس عاذر
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، اقرأ القصيدة

ويقال تفكر قبل أن تعزم وتدبر قبل أن تهجم فإنه من لم ينظر في العواقب فقد تعرض لحادثات النوائب ووجد على حجر بعدن أبين مكتوب أيها المحارب احذر تغنم وتفكر في العواقب تسلم ويقال الناس حازمان وعاجز فاحزم الحازمين من عرف الأمر قبل وقوعه فاحترس منه والحازم بعده من إذا نزل الأمر تلقاه بالرأي والحيلة حتى يخرج منه والعاجز من تردد بين وبين لا يأتمر رشداً ولا يطيع مرشداً حتى تفوته النجاة ويقال ترك التقدم أحسن من التندم وأوصى عبد الملك بن صالح أميراً قدمه على سرية أرسلها إلى قتال عدو له فقال كن كالتاجر الكيس إن وجد ربحاً تجر وإلا حفظ رأس ماله ولا تطلب الغنيمة حتى تحمد السلامة وكن في احتيالك على عدوك أشد حذراً من احتيال عدوك عليك وقالوا ما تنفق فيه الأموال والحيل خير مما تنفق فيه الأرواح والنفوس وأوصت أم الدبال العبنسية ولدها الفتاك وكان من أشد العرب فقالت يا بني لا تنشب في حرب وإن وثقت بشدتك حتى تعرف وجه المهرب فإن النفس أقوى ما تكون إذا وجدت سبيل النجاة مدبرة لها واختلس من تحاربه خلسة الذئب وطر منه طيران الغراب فإن الحذر زمام الشجاعة والتهور عدو الشدة وقال أبو السرايا وكان أحد الفتاك يا بني كن بحيلتك أوثق منك بشدتك وبحذرك أوثق منك بشجاعتك فإن الحرب ورطة المتهور وغنيمة المتفكر ويقال لا تصلح الحزامة إلا لمن كان له سبع خصال من طبائع البهائم قلب الأسد وغارة الذئب وصبر النسر وحذر الغراب وحراسة الكركي وهداية الحمام وحماية الزنبور

ومما يجب مع التفكر على المحاربمشاورة النصحاء من أولي التجارب

قد كنا منا في صدر الكتاب ما يجب على العاقل من مشورة نصحائه في سائر أنحائه وانا ذاكر في هذا الباب ما يجب على الحازم من مشورة أودائه في كيفية لقاء أعدائه فإنهم قالوا ينبغي لكل ذي لب أن لا يبرم أمراً ولا يمضي عزماً إلا بمشورة ذي الرأي الناصح ومطالعة ذي العقل الراجح وقالوا الحازم إذا اشتبهت عليه مصادر الأمور جمع من أهل التجارب وجوه الرأي حتى يخلص له منها الصواب كالعاقل إذا ضلت له لؤلؤة فإنه إذا جمع ما حول مسقطها والتمسها يوشك أن يجدها وقالوا من حق العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العلماء ويجمع إلى عقله عقول الحكماء وقال بشار بن برد المشاور بين إحدى الحسنيين أما صواب فيفوز بثمرته أو خطا يشارك في مكروهه وقالوا الرأي السديد خير من الأسد الشديد وكان يقال المشورة سلم النجاح وطليعة الفلاح وقالوا الرأي في الحرب أنفع من الطعن والضرب وقال بعض الأعراب ما عثرت قط حتى عثر قومي قيل له وكيف قال لا أفعل شيأً حتى أشاورهم وقالوا حقيق أن يوكل إلى نفسه من أعجب برأيه ولقد أحسن أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي في التحريض على مشاورة الاخوان عند مساواة الأقران بقوله

الرأي قبل شجاعة الشجعانهو أوّل وهي المحل الثاني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
فإذا هما اجتمعا لنفس حرةبلغت من العلياء كل مكان
فلربما طعن الفتى أقرانهبالراي قبل تطاعن الأقران

ولبعضهم

الرأي كالسيف ينبو إن ضربت بهفي غمده وإذا جردته قطعا

آخر

أشاور أهل الرأي فيما ينوبنيوإن كان لي رأى أحدّ صليب
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة
ولا أدّعى بالغيب علماً لسائلولا أحسد المسؤل حين يجيب

آخر

إذا بدا لك وجه الرأي فارم بهنحو احترام تحاماه المقادير
ولا تقل غرر أخشى عواقبهيوماً فكل نجاة القوم تغرير

وذكر الحصري في كتابه زهر الآداب وثمر الألباب أن قوماً من العرب أتوا شيخاً لهم قد أربى على الثمانين وأهدف التسعين فقالوا إن عدونا استاق سرحنا فأشر علينا بما ندرك به الثار وننفي به العار فقال إن ضعف قوتي فسخ همتي ونقض ابرام عزيمتي ولكن شاوروا الشجعان من ذوي العزم والجبناء من أولي الحزم فإن الجبان لا يألو برأيه ما وقى مهجكم والشجاع لا يألوا ما يشيد ذكركم ثم خلصوا من الرأيين نتيجة تبعد عنكم معرة الجبان وتهور الشجعان فإذا نجم الرأي على هذا كان أنفذ على عدوكم من السهم الصائب والحسام القاضب فلله هذه الكلمات لو يجدها الجبان جنة لوقته أو هادياً أرته مواطن العواقب ووفقته

وملاك التحيل في بلوغ الأمانيرفض العجلة واستعمال التواني

قال الله تعالى ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه وقل رب زدني علماً وقال رسول الله ﷺ من أعطى حظه من الرفق أعطى حظه من الدنيا والآخرة ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الدنيا والآخرة وقال ﵊ لعائشة ﵂ عليك بالرفق فإن الرفق لا يخالط شيأً إلا زانه ولا يفارق شيأً إلا شانه وقال عمر ﵁ التؤدة في كل شيء إلا ما كان من عمل الآخرة وقال

الشاعر

الرفق يمن والأناة سعادةليس النجاح لمن يطيش ويخرق

آخر

وفي الأناة إذا ما جدّ صاحبهاحزم ويعقبها التفريط والخرق

وفي التورية الرفق رأس الحكمة وقالوا فعل اللبيب ثمرته السلامة وجد على سيف مكتوب التأني فيما لا يخاف فيه الفوت أفضل من العجلة إلى إدراك الأمل وقال بعض الحكماء تأن تحزم وإذا استوضحت فاعزم وقالوا يد الرفق تجني ثمر السلامة ويد العجله تغرس شجر الندامة أبو الفتح البستي

تأنّ في الشيء إذا رمتهلتعرف الرشد من الغيّ
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «تأن في الشيء إذا رمته»
لا تتبعن كل دخان ترىفالنار قد توقد للكيّ
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «تأن في الشيء إذا رمته»
وقس على الشيء بأشكالهيدلك الشيء على الشيّ
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة

وقال بشر بن مروان لأهله إذا التبست عليك الخطوب وغاب عنك المورود وأشكل عليك المصدر فيه فالأناة الأناة وليكن أمرك حزماً وإذا استبان لك فعزماً وقال محمد بن هانئ الأندلسي

وكل أناة في المواطن سوددولا كأناة من قدير محكم
وما الرأي إلا بعد طول تثبتولا الحزم إلا بعد طول تلوّم
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «أصاخت فقالت وقع أجرد شيظم»

القطامي

قد يدرك المتأني نجح حاجتهوقد يكون مع المستعجل الزلل

آخر

وربما فات قوماً جلّ أمرهممن التأني وكان الحزم لو عجلوا

وقالوا الأناة حصن السلامة والعجلة مفتاح الندامة وقالوا إذا لم يدرك الظفر بالأناة فبماذا يدرك وقال المهلب بن أبي صفرة واسم أبي صفرة ظالم ابن سراق أناة في عواقبها درك خير من عجلة في عواقبها فوت ومن أمثالهم اتئد تصب أو تكد وقولهم من تأنى أدرك ما تمنى وقولهم الرفق مفتاح النجاح وقال بعض الحكماء إياك والعجلة فإنها تكنى أم الندامة لان صاحبها يقول قبل أن يعلم ويجيب قبل أن يفهم ويعزم قبل أن يفكر ويقطع قبل أن يقدر ويحمد قبل أن يجرب ويذم قبل أن يخبر ولن تصحب هذه الصفة أحداً الأصحب الندامة وجانب السلامة وهذه نبذة يسيرة في الصبر فمما ينسب لعلي ﵁

إني رأيت وفي الأيام تجربةللصبر عاقبة محمودة الأثر
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إصبر على مضض الإدلاج في السحر»
وقل من جدّ في أمر يحاولهواستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إصبر على مضض الإدلاج في السحر»

آخر

ما أحسن الصبر في مواطنهوالصبر في كل موطن حسن
حسبك من حسنه عواقبهعواقب الصبر ما لها ثمن

آخر

الصبر مفتاح ما يرخىوكل صعب به يكون
فاصبر وإن طالت اللياليفربما أمكن الحزون
وربما نيل باصطبارما قيل هيهات لا يكون
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «الصبر مفتاح ما يرجى»

ويقال الصبر مفتاح النصر ويقال النصر في مطاوي الصبر ويقال من تصبر تبصر وقال الصابي حظ الطالبين من الدرك بحسب ما استصحبوه من الصبر وأنشدت لبعض الشعراء

إذا كنت في أمر ولم تر حيلةفصبرك إن النجح يدرك بالصبر
كذاك عيون الماء تكدر مرّةوتصفو مراراً هكذا عادة الدهر

ابن منقذ

لا تستكن للهم واثن حمامهبعزيمة في الخطب لا تتضعضع
فإذا أتى ما ليس يدفع فألقهبالصبر فهو دواء ما لا يدفع
للشاعر أسامة بن منقذ، من قصيدة «لا تستكن للهم واثن جماحه»

ومن أحسن ما قيل فيه

أما والذي لا خلد إلا لوجههومن ليس في العز المنيع له كفو
لئن كان بد الصبر مرّاً مذاقهلقد يجتنى من غبه الثمر الحلو

آخر

اصبر على مضض الادلاج في السحروفي الرواح إلى الحاجات والبكر
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إصبر على مضض الإدلاج في السحر»
لا تضجرن ولا يعجزك مطلبهافالنجح يتلف بين الصبر والضجر

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من في الشجاعة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.