تجاوز إلى المحتوى

من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)

يوم الحرة

وسببه أن جماعة من أشراف المدينة منهم عبد الله بن حنظلة وبنوه ثمانية والمندر بن الزبير قدموا من عند يزيد بن معاوية وكان قد أكرمهم وحملهم وكساهم فأظهروا شتمه وأكثروا سبه وعيبه للناس وقالوا قدمنا من عند رجل شريب فسيق يلعب بالكلاب ويسامر القرود والقيان وانا نشهدكم أن قد خلعناه وتبرأنا منه فكتب عثمان بن حيان والي المدينة من قبل يزيد إليه يعلمه بما أجمعوا عليه فكتب يزيد إلى أهل المدينة أما بعد فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال وإني والله لقد لبستكم فأبليتكم ورقعتكم حتى خرقتكم وإني وضعتكم على رأسي ثم على صدري ثم على بطني وأيم الله لئن وضعتكم تحت قدمي لاطأنكم وطأة أقل بها عددكم وأقل بها عددكم وأترككم أحاديث تنسخ أخباركم مع أخبار عاد وثمود فإن شئتم فلا أفلح من ندم وكتب في آخر الكتاب متمثلاً بقول الشاعر

لقد بدلوا الحلم الذي من سجيتيفبدلت قومي غلظة بليان

فلما وصل إليهم الكتاب وقرئ عليهم أبوا إلا خلعه وازدادوا عليه تغيظاً وفيه كراهة ثم بايعوا عبد الله بن حنظلة ووثبوا على عثمان بن حيان وأخرجوه من المدينة وأخرجوا من كان فيها من بني أمية ومواليهم وكانوا نحواً من ألف فنزلوا دار مروان بن الحكم فخرجوا إليهم وحصروهم فيها فكتب مروان إلى يزيد يعلمه بما جرى فوصل إليه الكتاب ليلاً وعنده الضحاك بن قيس فقرأه عليه ثم قال له ما الراي قال يا أمير المؤمنين قومك وعشيرتك وبلد رسول الله ﷺ وحرمه وأرى أن تعفو عنهم وتتغمد ذنوبهم فقال اخرج عني ثم دعا مسلم بن

عقبة المري قال فما لبث أن دخل رجل أعور ثائر الرأس كأنما يقلع رجله من وحل إذا مشى فرمى إليه بالكتاب فلما قرأه احمر وجهه وأزبد شدقه فقال له يزيد ما الرأي قال أرى أن تبعث إليهم جيشاً رجاله غليظة أكتافهم طويلة رماحهم فيطؤنهم حتى يكونوا نكالاً لمن خلفهم فقال له يزيد كنت لها لولا أنك ضعيف فقال يا أمير المؤمنين إن كنت تريدني لمصارعتهم فإني ضعيف وإن كنت تريدني للراي فإني قوي فأمره يزيد بالتجهز فما أصبح إلا وعلى باب يزيد عشرون ألفاً وفيهم مسلم بن عقبة فاستدعاه يزيد وقال له سر فإن حدث بك أمر فاستخلف الحصين بن نمير وادع أهل المدينة ثلاثاً فإن أجابوك وإلا قاتلهم فإن أطاعوا أمرنا فانصرف عنهم إلى ابن الزبير فإن قاتلتهم وظفرت بهم فابحها ثلاثاً واستوص بعلي بن الحسين خيراً ثم ودعه وانصرف بمن معه من الجيش فلما سمع أهل المدينة بقدوم الجيش غور والمياه التي بينهم وبين أهل الشأم فأرسل الله السماء فلم يسيتق أصحاب مسلم بدلو حتى قدموا المدينة وكان أهل المدينة قد أطلقوا بني أمية فخرجوا قاصدين الشأم فلقوا مسلماً بالجيش فرحب بهم وسألهم عن أهل المدينة فأخبروه بحالهم وشاورهم أين يكون نزوله من نواحي المدينة فأشار عليه عبد الملك بن مروان أن ينزل بالجيش من قبل الحرة فإنها مشرفة على المدينة وإن أهلها ينظرون من تألق بيضكم وأسنة رماحكم وسيوفكم ما لا يراه أصحابك منهم فنزلها فلما رآهم أهل المدينة خرجوا في جموع كثيرة وهيئة لم ير مثلها فلما رآهم أهل الشأم أكبروهم وكرهوا قتالهم فكتب مسلم إليهم يحذرهم سطواته وينذرهم فتكاته فأبوا قبول ما دعاهم إليه من الانقياد لطاعته فلما كان اليوم الرابع وهو يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وستين نادى مناديه يا أهل المدينة قد مضى الأجل فما تصنعون أتسالمون أم تحاربون فقالوا بل نحارب ثم خرجوا وطلبوا البراز فأمر مسلم أن يعيي الجيش وضرب لهم فسطاطاً ووقع القتال وجعل مسلم يعد قومه ويمنيهم وعبد الله بن حنظلة الغسيل يحرض قومه ويقدم أولاده واحداً بعد واحد حتى قتلوا ثم حمل عليه فقتل وقتل يومئذ ثمانية من أصحاب رسول الله ﷺ وقال أهل الشأم لبني أمية ألهؤلاء جئتم بنا حتى نقتلهم ثم اشتد القتال وكثر القتل حتى انهزم أهل المدينة فدخلوها وتحصنوا بها فيئس منهم مسلم فدله رجل من بني حارثه على طريق سالكة إلى المدينة فسلكه بمن معه حتى دخلها

فلما رأى أهلها الجيش قد صار معهم تفرقوا فقتلوا في كل جهة وذلك لثلاث من ذي الحجة سنة ثلاث وستين ثم انتهبوها ثلاثاً وأقاموا بها حتى رأوا هلال المحرم ثم أخذ مسلم البيعة على أهل المدينة إنهم عبيد قيان ليزيد بن معاوية إن شاء أعتق وإن شاء قتل ثم ركب مسلم الفاسق لعنه الله وخرج إلى الحرة يطوف في القتلى ومعه مروان ابن الحكم فمر على عبد الله بن حنظلة وهو ماد اصبعه نحو السماء فقال والله لئن نصبتها ميتاً لطالما نصبتها حياً داعياً إلى الله ومر على إبراهيم بن نعيم فوجد فرجه مستوراً بيده فقال والله لئن حفظته عند الوفاة لقديماً حفظته في حال الحياة ومر على محمد بن عمر بن حزم وهو واضع جبهته على الأرض فقال أما والله لئن كنت على جبهتك بعد الموت لطالما فرشتها الله ساجداً في طول الحياة فقال والله ما هؤلاء إلا من أهل الجنة ثم إن مسلماً حز رؤس القوم وأرسلها إلى يزيد فيقال إنه أنشد لما ألقيت بين يديه بيت ابن الزبعري

ليت أشياخي ببدر شهدواجزع الخزرج من وقع الأسل
للشاعر عبد الله بن الزبعرى، اقرأ القصيدة

قال الواقدي قتل يوم الحرة سبعمائة من حملة القرآن وقيل قتل سبعمائة من قريش والأنصار وقتل ممن لا يعرف عشرة آلاف ثم سار مسلم لعنه الله يريد مكة لقتال عبد الله بن الزبير فلما كان بقديد مات فدفن بالمشلل وقيل بثنية هرشي وكان موته لسبع بقين من المحرم سنة أربع وستين وفي هذه السنة مات يزيد في الرابع عشر من ربيع الأول وله من العمر ثمان وثلاثون سنة وكانت مدة خلافته ثلاث سنين وتسعة أشهر ولما مات مسلم جاءت أم ولد يزيد بن عبد الله بن زمعة فنبشته وأحرقته وقيل بل أخرجته وصلبته وفيما ذكرنا من هذه الحروب اقناع يعز به المخبر إذا سئم من المطاولة المستخبر

وأحسن ما لحق بهذا الفصل وتلاهوصف عظم الجيش ومصارع قتلاه

أبلغ ما وصف به عظم الجيش قول مالك بن الريث من أبيات

بجيش لهام يشغل الطير جمعهعن الأرض حتى ما يجدن منازلا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة

السلامي

والجو ستر بالنسور مطيروالأرض فرش بالخيول مخيل
يهفو العقاب على العقاب فيلتقيبين الفوارس أجدل ومجدل

ولا مزيد في الحسن على ما قاله أبو تمام حبيب بن أوس الطائي من أبيات يمدح بها المعتصم جاء منها قوله

لما رأيت الذين يخفق قلبهوالكفر فيه تغطرس وعرام
أوريت زند عزائم تحت الدجىأسرجن فكرك والبلاد ظلام
فنهضت تسحب ذيل جيش ساقهحسن اليقين وقاده الاقدام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»
ملأ الملا عصباً فكاد بأن يرىلا خلف فيه ولا له قدام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»
بسواهم لحق الأباطل شربتعليقها الأسراج والألجام
ومقابلين إذا انتموا لم يخزهمفي نصرك الأخوال والأعمام
تخذوا الحديد من الحديد معاقلاًسكانها الأرواح والأجسام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»
مسترسلين إلى الحتوف كأنمابين الحتوف وبينهم أرحام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»
آساد موت مخدرات مالهاإلا الصوارم والقنا آجام
حتى نقضت الروم عنك بوقعةشنعاء ليس لنقضها ابرام
في معرك أما الحمام فمفطرفي هبوتيه والكماة صيام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»
والضرب يقعد قرن كل كتيبةشرس الضريبة والحتوف قيام
فقصمت عروة جمعهم فيه وقدجعلت تفصم عن عراها الهام

ابن عبد ربه صاحب العقد

وجيش كظهر اليمّ ينفحه الصبايعب عبابا من قنا وقنابل
فينزل أولاه وليس بنازلويرحل اخراه وليس براحل
ومعترك ضنك تعاطت كماتهكؤس دماء من كلى ومفاصل
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «وجيش كظهر اليم تنفخه الصبا»
يديروا بها راحاً من الروح بينهمببيض رقاق أو بسمر ذوابل
وتسمعهم أمّ المنية وسطهاغناء صليل البيض تحت المناصل
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «وجيش كظهر اليم تنفخه الصبا»

أبو الفرج الببغا

فإذا الجياد إلى الجياد عوابساًشعثاً ولولا بأسه لم تنفد
في جحفل كالسيل أو كالليل أوكالقطر طافح قطر بحر مزبد
متوقد الجنبات تعتنق القنافيه اعتناق تواصل وتودد
متعجر بضيا الصوارم مبرقتحت العجاج وبالصواهل مرعد
ردّ الظلام على الضحى واسترجعالأصباح من ليل الغبار الأزبد
وكأنما نقشت حوافر خيلهللناظرين أهلة في الجلمد
للشاعر الببغاء، من قصيدة «سقت العهاد خليط ذاك المعهد»
وكأنّ طرف الشمس مطروف وقدجعل الغبار لها مكان الأثمد
للشاعر الببغاء، من قصيدة «سقت العهاد خليط ذاك المعهد»

وله

في خميس كأنما السمر والأبطال فيه غيله حمته أسود
للشاعر الببغاء، من قصيدة «في خميس كأنما السمر والأب»
سلب الشمس ضوأها بشموسطالعات أفلاكهن جديد
عارض كلما تجلت بروق البيض حثت على الصهيل رعود

وله

جيش يفوت الطرف حتى لا يرىما غاب من أطرافه محدودا
للشاعر الببغاء، من قصيدة «جيش يفوت الطرف حتى لا يرى»
ويحيش حتى لا يظن عديدهأحد لكثرة جمعه معدودا
فكأنما جعل الإله روابيالأعلام أعلاماً له وبنودا
للشاعر الببغاء، من قصيدة «جيش يفوت الطرف حتى لا يرى»
يقضي على الأعداء خيفة بأسهقبل اللقاء تهدداً ووعيدا
للشاعر الببغاء، من قصيدة «جيش يفوت الطرف حتى لا يرى»
وترى وتسمع لمعه وخفوقهفتخال فيه بوارقاً ورعودا
للشاعر الببغاء، من قصيدة «جيش يفوت الطرف حتى لا يرى»

آخر

خميس إذا أخفى سنا الشمس نطقهأضاء وأبداه الحديد المسرد
تواجهه هوج الرياح فينثنيوتحمله الأرض الوقور فيرعد

أبو الطيب المتنبي

خميس بشرق الأرض والغرب زحفهوفي أذن الجوزاء منه زمازم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»
تجمع فيه كل لسن وأمةفما يفهم الحدّاث إلا التراجم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وله

وذو لجب لا ذو الجناح أمامهبناج ولا الوحش المثار بسالم
تمر عليه الريح وهي ضعيفةتطالعه من بين ريش القشاعم
ويخفى عليك البرق والرعد فوقهمن اللمع في هاماته والجماجم

ابن المعتز

وعمّ السماء النقع حتى كأنهدخان وأطراف الرماح شرار
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «شجتك لهند دمنة وديار»

ابن الساعاتي

والنقع ليل والأسنة أنجموالسمر غاب والكماة أسود
للشاعر ابن الساعاتي، من قصيدة «والنقع ليل والأسنة انجم»

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من في الشجاعة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.