من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)
عن الذنب المتعمد والسهو
قال الله تعالى وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم وقال تعالى فمن عفى وأصلح فأجره على الله وقال تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوبا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً وقال رسول الله ﷺ من أقال مسلماً عثرته أقاله الله عثراته يوم القيامة وقال ﵊ إن العفو لا يزيد العبد إلا عزاً فاعفوا يعزكم الله ويروى عنه ﵊ أنه قال ما من امام عفا بعد قدرة إلا قيل له يوم القيامة ادخل الجنة بغير حساب وقال معاذ بن جبل لما بعثني رسول الله ﷺ قال لي ما زال جبريل يوصيني بالعفو فلولا علمي بالله لظننت أنه يوصيني بترك الحدود وقيل لأبي الدرداء من أعز الناس قال الذي يعفو إذا قدر وينصر إذا استنصر وقال رسول الله ﷺ من عفا عمن ظلمه صغيرة أو كبيرة فاجره على الله ومن كان أجره على الله فهو من المقربين يوم القيامة
وحده على ما قاله بعض العلماء وقد سئل عنه هو ترك المكافأة عند القدرة قولاً وفعلاً وقال آخر هو السكون عند الأحوال المحركة للانتقام وهو يجمع أشرف الخلال وأكرم الخصال وأفضل شمائل الجلال وأعلى مراتب الكمال وركن متين وحصن حصين من استند إليه واعتمد عيه استنارت له الظلم وأمن من عثرات القدم وعصم من مواقع الندم ويكفي في شرفه إن الانسان لا يسمى حليماً حتى يكون عاقلاً عالماً محسناً صبوراً وحتى يجمع عظم القدر إلى سعة الصدر وقالوا الحليم من لم يكن حلمه لفقد النصرة وعدم القدرة وهو غريزة في الانسان يمنحها واهب الاحسان تصدر عن صدر سالم من الغوائل والأدواء صاف من شوائب الكدر ولاقذاء لا تستطاع بتعلم وتفكر ولا تدرك بتفقه وتبصر كما قال أبو الطيب المتنبي
وإذا الحلم لم يكن في طباعلم يحلم تقدّم الميلاد
فقد يكون طبيعة ويكون مكتسباً مستفاداً بتمرن النفس إليه وتنقاد حباً في المحمدة إليه ويعضد هذا ما روى أن رسول الله ﷺ قال لاشح عبد القيس يا أبا المنذر إن فيك خصلتين يرضاهما الله ورسوله الحلم والأناة فقال يا رسول الله أشيء جبلني الله عليه أو شيء اخترعته من قبل نفسي قال بل شيء جبلك الله عليه فقال الحمد لله الذي جبلني على خلق يرضاه الله ورسوله وقال المخالفون لهذا المذهب الحلم بالتحلم كما أن العلم بالتعلم واستدلوا لهذا القول بما يروى أن جعفر بن محمد الصادق كان إذا أذنب له عبد أعتقه فقيل له في ذلك فقال إني أريد بفعلي هذا تعلم الحلم وقيل كان له عبد سيء الخلق فقيل له ما بقاء مثل هذا عندك وأنت قادر على أن تستبدل به غيره قال لأتعلم به الحلم ومن ذلك قول الأحنف من لم يصبر على كلمة سمع كلمات وأنشد
وليس يتم الحلم للمرء راضياًإذا هو عند السخط لم يتحلم
كما لا يتم الحلم للمرء موسراًإذا هو عند العسر لم يتحشم
ومن أحاسن الكلام الصادر عن الحكماء في شرف الحلم ومن تخلق به من الحلماء قالوا الحلم والأناة توأمان نتيجتهما علو الهمة وهذا كما ورد عن علي ﵁ أنه سأل رجلاً من أهل فارس عمن كان أحمد ملوكهم سيرة قال أنوشروان فقال علي أي أخلاقه كان أغلب عليه قال الحلم والأناة فقال على هما قوام الملك نتيجتهما علو الهمة والأناة ترك العجلة بالانتقام عند القدرة قال إبراهيم بن العباس الصولي
لن يدرك المجد أقواماً وإن كرمواحتى يذلوا وإن عزو الأقوام
ويشتموا فترى الألوان مسفرةلا صفح ذل ولكن صفح اكرام
وقال قابوس بن وشمكير العفو عن الذنب من واجبات الكرم وقبول المعذرة من محاسن الشيم ومن كلام التبوة كاد الحليم أن يكون نبياً ورأى حكيم نزقة من ملك فقال أيها الملك ليس التاج الذي يفتخر به عظماء الملوك فضة ولا ذهباً ولكنه الوقار المكلل بجواهر الحلم وأحق الملوك بالبسطة من حلم عند ظهور السقطة وقال معاوية لابنه يزيد عليك بالحلم والاحتمال حتى تمكنك الفرصة فإذا أمكنتك فعليك بالصفح فإنه يدفع عنك مضلات الأمور ويوقيك مصارع المحذور وقال الشاعر
لا تحسبن الحلم منك مذلةإنّ الحليم هو الأعز الأمنع
إن جرعوك الغيظ فأجرعه لهمتؤجر وتحمد غب ما يتجرع
آخر
إنّ التحلم ذل أنت عارفهوالحلم عن قدرة أفضل من الكرم
وقال معاوية أفضل ما أعطى الرجل الحلم فإنه إذا ذكر ذكر وإذا قدر غفر وإذا أساء استغفر وقالوا العفو يزين حالات من قدر كما يزين الحلي قبيحات الصور وقالوا الحلم مطية وطية تبلغ راكبها قصبة المجد وتملكه ناصية
الجد وقال بعض البلغاء من غرس الحلم شجراً وسقاه الأناة درراً جنى العز منه ثمراً وأثبت المكارم أثراً شاعر
إذا شئت يوماً أن تسود عشيرةفبالحلم سدلاً بالتسرع والشتم
فللعلم خير فاعلمن مظنةمن الجهل إلا أن تشينه بالظلم
آخر
اخفض جناحك للقرابة والقهمبتودد واغضض لهم ان أذنبوا
وصل الكرام فإن ظفرت بزلةفالصفح عنهم والتجاوز قرب
آخر
إلا إنّ حلم المرء أكرم نسبةتسامى بها عند الفخار كريم
فيا رب هب لي منك حلماً فإننيأرى الحلم لم يندم عليه حليم
وقالوا الحلم حجاب الآفات وقالوا من غرس شجر الحلم اجتنى ثمر السلم وقال عمر بن عبد العزيز ما قرن الله شيأً إلى شيء أفضل من علم إلى حلم ومن عفو إلى قدرة وقال حكيم خير الأمور بغية العفو وخير العفو ما كان عن قدرة وقال الشاعر
العفو يعقب راحة ومحبةوالصفح عن ذنب المسئ جميل
وقال عمر أيضاً استدعوا العفو من الله بالعفو عن الناس والرحمة بهم والشفقة عليهم وقالوا اعف عمن لم يسلك من سخطك طريقاً حتى يأخذ من رجائك طريقاً ويروى عن عيسى ﵇ أنه قال ليس الاحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك إنما تلك مكافأة وإنما الاحسان أن تحسن إلى من أساء إليك وقال سعيد بن العاص ما شاتمت أحداً مذ صرت رجلاً لأني ما أشاتم إلا أحد رجلين إما كريماً فأنا أحق أن أحتمله أو لئيماً فأنا أولى من رفع نفسه عنه وقال عمر بن الخطاب ادرؤا الحدود بالشبهات ولان يخطئ الامام في
العفو أحب إلي من أن يخطئ في العقوبة فإذا وجدتم مخرجاً للسلم فادرؤا الحدود شاعر
وما بال من أسعى لاجبر عظمهسفاهاً وينوي من سفاهته كسرى
أظن خطوب الدهر بيني وبينهمستحملهم مني على مركب وعر
أعوذ على ذي الجهل والحلم منهمبحلمي ولو عاقبت غرقهم بحري
أناة وحلماً وانتظاراً بهم غداوما أنا بالواني ولا الضرع الغمر
ألم تعلموا أني تخاف عزيمتيوإن قناتي لا تلين على الكسر
من عرف بالعفو عند خطا الجانيوصار بالأناءة عليه كالأب الحاني
كان رسول الله ﷺ حليماً رحيماً رؤفاً عطوفاً يهب ويسمح ويعفو ويصفح وكان كسرى يقول عفوي عمن أساء إلي بعد قدرتي عليه أسر لي مما ملكت وكان معاوية يقول ما وجدت لذة ألذ عندي من غيظ أتجرعه ومن سفه بالحلم أقمعه وكان يقول إني لاكره أن يكون في الأرض جهل لا يشمله حلمي وذنب لا يسعه عفوي وكان المأمون ممن أوتي الحلم طبعاً لا تطبعاً ومنح العفو خلقاً لا تخلقاً فكان يقول إني لاستحلي العفو حتى أخاف إني لا أوجر عليه ولو علم الناس محبتي في العفو لتقربوا إلي بالذنوب فكأنه القائل بلسان كرمه وأفضاله لا بلسان نطقه ومقاله
وجهل رددناه بفضل حلومناولو أننا شئنا رددناه بالجهل
رجحنا وقد خفت حلوم كثيرةوعدنا على أهل السفاهة بالفضل
عامر العدواني
إني غفرت لظالمي ظلميوتركت ذاك له على علمي
فرأيته أسدى إليّ يداًلما أبان بجهله حلمي
وكان يقول ليس في الحلم مؤنة ووددت أن أهل الجرائم عرفوا رأيي في الحلم حتى يذهب عنهم الخوف فتصفو إلي قلوبهم وكان يقول المذنبون ثلاثة فمنهم من ذنبه مقرون بعذره قد أماطه عنه وأخرجه سليماً منه ومنهم من ذنبه فاضح وعذره غير واضح وهو فرد لا أخ له وفذ لا توأم معه فالأولى به أن يقال إذا اعترف بالحوبة وأخلص لي التوبة ومنهم المتردد في هفواته والمتكرر في عثراته الجارية عادته أن يكثر التوبة إذا تاب ويفسخ عقد الانابة متى أناب فذاك الذي يعاقب بالاطراح ولا يطمع في شخصه بالفلاح وكان أسماء بن خارجة يقول ما أتاني أحد بما أكره إلا أخذت عليه بثلاث خصال فإن كان فوقي عرفت له فضل التقدم فاتبعته وإن كان دوني صفت نفسي عنه وإن كان مثلي تفضلت عليه نظم محمود الوراق هذه الكلمات في هذه الثلاثة الأبيات فقال
سألزم نفسي الصفح عن كل مذنبوإن عظمت منه عليّ الجرائم
فما الناس إلا واحد من ثلاثةشريف ومشروف ومثلي مقاوم
فأما الذي فوقي فاعرف فضلهواتبع فيه الحق والحق لازم
وأما الذي دوني فإن قال منكراًصفحت له عنه وإن لام لائم
وأمّا الذي مثلي فإن زلّ أو هفاتفضلت إنّ الفضل بالحلم حاكم
الناشي في مثل هذا
إذا كان دوني من بليت بجهلهأبيت لنفسي أن أقابل بالجهل
فإن كنت أدنى منه في العلم والحجىعرفت له حق التقدّم بالفضل
وإن كان مثلي في محلّ من النهىأردت لنفسي أن أجلّ عن المثل
وقال المأمون وجدت المسئ إلي عبد الله ولو أساء إلي عبد لاخ لصفحت عنه اكراماً له فكيف لا أصفح عن عبد مسئ هو عبد الله تعالى
ولأبي فراس الحمداني
ما كنت مذ كنت الأطوع خلانيليست مؤاخذة الاخوان من شاني
يجنى الخليل فاستجلى جنايتهحتى أدلّ على عفوي واحساني
يجنى عليّ وأحنو دائماً أبداًلا شيء أحسن من حان على جان
وقال رجل للأحنف في مشاجرة وقعت بينهما إن قلت كلمة لتسمعن عشر كلمات فقال الأحنف لو قلت عشراً لم تسمع واحدة ومن حكاياته الدالة على كرم نجره القاضية له بتضعيف أجره أن رجلاً جعل له ألف درهم على أن يغضبه فوقف الرجل وبالغ في سبه والأحنف يعرض عنه غير مكترث به فلما رآه لا ينظر إليه ولا يرد عليه أقبل يعض أنامله ويقول واسوأتاه والله ما يمنعه من جوابي إلا هواني عليه ولهذا قيل الحليم من صمت عن سماع الخنى وأغضت عيناه على مضض القذى
ما اخترناه وانتقيناه من غرر الممادحالمقولة فيمن أغضى عن المسئ القادح
مدح أعرابي رجلاً بالحلم فقال إن أذنبت إليه استغفر فكأنه المذنب وإن أحسن إليك اعتذر فكأنه المسئ الحسن بن رجاء في المأمون
صفوح عن الاجرام حتى كأنهمن العفو لم يعرف من الناس مجرما
وليس يبالي أن يكون به الأذىإذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما
وقال آخر
يعفو عن الذنب العظيم وليس يعجزه انتصاره
صفحاً على الباغي عليهـ وقد أحاط به اعتذاره
وقال أبو الحسن مهيار بن مردويه الديلمي من أبيات
وإذا اباء المرء قال لك انتقمقالت خلائقك الكرام بل احلم
شرع من المجد انفردت بدينهوفضيلة لسواك لم تتقدّم
حتى لقد ودّ البرئ لو أنهأدلى إليك بفضل جاه المجرم
ولغيره من أبيات
فدهره يصفح عن قدرةويغفر الذنب على علمه
كأنه يأنف من أن يرىذنب امرئ أعظم من حلمه
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع