من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)
وانتهك حرمات الرؤساء
قال الله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقال تعالى ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل وقد ثبت أن النبي ﷺ أمر بقتل أبي عزة الشاعر لما كان يعرض به من أذى النبي ﷺ بلسانه ويحرض عليه قبائل قريش وفي فعله لنا اسوة قال ابن إسحق لما أخذ أبو عزة الشاعر يوم بدر وأتى به إلى رسول الله ﷺ قال يا
رسول الله تصدق بي على بناتي واعف عني عفا الله عنك قال نعم علي أن لا تعين علي بقول ولا فعل فعاهده على ذلك وخلى سبيله ثم إنه خرج مع أبي سفيان يحرض قريشاً على قتال النبي ﷺ فأخذ يوم أحد فأتى به رسول الله ﷺ فقال له ألم تعاهدني على أن لا تعين علي بقول ولا فعل فقال غلبت فتصدق بي على بناتي واعف عني عفا الله عنك فقال ﵊ إن العفو لمكرمة ما مثلها مكرمة ولكن لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين ثم أمر بقتله فقتل
فمما للحكماء من تحريض الحرّعلى مقابلة المسئ بالنكال المر
قالوا توضع للمحسن إليك وإن كان عبداً حبشياً وانتصف ممن أساء إليك وإن كان حراً قرشياً وقال علي ﵁ وكرم وجهه الخير بالخير والبادي أكرم والشر بالشر والبادي أظلم وقال الشعبي يعجبني الرجل إذا سيم هواناً دعته الأنفة إلى المكافأة وجزاء سيئة سيئة مثلها فبلغ كلامه الحجاج فقال لله دره أي رجل بين جنبيه وتمثل
ولا خير في عرض امرئ لا يصونهولا خير في حلم امرئ ذل جانبه
وقالوا من ترك العقوبة أغرى بالذنب ولولا السيف كثر الحيف وقالوا من مال معك إلى الحيف فلا تبخلن عليه بالسيف وقالوا السفيه يخالف ولا يؤالف ويماري ولا يداري وقال أوس بن حسان
إذا المرء أولاك الهوان فأولههواناً وإن كانت قريباً أواخره
فإن أنت لم تقدر على أن تهينهفدعه إلى اليوم الذي أنت قادره
وقارب إذا ما لم تكن لك حيلةوصمم إذا أيقنت إنك عاقره
وقيل لأعرابي أيسرك أن تدخل الجنة ولا تسئ إلى من أساء إليك قال لا بل يسرني إن أدرك الثار وأدخل مع فرعون النار أبو عبادة
البحتري
تذم الفتاة الرود شيمة بعلهاإذا بات دون النار وهو ضجيعها
ويقال إنما هو مالك وسيفك فازرع بمالك من شكرك واحصد بسيفك من كفرك وقال الشاعر
قط العدى قط اليراعة وانتهزبظبا السيوف سوائم الأضغان
إنّ البيادق أن توسع خطهاأخذت إليك مآخذ الفرزان
وقال المأمون الحلم يحسن بالملوك إلا في ثلاثة أشياء فادح في ملك ومتعرض بجرم ومذيع لسر وقال أعرابي لابن عباس أتخاف علي جناحاً إن ظلمني رجل فظلمته فقال له العفو أقرب للتقوى فقال ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل وقال الشاعر
إذا كان حلم المرء عون عدوّهعليه فإنّ الجهل أعفى وأروح
وفي الحلم صغر والعقوبة هيبةإذا كنت تخشى أيد من عنه تصفح
آخر
أرى اللين ضعفاً والتشجع هيبةومن لا يهب يحمل على مركب وعر
وما كل حين ينفع الحلم أهلهولا كل حين يدفع الجهل بالصبر
وقال الجاحظ من قابل الاساءة بالاحسان فقد خالف الله في تدبيره وظن أن رحمة الله دون رحمته فإنه تعالى يقول من يعمل سوأ يجز به وقال تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره فجازي على الخير بالثواب والشر بالعقاب وقال أكثم بن صيفي من تعمد الذنب فلا ترحمه دون العقوبة فإن الأدب رفق والرفق يمن وقال أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي
من الحلم أن يستعمل الجهل دونهإذا اتسعت في الحلم طرق المظالم
آخر
من أكرم الناس أكرموهووقروه وبجلوه
ومن يهنهم يهن عليهمفي حر أميه يدخلوه
وقال الشافعي من استغضب فلم يغضب فهو حمار كما أن من استرضى فلم يرض فإنما هو جبار وقال رجل لابن سيرين إني وقعت فيك فاجعلني في حل قال ما أحب أن أحل لك ما حرم الله عليك وقال علي كرم الله وجهه رد الحجر من حيث جاء فإن الشر لا يدفع إلا بالشر وقال الشاعر
ألا لا يجهلن أحد علينافنجهل فوق جهل الجاهلينا
احتجاج من جازى السيئة بمثلهاممن ملك عقد الأمور وحلها
لما ولي طاهر بن عبد الله بن الحسين خراسان بعد موت أبيه استؤمر في رجلين أحدهما ضعيف والآخر عليل فوقع في أمرهما الضعيف يقوى والعليل يبرأ فإن يكونا ممن لا يؤمن شرهما فدعهما مكانهما فإن من أطلق مثلهما على الناس فهو شر منهما وشريكهما في أعمالهما واعتذر بعض بني أمية إلى السفاح فهم بالصفح عنهم فقال أبو مسلم إن الصفح مقرب إلى الله تعالى مبعد من النار إذا قصد طريقه وأصيب به أهله وأما هؤلاء الذين تضمنت قلوبهم غدراً وأورى زندهم شراً فلم تنفد ضغائنهم ولا ننيب بوائقهم فالقتل لهم أشفى والراحة منهم أولى فأمر بقتلهم فقتلوا ودخل إسمعيل الملقب بسديف على السفاح وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك وقد أدناه وأعطاه يده فقبلها فلما رأى سديف ذلك قام بين يدي السفاح وأنشده قصيدة يمدحه فيها ويحرضه على قتل من ظفر به من بني أمية جاء منها
يا ابن عم النبيّ أنت ضياءاستبنا بك اليقين الجليا
يا وصي الشهيد أكرمك اللهـ فقد كنت للشهيد وصيا
لا يغرنك ما ترى من خضوعإن تحت الضلوع داء دويا
بطن البغض في القديم فأضحىثابتاً في قلوبهم مطويا
فضع السيف وارفع السوط حتىلا ترى فوق طهرها أمويا
فقام أبو العباس ودخل وإذا المنديل قد ألقى في عنق سليمان ثم جر فذبح ومن الأغراء وإن لم يعتمد لما أساءت البرامكة على الرشيد وأراد الايقاع بهم جعل يتردد في أعمال الحيلة عليهم فتكلم الرشيد يوماً في مجلسه كلمة نزع القوم بها فكل يحكي في نوعها حكاية أو ينشد شعراً في معناها وكان في المجلس ابن عزيز فأنشد أبياتاً في غير المعنى الذي كانوا بصدده كانت سبباً لامضاء عزيمته على قتل البرامكة يقول فيها
ليت هنداً أنجزتنا ما تعدوشفت أنفسنا مما نجد
واستبدّت مرة واحدةإنما العاجز من لا يستبد
فاستعاد منه الرشيد البيتين مراراً ثم أوقع الرشيد بالبرامكة بعد ذلك بثلاثة أيام وسنذكر في الفصل الأوسط من الباب الآتي من إيقاعه بهم ما فيه للمتأمل مقنع وللمستخبر مستمتع إن شاء الله تعالى ولم أر في التحريض أبلغ من قول القائل في قصيدة طويلة ذات معان جمة وفوائد جليلة
ما كل يوم ينال المرء ما طلباولا يسوّغه المقدور ما وهبا
وأعجب الناس من إن نال فرصتهلم يجعل السبب الموصول مقتضبا
وأنصف الناس في كل المواطن منسقى الأعادي بالكاس الذي شربا
فالعفو إلا على الأعداء مكرمةمن قال غير الذي قد قلته كذبا
قتلت عمراً وتستبقي يزيد لقدرأيت رأياً يجرّ الويل والحربا
لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلهاإن كنت شهماً فأتبع رأسها الذنبا
هم جردوا السيف فاجعلهم به جزراًهم أوقدوا النار فاجعلهم لها حطبا
واذكر بمنحاهم مثوى أبي كربفيهم وحبس عدي عندهم حقبا
وسيف جدك لما أن أضرّ بهمجاؤا به لك في أسلابهم سلبا
لا عفو عن مثلهم في مثل ما طلبواوإن يكن ذاك كان الهلك والعطبا
فمنهم أهل غمان ومجدهمعال وإن حاولوا ملكاً فلا عجبا
إن تعف عنهم يقول الناس كلهملم يعف حلماً ولكن عفوه رهبا
وإن أحسن من ذا العفو لو هزموالكن هم اتبوا من سيفك الهربا
علام تقبل منهم فدية وهملا فضة قبلوا منه ولا ذهبا
اسق الكلاب غد من فتية دمهاعند البرية تستسقى به الكلبا
لو لم يسر جان أن تعض محاجزهواللبث لا يحسن النقبا إذا وثبا
آخر
يفيض إليّ الشر حتى إذا أتىلينزل رحلي قلت للشر مرحبا
وأركب ظهر الشر حتى أذلهإذا لم أجد الأعلى الشر مركبا
واكوى بلا نار اناساً بظلمهموأصفح أحياناً وإن كنت مغضبا
ولله در من قال
إذا آمن الجهال جهلك مرةفعرضك للجهال غنم من الغنم
وإن أنت باريت السفيه إذا أنتميفأنت سفيه مثله غير ذي حلم
فلا تعترض عرض السفيه ودارهبحلم فإن أعيا عليك فبالصرم
وغم عليه الجهل والحلم والقهبمنزلة بين العداوة والحلم
فيرجوك تارات ويخشاك تارةوتأخذ فيما بين ذلك بالحزم
فإن لم تجد بدا من الجهل فاستعنعليه بجهال فذاك من العزم
ودع عنك في كل الأمور عتابهفإنك إن عاتبته كان كالخصم
ومن عاتب الجهال لم يشف نفسهولكنه يزداد سقماً على سقم
آخر
حبست لكم نفسي على الحلم والرضايأمن ذو خوف ويدرك طالب
إذا أنت لم تصلح لسيفك ما جنىسفيهك صارت في الصدور معاتب
المتنبي
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذىحتى يراق على جوانبه الدم
نبذة من أدنى النقض والابرامفي ذم مكافأة اللئيم بالاكرام
قالوا العفو يفسد من اللئيم بقدر ما يصلح من الكريم وقال معاوية بن يزيد بن معاوية لأبيه هل ذممت عاقبة حلم قط قال ما حلمت عن لئيم وإن كان ولياً إلا أعقبنني ندماً على ما فعلت وقال الشاعر
متى تضع الكرامة في لئيمفإنك قد أسأت إلى الكرامه
وقد ذهبت صنيعته ضياعاوكان جزاء فاعلها الندامه
وقالوا جنب كرامتك اللئام فإنك إن أحسنت إليهم لم يشكوا وإن أساؤا لم يستغفروا شاعر
إن هذا اللؤم إنا أكرمتهحسب إلا كريم حقاً يلزمك
فأهنه إنه من لؤمهإن تسمه بهوان يكرمك
ولآخر
إنّ اللئيم إذا رأىليناً تزيد في حرانه
لا تخدعن فصلاح منجهل الكرامة في هوانه
ويقال اللئام إلى رهبوت أحوج منهم إلى رحموت المتنبي ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى وقالوا الكريم يصلح بالاحسان والكرامة واللئيم بالهوان والملامسة المتنبي
إذا أنت أكرمت الكريم ملكتهوإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا
إبراهيم بن المهدي
إذا كنت بين الحلم والجهل باقلاًوخيرت أني شئت فالحلم أفضل
ولكن إذا أنصفت من ليس منصفاًولم يرض منك الحلم فالجهل أنبل
إذا جاءني من يطلب الجهل عامداًفإني سأعطيه الذي جاء يسأل
ولم أعطه إياه إلا لأنهوإن كان مكروهاً من الذل أجمل
وفي الخير إبطاء فإن جاء عاجلاًكما تشتهيه النفس فالشر أعجل
وينسب لعلي ﵁
لئن كنت محتاجاً إلى الحلم إننيإلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
ولي فرس للخير بالخير ملجمولي فرس للشر بالشر مسرج
فمن شاء تقويمي فإني مقومومن شاء تعويجي فإن معوّج
وما كنت أرضى الجهل جدّاً ولا أباًولكنني أرضى به حين أحرج
فإن قال بعض الناس فيه سماجةلقد صدقوا والذل بالحرّ أسمج
أبو نواس
في الناس إن جربتهمن لا يعزك أو تذله
فاترك مدارة اللئيم فإن فيها العجز كله
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع