تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

الحيرة (٢)

مدينة كانت في قديم الزمان بأرض الكوفة على ساحل البحر، فإن بحر فارس في قديم الزمان كان ممتدّا إلى أرض الكوفة، والآن لا أثر للمدينة ولا للبحر، ومكان المدينة دجلة.

ينسب إليها النعمان بن امرئ القيس صاحب الحيرة من ملوك بني لخم.

نبي بالحيرة قصرا يقال له الخورنق في ستّين سنة، قصرا عجيبا ما كان لأحد من الملوك مثله. فبينا هو ذات يوم جالس على الخورنق إذ رأى البساتين والنخل والأشجار والأنهار ممّا يلي المغرب، والفرات ممّا يلي المشرق، والخورنق مكانه، فأعجبه ذلك وقال لوزيره: أرأيت مثل هذا المنظر وحسنه؟ فقال: ما رأيت أيّها الملك لا نظير له لو كان دائما! فقال له: ما الذي يدوم؟ فقال:

ما عند اللّه في الآخرة! فقال: بم ينال ذلك؟ فقال: بترك الدنيا وعبادة اللّه! فترك النعمان الملك ولبس المسح ورافقه وزيره، ولم يعلم خبرهما إلى الآن؛ قال عدي بن زيد:

وتبيّن ربّ الخورنق، إذأشرف يوما وللهدى تفكير
سرّه ما رأى وكثرة ما يملك والبحر معرضا والسّدير
فارعوى قلبه وقال: فما غبطة حيّ إلى الممات يصير؟
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «وتفكر رب الخورنقِ إِذ أش»
ثمّ بعد الفلاح والملك والإمّة وارتهم هناك القبور!
ثمّ صاروا كأنّهم ورق جفّفألوت به الصّبا والدّبور
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «وتفكر رب الخورنقِ إِذ أش»

وينسب إليها أبو عثمان إسماعيل الحيري. كان من عباد اللّه الصالحين.

حكي من كرم أخلاقه ان رجلا دعاه إلى ضيافته فذهب إليه، فلمّا انتهى إلى باب داره قال: ما لي وجه الضيافة! فرجع ثمّ طلبه بعد ذلك مرّة أخرى فأجابه، فلمّا انتهى إلى باب داره قال له مثل ذلك، ثمّ دعاه مرّة ثالثة وقال له مثل ذلك.

فعاد الشيخ فقال الداعي: اني أردت أن أجرّبك، وجعل يمدحه فقال الشيخ:

لا تمدحني على خلق يوجد في الكلاب، إذا دعي الكلب أجاب وإن زجر انزجر! توفي سنة ثمان وتسعين ومائتين.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الرابع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.