من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)
دير الشياطين
وهذا الدير غربي دجلة، من أعمال بلد، بين جبلين، في فم الوادي. له منظر حسن وموقع جليل. وهواؤه رقيق لطيف، وقلاليه عامرة كثيرة الأشجار، وأرضه كثيرة الرياض. وله سور يحيط به، ومشترف على سطح هيكله يشرف على دجلة والجبل. والناس يطرقونه للشرب فيه، وهو من مطارح أهل البطالة ومواطن ذوي الخلاعة.
وللخباز البلدي، فيه:
رهبان دير سقوني الخمر صافيةمثل الشياطين في دير الشياطين
مشوا إلى الراح مشي الرخ وانصرفواوالراح تمشي بهم مشي الفرازين
وكان عبادة، لما نفاه المتوكل إلى الموصل، يمضي إلى دير الشياطين فيشرب فيه، ولم يكن يفارقه. فهوي غلاماً من الرهبان بالدير، وكان من أحسن الناس وجهاً وقداً، فهام به وجن عليه ولزم الدير من أجله، ولم يزل يخدعه ويلاطفه ويعطيه إلى أن سلخ الراهب من الدير وخرج معه. وفطن رهبان الدير بعبادة وما فعل من إفساده الغلام، فأرادوا قتله بأن يرموه من أعلى الدير إلى الوادي. ففطن بهم وهرب، فلم يعد إلى الموضع.
وكان عبادة، من أطيب الناس وأخفهم روحاً وأحضرهم نادرة. وكان أبوه من طباخي المأمون، وكان معه، فخرج حاذقاً بالطبيخ. ثم مات أبوه، فتخنث وصار رأساً في العيارة والخلاعة. فوصف للمأمون، وهو إذ ذاك حدث، فاستحضره. فلما وقف بين يديه تنادر وحاكى ومازح، فاستطابه المأمون. فقال: أمضوا به إلى زبيدة لتراه وتضحك منه، فمضوا به إليها، فلما دخل عليها وجدها على برذعة تاختج وعلى رأسها جارية تذب بمذبة خوص. فقال عبادة: يا ستي، كأنك من ناطف البركة. فضحكت منه واستطابته، فأقام عندها أياماً، فوصلته وكسته وكانت لا تكاد تصبر عنه.
قال جلس المأمون في بعض الأيام، وأمر بأن تحضر اللحوم والحيوان وما يحتاج إليه من آلة الطبيخ وقال للندماء: ليطبخ كل واحد منكم قدراً. وطبخ هو أيضاً قدراً وطبخ أخوه أبو إسحق قدراً، ففاحت لها روائح غلبت على روائح قدورهم طيباً وعطرية. فعجبوا من ذلك، وعبادة حاضر، فحسده. فقال: إن أردت أن تزيد في طيب قدرك، فصب فيها سكرجة كامخ. فأخذ سكرجة كامخ كبر وصبها في القدر، فساعة صب السكرجة، فاحت لها روائح منتنة. فقال المأمون: ويلكم! ما هذه الرائحة المنتنة؟ قال عبادة: رائحة قدر أخيك الطباخ! قال ماذا طرحت فيها حتى عادت بعد الطيب إلى هذه الرائحة؟ فقال سكرجة كامخ كبر أشار بها عبادة. فقال أما علمت أنك إذا أدخلت جسماً ميتاً على جسم حي أفسده؟ فحقدها المعتصم على عبادة. فلما ولي المعتصم، أمر بقتله، ثم قال: ما لهذا الكلب من القدر ما يقتل به، ولكن أنفوه. فنفي. فلما ولي الواثق رده، فكان معه ثم مع المتوكل بعده. ثم غضب عليه المتوكل فنفاه إلى الموصل.
قال أبو حازم الفقيه، وقد جرى ذكر عبادة: ما كان أظرفه. قيل: وكيف؟ قال: كان المتوكل نفاه، فلما حصل بالموصل، تبعه غرماؤه وطالبوه، وقدموه إلى علي بن إبراهيم الغمري وهو قاضي الموصل، فحلف لواحد ثم لآخر ثم لآخر. فقال علي بن إبراهيم: ويحك! ترى هؤلاء أجمعوا على ظلمك؟ فاتق الله وارجع إلى نفسك. فإن كانت عسرة كان بإزائها نظرة. قال: صدقت، فديتك! ليس كلهم ادعى الكذب ولا كلهم ادعى الصدق، وإنما دفعت بالله ما لا أطيق.
ثم رده المتوكل. وكان من أحضر الناس نادرة وأسرعهم جواباً.
وقال المتوكل لعبادة ذات يوم: دع التخنث حتى أزوجك. قال: أنت خليفة أو دلالة؟ وقال له ابن حمدون: يا عبادة، لو حججت لاكتسبت أجراً ورآك الناس في مثل هذا الوجه المبارك. فقال: اسمعوا، ويلكم، إلى هذا العيار: يريد أن ينفيني من سامراء على جمل! وقال له دعبل يوماً: والله لأهجونك! قال: والله لئن فعلت لأخرجن أمك في الخيال! قال سعد بن إبراهيم الكاتب: قلت له يوماً: يكون مخنث بغير بغاء؟ قال: نعم. ولكن لا يكون مليح. يكون مثل قاضي بلا دنية!
وقال يوماً لأبي حرملة المزين: حذقني. قال: يا مخنث، أضع يدي على وجهك وأنا أضعها على وجه أمير المؤمنين؟ قال: فأنت أيضاً تضعها على باب أستك كل يوم خمس مرات! قال: دخل عبادة يوماً الحمام بغير مئزر متبذلاً غير محتشم، وفي الحمام شيخ جليل. فقال: ويحك! أما تستحي؟ استتر بيدك! فقال: أيش أستر؟ إنما هي هدية مكة: مقلتان ومسواك! قال علي بن يحيى المنجم: قال عبادة يوماً للمتوكل، ويحيى بن أكثم القاضي حاضر: يا أمير المؤمنين، قل ليحيى يعلمني فرائض الصلب. قال المتوكل ليحيى: هو ذا تسمع. فقال، وقد علم أن المتوكل غمز عليه عبادة ليتنادر به: سأل محالاً يا أمير المؤمنين. قال: وكيف؟ قال: لأن الشاعر يقول:
وإن من أدبته في الصبىكالعود يسقى الماء في غرسه
وهذا شيخ لا ينجع فيه التعليم. ولكن إن كان له ابن حدث ذكر فليأتني به، أعلمه. فنظر إليه عبادة وقال: يا قاض، لو كنت من أهل صناعتنا، ما قوي بك أحد. فقال: لست من أهل صناعتك وما بأحد علي قوة.
قال: وخرج عبادة يوماً في السحر إلى الحمام، فلقي غلاماً من أولاد الأتراك، فأعطاه عشرة دراهم وقال: إقطع أمر عمك! فبينا الغلام فوقه خلف الدرب، إذ أشرفت عجوز من غرفة لها، فرأتهما، فصاحت: اللصوص! فقال عبادة: يا عجوز السوء! النقب في استي، صياحك أنت من أيش؟ وذكر أبو حازم القاضي، قال كنت مقيماً بدمشق من ابن مدبر، وكان لا يرد عليه كتاب إلا أقرأنيه. فورد عليه كتاب سعيد الرسح خليفة له بسر من رأى، فقرأه وتبسم ولم يدفعه إلي. فسألته عما فيه؟ قال: كتب إلي سعيد يذكر أنه كان واقفاً بباب المتوكل، إذ خرج موسى بن عبد الملك وهو متغير الوجه، فقال لغلامه: احمل إلى عبادة ألف درهم وقل: لا تعاود أن تكثر فضولك. فسألت عن الخبر، فقيل: دخل موسى على المتوكل وهو جالس على بركة السباع، وعبادة بين يديه يتكلم ويعبث. فقال المتوكل: يا موسى، قد صدع رأسي عبادة، فما تريحني منه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إطرحه في بركة الأسد! فقال عبادة: نعم، إطرحني أنا في بركة الأسد، واحمله هو إلى أسد دمشق حتى يستخرج لك الأموال منه. فتغير موسى وقامت عليه القيامة، وبعث إلى عبادة يمال أسكته به.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع