من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)
عمر الزعفران
هذا العمر بنصيبين، مما يلي الجانب الشرقي منها، في الجبل، والجبل مشرف على البلد. وهو من الديارات الموصوفة والمواقع المذكورة بالطيب والحسن. وحوله الشجر والكروم، وفيه عيون تتدفق. وهو كثير القلايات والرهبان. وشرابه موصوف، يحمل إلى نصيبين وغيرها. وليس يخلو من أهل القصف واللعب، فهو وسائر بقاعه معمورة بمن يطرقها.
وبهذا الجبل ثلاثة ديارات أخر، في صف واحد، أحسن شيء منظراً وأجله موقعاً، وهي: عمر الزعفران، ومر أوجي ومر يوحنا. والعمر الكبير بالموضع أحد متنزهات الدنيا. وأسفل الجبل الهرماس، وهو نهر نصيبين، وعيون تتدفق من أصل الجبل، ويعرف الموضع برأس الماء. وهذا الجبل أول طور عبدين، وهو على ثلاثة فراسخ من نصيبين. ويجري هذا النهر بين جبلين. وعلى حافته الكروم والشجر، فإذا وصل إلى نصيبين افترق فرقتين، فمنه ما يجتاز بباب سنجار، فيسقي ما هناك من البساتين ويصب في الخابور، ومنه ما يعدل إلى شرقي البلد فيدير أرحية هناك ويسقي البساتين أيضاً وما هناك.
ولمصعب الكاتب، في دير عمر الزعفران:
عُمرت بقاع عمر الزعفرانبفتيان غطارفةٍ هجان
بكل فتىً يحن إلى التصابيويهوى شرب عاتقة الدنان
بكل فتىً يميل إلى الملاهيوأصوات المثالث والمثاني
ظللنا نُعمل الكاسات فيهعلى روض كنقش الخسرواني
وأغصان تميل بها ثمارٌقريبات من الجاني دواني
تثنّيها الرياح كما تثنّىبحسن قوامه آوي جناني
وأنهارٍ تسلسل جارياتيلوح بياضها كاللؤلؤان
وأطيار إذا غنّتك أغنتعن ابن المارقي وعن بنان
نجاوبها إذا ناحت بشجوبقهقهة القواقز والقناني
وغزلان مراتعها فؤاديشجاني منهم ما قد شجاني
وبنوهم ويوحنّا وشعياذوو الاحسان والصور الحسان
رضيت بهم من الدنيا نصيبيغنيت بهم عن البيض الغواني
أُقبل ذا وألثم خد هذاوهذا مسعد سلس العنان
فهذا العيش لا حوضٌ ونوىولا وصف المعالم والمغاني
وكان مصعب هذا، من أشد الناس تهتكاً، وأكثرهم خلاعة ومجوناً واستهتاراً بالمرد، وتطرحاً في الحانات والديارات. وأشعاره كلها في الغلمان، لا تعدو هذا المعنى إلى غيره. ونحن نورد من ذلك ما يستطرف ويستملح من معانيه.
ومن شعره، قوله:
أنا الماجن اللّوطي ديني واحدوإني في كسب المعاصي لراغب
ألوط ولا أزني فمن كان لائطاًفإني له حتى القيامة صاحب
أدين بدين الشيخ يحيى بن أكثموإني عن دين الزناة لناكب
ومثل قضيب البان في زي شاطرٍإذا ما بدا للطرف فالعقل عازب
له نخرةٌ، إن قلت: صلني بزورةتشيب لها يا ابن الكرام الذوائب
دعوت له من قوم لوطٍ عصابةًتذل لهم في النائبات المصاعب
فقال، وقد غصّ الزيار بحلقهمقالة من أعيت عليه المذاهب
كريمٌ أصابته من الدهر نبوةٌوأي كريم لم تصبه النوائب
ومن شعره أيضاً:
نصيحة من حوى أُذناً وطرفاًأتتك، وسوف تسعد إن فعلتا
عليك إذا لقيت بحسن بشروكن من أكثر الثقلين سمتا
ولا تخل الأصابع من عقودٍوغتّ الناس بالآثار غتّا
وعظهم وانههم عن منكراتولا تدع البكاء إذا وعظتا
وواخ أبا الذي تهواه كيمايقال أخو أبيه وقد ظفرتا
وإن أبصرت شرطك بين قومولم تصبر، فسارق إن نظرتا
وإن فطنوا، فأطرق ثم فكّركأنك لم تكن نظراً أردتا
ودار المرد منك بحسن لطفٍولا تدع الدبيب إذا سكرتا
وصاتي، يا سعيد، فلا تدعهافأنت من الفلاسف، إن قبلتا
وقال أيضاً:
هجرت مجوني فاسترحت من العذلوكنت وما لي في التمادي من مثل
فيا ابن يمان هل سمعت بعاشقيُعدّ من النساك في من مضى قبلي
ألم تراني حين أغدو مسبحاًبسمت أبي ذرّ وفسق أبي جهل
وأخشع في مشيي وأصرف ناظريوسجادتي في الوجه كالدرهم البغلي
وآمر بالمعروف لا من تقيةوكيف وقولي لا يصدّقه فعلي
أقول إذا لاقيت قوماً ألا اتقواولو عرفوا حالي لحلّ لهم قتلي
ومحبرتي رأس الرياء ودفتريونعلي بالأسحار أو رائحاً رجلي
أؤمُّ فقيهاً ليس همي فقههولكن لديه المرد مجتمعي الشمل
فيا ربّ مغرور غررت بدفتريفلما ثناه الحزم عارضه فعلي
وكم أمرد قد قال والده له:عليك بهذا إنه من ذوي العقل
يفرّ به من أن يعاشر شاطراًكمن فرّ من حر الجراح إلى القتل
فأوسعته نيكاً ولم ألف عاجزاًوكنت له في الخفض واللين كالبعل
ولينته بالرفق من بعد عزةٍكما ليّن الرواض مستصعب الابل
وقال أيضاً:
وقائلة، ترجو صلاحي، إلى متى؟فقلت لها: ما دام في الأرض أمرد
فقالت: لقد أنضيت في الغيّ جاهداًركائب فسق أنت فيها تردد
أتبكي لنشءٍ بعد نشءٍ فما أرىبكاءك حتى ينفد الدهر ينفد
أعاذل، لولا المرد أصبحت عابداًهم أهلكوا ديني عليّ وأفسدوا
دعاني أناسٌ زاهداً حين أبصرواخشوعي ألا في الزهد أصبحت أزهد
نصبت لهم تحت الخشوع مكايديوللرفق أحياناً عواقب تحمد
تشّبهت بالزّهاد والحرب خدعةوراءيت بالتسبيح والكفّ تعقد
وقال أيضاً:
كل حياةٍ بلا دين ففاسدةٌوالمرد يا ابن يمان أفسدوا ديني
كم توبةٍ بعدها أخرى استتبت بهافليس دهري على ديني بمأمون
لو امنتني الذي نفسي تخوّفهمنهم ببغداد يوماً عذت بالصين
وقد سألت خبيراً من تجارهمفظلّ منه بحسن الوصف ينبيني
فقال: بالصين ألوانٌ تلين لهاصلب القلوب وأمرٌ ليس بالدون
وقائل: عذ ببيت الله، قلت له:من لي من المرد في الاحرام ينجيني
إذا بدت كثبٌ ليثت بها أزرٌوقفت نصباً لمن باللحظ يرميني
من لي إذا زاحموني في طوافهمهناك يبدي ضميري كل مكنون
ما لي من المرد إلا الله يعصمنيربّ المثاني وطه والطواسين
قد كنت في النسك قبل اليوم منغمساًيشوب حبي لهم سمت ابن سيرين
أدنوا بعين تقي حشو مقلتهاحبٌّ لكل نقي الخد ذي لين
فالآن تبت، فحسبي منهم نظرياستغفر الله، والتقبيل في الحين
وقال أيضاً:
إني بكيت لجسمي في تنقُّصهلم أبك رسماً ولا ربعاً ولا دارا
وشاطر ذي اختيالٍ في تكرّههكالغصن يألف فسّاقاً وشطارا
ما زلت عنه بمكري والخداع إلىأن صار عرفانه للحق إنكارا
فاتلت عقل الفتى بالكأس أقرعهابالخمر أتبعها شعراً وأسمارا
حتى إذا ما استعار الليل مهجتهوقبض النوم أسماعاً وأبصارا
دببت أمشي على الكفين ألمسهكمشي مسترقٍ للسمع أسرارا
وكرّ يمشق في قرطاسه قلميوالليل ملق على الآفاق أستارا
فقال لما انجلى عن عينه وسنٌوقد رأى تكة حلت وآثارا:
يا راقد الليل مسروراً بأولهإن الحوادث قد يطرقن أسحارا
وله أيضاً:
ومغفٍ على الكأس من سكرهتبذّلت ما صان من ظهره
وقبلته مائتي قبلةولم أرض إلا على ثغره
وأعزز علي بما سرنيمن الاقتدار على أمره
فلما تنبّه أبصرته منالغيظ يخرج من قشره
وقد كان في سقيه كادنيولكنه رد في نحره
وله أيضاً:
يا أيها المرد قد نصحت لكمخافوا من الله فضل نقمته
إذا سطا أمرد وتاه علىعاشقه كان غبّ سطوته
ان يبعث الله في محاسنهشعراً فيطفي ضياء بهجته
عقوبة الأمرد الذي كثرتذنوبه في خروج لحيته
ينكره الناس بعد معرفةٍوقد تواصوا بطول جفوته
هذا نبيّ الاله قبلكمقد أنكرته عيون إخوته
وبعده أين حسن وجه أبيبكر وألحاظه بفتنته
قد عقرب الصدغ فوق وجنتهعلى بياضٍ من تحت حمرته
صار على الناس بعد عزتهمثل قعيس بباب عمته
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع