تجاوز إلى المحتوى

من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)

عمر أحويشا

وتفسير أحويشا بالسريانية الحبيس. وهذا العمر بسعرت، وسعرت مدينة كبيرة من ديار بكر، بقرب أرزن، والعمر مطل على أرزن. وهو كبير عظيم، فيه أربعمائة راهب في قلالي. وحوله بساتين وكروم. وهو في نهاية العمارة وحسن الموقع وكثرة الفواكه والخمور. ويحمل منه الخمر إلى المدن المذكورة. وبقربه عين عظيمة تدير ثلاث أرحاء. وإلى جانبه نهر يعرف بنهر الروم. وهذا العمر مقصود من كل موضع للتنزه فيه والشرب. والخلعاء والمتطربون أغلب عليه من أهله.

وللبادي الشاعر، فيه:

وفتيان كهمّك من أُناسخفافٍ في الغدو وفي الرواح
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
نهضت بهم، وستر الليل ملقىًوضوء الصبح مقصوص الجناح
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
نؤمُّ بدير أحويشا غزالاًغريب الحسن كالقمر اللّياح
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
وكابدنا السُّرى شوقاً إليهفوافينا الصباح مع الصباح
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
نزلنا منزلاً حسناً أنيقاًبما نهواه معمور النواحي
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
قسمنا الوقت فيه لاغتباقعلى الوجه المليح ولاصطباح
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
وظللنا بين ريحانٍ وراحوأوتار تساعدنا فصاح
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
وساعفنا الزمان بما أردنافأبنا بالفلاح وبالنجاح
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة

وكان هذا اللبادي يكنى أبا بكر أحمد بن محمد، من طياب الناس وملاحهم، وذوي المجانة والخلاعة. وسمي اللبادي، لأنه كان يلبس أبداً على ثيابه لباداً أحمر.

ذكر أبو علي الأوارجي، أنه كان يتقلد أردبيل. قال: فقسطت في وقت من الأوقات عشرين ألف دينار بالعدل فيهم على قدر أحوالهم. فكان في من لحقه التقسيط اللبادي هذا. فكتب باسمه عشرون ديناراً. قال: فبينا أنا جالس في الديوان استخرج، إذ دخل على رجل قد طين وجهه بطين أحمر، وعليه لباد أحمر وعمامة حمراء وبيده عكاز أحمر وفي رجليه خفان أحمران. فسلم ووقف، وبدأ ينشد في قصيدة عملها، وقال فيها:

لئن كان الأمير به افتقارٌإلى الشعراء في كرم النصاب
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
لقد أودت به الأيام حتىلقد رام العراق من الكلاب
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة

فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا أبو بكر اللبادي الشاعر. فرفعته ثم سألته عن قصيدته في أحمد بن الحسن الماذرائي وخبره معه. فقال لي: قصدته، فوجدته سائراً نحو قزوين، فوقفت له على طريقه خلف حجر، بهذا الزي الذي تراه عليّ. فلما أن دنا مني خرجت إليه. فقلت: كما ترى صيرني. فقال: ماذا؟ فقلت:

... قطعي قفار الدّمن

أقطعها طوراً وطوراً بالسرى تقطعني
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
أسري على سبّاقةفي سيرها لم تخن
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
لا تعرف الذلّ ولاقيدت بثني الرسن
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
أسعى بها معتسفاًإليك يا ابن الحسن
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
مستعدياً فأعدنيعلى صروف الزمن
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
فقد، وربّ الرّكنأوهى لي مشيي ركني
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
كم جرعة جرّعنيوغصةٍ غصّصني
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
كأنما يطلبنيفي مرّه بالاحن
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
فالحمد لله الذيأدال من دهري الدّني
يا ذا الذي منه ثمار الجود يجني المجتني
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
جودك من أعلى الذرىيدعو بصوتٍ معلن
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
حيّ على ابن الحسنحي على البدر السني
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
حي على من جودهكصوب ماء المزن
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
فجئت أسعى والذيمن عرشه وفّقني
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
لحبّ آل المصطفىوحبهم أنقذني
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
دونكها قوافياًأجلت فيها فطني
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
لبسكها أحسن منلبس نسيج عدني
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة

قال: فأمر لي بعشرة آلاف درهم، وحملني على دابة بسرجه ولجامه. قال أبو علي: فوقعت إلى المستخرج بإعطائه براءة بما قسط عليه، فأخذ البراءة وشكرني وانصرف.

ومدح اللبادي أبا القاسم يوسف بن ديوداذ بن أبي الساج، فصار إلى داره، فلما دخل الدهليز، قال له الحاجب، وأنكر زيه ولباده: أي شيء أنت؟ قال: شاعر، وقد مدحت الأمير. فقال لبعض من بين يديه: زبطره! فزبطره، وانصرف، وكتب إلى أبي بكر محمد بن أحمد كاتب الأفشين:

مدحت الأمير أبا قاسمونفسي لجدواه مستنظره
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
بمدح كوشي رياض الربيعغلّسه الطلّ إذ باكره
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
وقالوا: همام جزيل البناءجزيل الأيادي ولما أره
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
فلما انتهيت إلى دارهجزيت على مدحه زبطره
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
فأنكرت جائزتي منهموكانت، لعمر أبي، منكره
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
وأمكنت نفسي من الحادثاتوأيقنت أني صريع الشره
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
فبكّ على الشعر والمكرمات وناد بهنّ من المقبره
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
فقد أسخن الله عين امرىءيقال له اليوم ما أشعره
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
فهل، يا محمد، من نائليبل اللهاة أو الحنجره
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة
فمن يفعل الخير خيراً يرهومن يفعل الشر شراً يره
للشاعر اللبادي، اقرأ القصيدة

فقل أبو بكر: أي والله وكرامة! ووجه إليه توقيعاً بخمسين ديناراً إلى الجهبذ. فأبى الجهبذ أن يقبض التوفي إلا أن يقيم عنده، فأقام عنده ودفع إليه الخمسين ديناراً وخمسة من عنده، ثم أوصله أبو بكر إلى أبي القاسم يوسف، وحدثه حديثه. فضحك منه وسمع شعره، وأعطاه وحمله وكساه.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الديارات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.