من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)
دير الطور
والطور، جبل مستدير مستطيل، واسع الأسفل مستدق الأعلى، لا يتعلق به شيء من الجبال، وليس إليه إلا طريق واحد. وهو فيما بين طبرية واللجون، مشرف على الغور ومرج اللجون والدير في نفس القلة، وعين تنبع بها، وحوله كروم تعصر، فالشراب عندهم كثير.
ويعرف أيضاً بدير التجلي، لأن المسيح، صلى الله عليه، على زعمهم تجلى لتلامذته بعد أن رفع، حتى أراهم نفسه وعرفوه. والناس يقصدونه من كل موضع فيقيمون به ويشربون فيه. فموقعه حسن، وهو من المواضع الطيبة.
ولمهلهل بن يموت بن المزرع، فيه:
نهضت إلى الطور في فتيةٍسراع النهوض إلى ما أُحب
كهمّك من فتيةٍ أنفقواتلادهم في سبيل الطرب
كرام الجدود، حسان الوجوهكهول العقول، شباب اللّعب
فأيّ زمانٍ بهم لم يسرّوأيّ مكانٍ بهم لم يطب
أنخت الركاب على ديرهوقضّيت من حقه ما يجب
وأنزلتهم وسط أعنابهأُسقيهم من عصير العنب
وأحضرتهم قمراً مشرقاًتميل الغصون به في الكثب
نحثّ الكؤوس بأهزاجهومزموم أرماله بالعجب
وما بين ذاك حديثٌ يروقوخوضٌ لهم في فنون الأدب
فما شئت من مثل سائرومن خبر نادرٍ منتخب
فيا طيب ذا العيش لو لم يزلويا حسن ذا السّعد لو لم يغب
وكان مهلهل، من المطبوعين في الشعر، والمنهمكين في الخلاعة واللعب والتطرح في مواطن اللهو والطرب، ملازماً للحانات والديارات. ونحن نورد من شعره ما يليق بكتابنا هذا.
فمن مليح شعره في وصف الرياض والحث على الشرب، قوله:
لجون الهوى وهبت جنانيفدعاني، يا أيها العاذلان
طربي زائد ففي حرّ من قدلامني في خلاعة أو نهاني
قد أبانت لي الرياض من الزهر غريب الصنوف والألوان
وبدا النرجس المفتح يرنومن جفون الكافور بالزعفران
كعيونٍ قد حدّقت باهتاتٍناظراتٍ إلى وجوهٍ حسان
ينثنى زبرجد القضب منهطرباً للّجين والعقيان
وقف الطلّ في المحاجر منهاثم مات فانهلّ مثل الجمان
يا غلام اسقني فقد ضحك الوقت وقد تمّ طيب هذا الزمان
أدن مني الدنان، صف الأباريق، استحث الكؤوس، صف القناني بادر الوقت واغتنم فرص العيش ولا تكذبن فالعمر فاني ومن مليح شعره في هذا المعنى، قوله:
زمان الرياض زمانٌ أنيقوعيش الخلاعة عيشٌ رقيق
وقد جمع الوقت حاليهمافمن ذا يفيق ومن يستفيق
أيا من هو السّؤل لي والمنىومن هو بالحبّ مني حقيق
أدر لحظ عينك أمرجه فيمروج الرياض فكلٌّ يروق
فقاعٌ نثير وماءٌ نميروروضٌ نضيرٌ وزهرٌ أنيق
له نسخٌ حّررت فاستنارتفخطٌّ جليل ومعنىً دقيق
يضاحك وجهك وجهٌ عشيقويلقى مشمك مسكٌ فتيق
إذا ضاحك الزهر زهر الرياضفكيف الخلاص وأين الطريق
بهارٌ بهرت به غيرهعلى نرجس وشقيق شفيق
فذا عاشقٌ وجلٌ خائفٌوذا خجلٌ وكذاك العشيق
تروقك منه عيون تروقبألحاظها وخدود تشوق
مدان يحملن طل النّدىفهاتيك تبرٌ وهذي عقيق
تضمّن أوراقها درّهوينثر منه الذي لا يطيق
يميل النسيم بأغصانهافبعضٌ نشاوى وبعض مفيق
فبادر بنا حادثات الزمانفوجه الحوادث وجهٌ صفيق
ومن مليح شعره، قوله:
أعد شربك الكأس فيما تعيدوساعد فقد شملتنا السعود
وحثّ الصبوح لضوء الصباحفإن الحوادث عنا رقود
أما نشكر الفعل من يومناونبهى بما نحن فيه خلود
سماءٌ تجود وروض نضيدوزهر جديدٌ وغصن يميد
وندٌّ يفوح وراح تريحوساقٍ مليحٌ وناي وعود
وصوت يشوق وزمر رفيقوعيش أنيق وجدٌّ سعيد
أدام الاله لنا عيشناولا نال منّا مناه الحسود
وقال في هذا المعنى، وتغني فيه:
قد قدمت للسرور أثقالوحثّ شهر الصيام شوال
وأقبل الغيم لابساً حللاًمسكية ما لهنّ أذيال
ودبّج الأرض روضها فغداينشر فيها والأرض تختال
واهتز عودٌ وحنّ من طربٍنايٌ وعبّت بالراح أرطال
وبوعد الخوف من محاذرةٍوقربت للقلوب آمال
أيامنا في الحياة عاريةتحثها للفناء آجال
فاغتنموا فرصة الزمان ولاتفرّطوا فالزمان مغتال
ومما ملح فيه، قوله:
زمن كالشباب أو كالتراضيبعد طول الصدود والاعراض
ألقح الغيث كل أرضٍ فأضحتفي ولادٍ وبعضها في مخاض
يا غلام اسقني فقد ضحك العيش إلينا وهش بعد انقباض
وأرى لؤلؤ الحباب يباريلؤلؤ الطلّ فوق زهر الرياض
وقال أيضاً:
استودع الله من لم يزر عن نظريلما مضى خاطراً والردف يجذبه
يحكيه من حركات الغصن أشكلهاومن نسيم ذكي المسك أطيبه
وقال أيضاً:
وبديع يكلّ عن وصفه العقل لافراط حيرة الأبصار
فهو كالخاطر الذي دقّ معناهـ فأضحى يجول في الأفكار
وقال أيضاً:
كأن أجفانه من جسم عاشقهقد ركبت فهي في الأسقام تحكيه
في صدغه عقربٌ للجسم لادعةدرياق لدغتها في الريق من فيه
وقال في غلام نصراني يحبه:
شدّ زنّاره على دقة الخصر وشدّ القلوب في الزنّار
وأسال الأصداغ فوق عذارٍأنا من عشقه خليع العذار
وبدت منه طرة تذكر الناظر ليلاً يلوح فوق نهار
وهو أبو نضلة مهلهل بن يموت بن المزرع بن يموت بن موسى بن حكيم بن جبلة العبدي. وحكيم هو الشهيد بالبصرة الذي منع عائشة وطلحة والزبير الدخول إليها وحرابهم حتى قتل. وكان من خبره ومقتله، أنه لما تمكن طلحة والزبير من البصرة، وقتلوا حرس بيت المال وهم سبعون رجلاً من غير ذنب ولا سبب، وأخذوا عثمان بن حنيف الأنصاري، عامل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، صلوات الله عليه، ونتفوا لحيته وأرادوا قتله، قام حكيم في قومه خطيباً فقال لهم: يا قوم، إن ابن حنيف دم مصون وأمانة مؤداة. والله لو لم يكن علينا أميراً لمنعناه لحق الجوار ومكانه من رسول الله صلى الله عليه. فكيف وله الحق والولاية. إلا أن الحي ميت والميت مسؤول، فأما أن تموتوا كراماً وإما أن تعيشوا أحراراً. فأجابوه إلى ما دعاهم إليه وقال في ذلك أبو أمية الأصم، وكان فارس القوم:
معاشر عبد القيس موتوا على التيتسرّ علياً واحذروا سبة الغدر
ولا ترهبوا في الله لومة لائموموتوا كراماً فهو أشرف للذكر
وغدا حكيم في ثلاثمائة رجل من أصحابه إلى العدو وهو عائشة. فخرج طلحة والزبير، وحملا عائشة على الجمل، وذلك اليوم يسمى يوم الجمل الأصغر. فقاتل حكيم قتالاً شديداً، وجعل يقول: إنما تريدان أن تصيبا من الدنيا حظاً، اللهم اقتلهما بمن قتلا، ولا تعطهما ما سألا، ولا تبلغهما ما أملا، ولا تغفر لهما أبداً.
وحمل عليهما وهم في اثني عشر ألف ألفاً وهو في ثلاثمائة، فهزمهم حتى أدخلهم سكة، وشد رجل من الأزد على حكيم وهو غافل، فضربه على ساقه فقطع رجله. فأخذ حكيم رجله فضرب بها الأزدي فصرعه، ثم جاء فقتله، وأنشأ يقول:
يا نفس لا تراعيإنّ معي ذراعي
إن قطعت كراعي
وقتل هو وثلاثة اخوة له، وأخرجوا ربيعة من البصرة وأجلوهم عنها.
ومن شعر يموت بن المزرع في ابنه مهلهل:
مهلهل سبقني صغركوأسبل أدمعي عسرك
لدى أكناف شامهمأموت فيمحى أثرك
ولو سومحت في عمريلجلّ لديهم خطرك
فوا أسفي على لمةٍيطول إليهم سفرك
وإن أهلك فإن اللهدون الخلق لي وزرك
وشعره وشعر ابنه مهلهل كثير في سائر فنون الشعر. وإنما ذكرنا ما احتمله الكتاب واقتضاه الشرط.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع