تجاوز إلى المحتوى

من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)

دير هند بنت النعمان بن المنذر

بنت هند هذا الدير بالحيرة، وترهبت فيه وسكنته دهراً طويلاً، ثم عميت. وهذا الدير من أعظم ديارات الحيرة وأعمرها. وهو بين الخندق وحصراه بكر.

ولما قدم الحجاج الكوفة، في سنة أربع وسبعين، قيل له إن بين الحيرة والكوفة ديراً لهند بنت النعمان، وهي فيه، ومن رأيها وعقلها. فانظر إليها فإنها بقية. فركب والناس معه حتى أدير. فقيل لها: هذا الأمير الحجاج بالباب. فاطلعت من ناحية الدير، فقال لها: يا هند، ما أعجب ما رأيت؟ قالت: خروج مثلي إلى مثلك! فلا تغتر يا حجاج بالدنيا، فإنا أصبحنا ونحن كما قال النابغة:

رأيتك من تعقد له حبل ذمّةٍمن الناس، يأمن سرحه حيث أربعا

ولم نمس إلا ونح أذل الناس. وقل إناء امتلأ إلا انكفأ.

فانصرف الحجاج مغضباً، وبعث إليها من يخرجها من الدير ويستأديها الخراج فأخرجت مع ثلاث جوار من أهلها، فقالت إحداهن في خروجها:

خارجاتٌ يسقن من دير هندٍمذعناتٌ بذلةٍ وهوان
ليت شعري، أأوّل الحشر هذا،أم محا الدهر غيرة الفتيان؟

فشد فتى من أهل الكوفة على فرسه، فاستنقذهن من أشراط الحجاج، وتغيب. فبلغ الحجاج شعرها وفعل الفتى: فقال: إن أتانا فهو آمن، ون ظفرنا به قتلناه! فأتاه الفتى، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: الغيرة! فوصله وخلاه.

وكان سعد بن أبي وقاص حين فتح العراق، أتى هنداً إلى ديرها، فخرجت إليه، فأكرمها وعرض عليها نفسه في حوائجها فقالت: سأحييك بتحية كانت أملاكنا تحيا بها: مستك يد نالها فقر بعد غنىً ولا مستك يد نالها غنى بعد فقر. ولا جعل الله لك إلى لئيم حاجة. ولا نزع الله عن كريم نعمة إلا جعلك سبباً لردها عليه.

ثم جاءها المغيرة، لما ولاه معاوية الكوفة، فاستأذن عليها، فقيل لها: أمير هذه المدرة بالباب. فقالت: قولوا له: من أولاد جبلة بن الأيهم أنت؟ قال: لا! قالت: فمن ولد المنذر بن ماء السماء؟ قال: لا! قالت فمن أنت؟ قال المغيرة بن شعبة الثقفي. قالت: فما حاجتك؟ قال جئتك خاطباً! قالت: لو جئتني لجمال أو حال لأجبتك. ولكن أردت أن تتشرف بي في محافل العرب، فتقول: نكحت بنت النعمان بن المنذر! وإلا، فأي فخر في اجتماع أعور وعمياء؟ فبعث إليها، قال: كيف كان أمركم؟ قال: سأختصر لك الجواب. أمسينا مساء وليس في الأرض عربي إلا وهو يرغب إلينا ويرهبنا، ثم أصبحنا وليس أحد إلا ونحن نرغب إليه ونرهبه! قال: فما كان أبوك يقول في ثقيف؟ قالت: اختصم إليه رجلان منهم، في شيء، أحدهما ينتمي إلى إياد والآخر إلى بكر بن هوازن. فقضى به للايادي، وقال:

إن ثقيفاً لم تكن هوازناولم تناسب عامراً ومازنا

فقال المغيرة: أما نحن فمن بكر بن هوازن، فليقل أبوك ما شاء!

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الديارات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.