من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)
ديارات الاساقف
هذه الديارات بالنجف، بظاهر الكوفة، وهو أول الحيرة. وهي قباب وقصور تسمى ديارات الأساقف. وبحضرتها نهر يعرف بالغدير. عن يمنيه قصر أبي الخصيب مولى أبي جعفر، وعن شماله السدير، وبين ذلك الديارات.
وقصر أبي الخصيب هذا، أحد متنزهات الدنيا. وهو مشرف على النجف وعلى ذلك الظهر. ويصعد من أسفله على درجة طولها خمسون مرقاة إلى سطح حسن ومجلس، فيشرف الناظر على النجف والحيرة من ذلك الموضع، ثم يصعد منه على درجة أخرى طولها خمسون مرقاة إلى سطح أفيح ومجلس عجيب.
وأبو الخصيب هذا، مولى أبي جعفر المنصور وحاجبه.
والسدير، قصر عظيم من أبنية ملوك لخم في قديم الزمان. وما بقي الآن منه فهو ديارات وبيع للنصارى.
ولعلي بن محمد الحماني العلوي، يذكر هذه المواضع:
كم وقفةٍ لك بالخورنق لا توازى بالمواقف
بين الغدير إلى السدير إلى ديارات الأساقف
فمدارج الرّهبان فيأطمار خائفةٍ وخائف
دمنٌ كأن رياضهايكسين أعلام المطارف
وكأنما غدرانهافيها عشورٌ في مصاحف
وكأنما أنوارهاتهتزّ بالريح العواصف
طرر الوصائف يلتقين بها إلى طرر الوصائف
تلقى أوائلها أواخرها بألوان الزخارف
بحريةٌ شتواتهابريةٌ فيها المصايف
درّيّة الحصباء كافورية فيها المشارف
ثم انبرت سحّاً كباكيةٍ بأربعةٍ ذوارف
ولأبي نواس، يذكر أيامه بالسدير:
عدن لي بالدير أيام قصفٍوسرورٍ مع الندامى وعزف
وعيون الظباء ترنو إلينامنعماتٍ بكلّ بر ولطف
ورخيم الخطا يكاد من الرقة يدمي أدميه كلّ طرف
حلّ منه الصليب في موضع الجيد فقد خصّه على كل إلف
قد أدرنا رحى النعيم ثلاثاًووصلنا النعيم كفاً بكف
قال: ولما نزل الرشيد الحيرة، وقت منصرفه من الحج، ركب جعفر بن يحيى إلى السدير، فطافه ونظر إلى بنائه. ثم وقعت عينه على كتاب في أعلاه فأمر من صعد إلى الموضع فقرأه. فقال في نفسه: قد جعلته فألاً لما أخافه من الرشيد. فقرىء، فإذا هو:
إن بني المنذر عام انقضوابحيث شاد البيعة الراهب
أضحوا ولا يرجوهم راغبيوماً ولا يرهبهم راهب
وأصبحوا أكلا لدود الثّرىوانقطع المطلوب والطالب
فحزن جعفر لذلك وصار ينشد الأبيات ويقول: ذهب والله أمرنا! ومن هذه الأبنية: المسقطات. وهو قصر فيه آزاج مستطيلة مسقطة شرقي الحيرة على طريق الحاج. ثم القصر. ثم كوة البقال. ثم قصر العدسيين. ثم الأقصى الأبيض. ثم قصر بني بقيلة. وكان هذا القصر لعبد المسيح بن بقيلة الغساني. وإنما سمّي بقيلة، لأنه خرج يوماً على قومه في حلتين خضراوين قد اتّزر بإحداهما واشتمل بالأخرى، فقال قومه: ما هو إلا بقيلة. فسمي بذلك.
وعبد المسيح هذا، هو ابن أخت سطيح الكاهن. وكان كسرى أنفذه إلى سطيح بسبب الرؤيا التي رآها. فجاءه وهو يجود بنفسه، فقال: أصم أم يسمع غطريف اليمن، في أبيات. ففتح سطيح عينه وقال: عبد المسيح، على جمل مشيح جاء إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح، من قبل ملك بني ساسان، لارتجاس الايوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان. والخبر مشهور تركناه لشهرته.
فلما نزل خالد بن الوليد الحيرة، خرج إليه عبد المسيح، فقال له خالد: من أين أقصى أثرك؟ قال: من صلب أبي! قال: ما عن هذا سألتك! قال: ولا أجبت إلا عما سألت عنه! قال: ما أنتم؟ قال: عرب استنبطنا! قال: فما بال هذه الحصون؟ قال: بنيناها نتحرز بها من الجاهل إلى أن يجيء العاقل فيردعه! قال: أتعقل؟ قال: نعم، وأقيد! قال: فما سنك؟ قال: عظم! قال: كم أتى عليك؟ قال: لوى أتى علي شيء لقتلني! قال: كم مضى من عمرك؟ قال: أربعمائة سنة! قال: فما رأيت من العجائب؟ قال: رأيت السفن وهي ترفيء في هذا الموضع، ورأيت المرأة وهي تخرج من الحيرة إلى الشام بمغزلها في يدها ومكتلها على رأسها لا يروعها أحد، وهي الآن خراب يباب، وذلك دأب الله في خلقه.
وكان في يده شيء يقلبه. قال خالد: ما هذا الذي في يدك؟ قال: سم ساعة! قال: وما تصنع به؟: قال: إن أعطيتني ما أحب وإلا قتلت نفسي به. ولم أكن أول من أدخل الذل على قومه وساق إليهم ما يكرهون. قال خالد هلمه إلي. فناوله إياه، فطرحه في فيه، وقال: بسم الله، وازدرده. فأخذته غشية، ثم أفاق، كأنما نشط من عقال. فرجع عبد المسيح إلى قومه فقال: جئتكم من عند رجل شرب سم ساعة وما ضره. وحمل إليه مالاً صالحه عليه، وانصرف عنهم.
ومن بعده: دار عون، ثم قبة عصر كذا وهي ما يلي النجف. فهذه قصور الحيرة الباقية الآن.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع