من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)
دير زرارة
وهو دير حسن، بين جسر الكوفة وحمام أعين، ناحية عن الطريق على يمين الخارج من بغداد إلى الكوفة. وهو موضع نزه حسن، كثير الحانات والشراب، عامر بمن يطرقه، لا يخلو مما يطلب اللعب ويؤثر البطالة. وهو من المواطن المستصلحة لذلك.
قال: خرج يحيى بن زياد ومطيع بن إياس حاجين. فلما قربا من دير زرارة، قال أحدهما لصاحبه: هل لك أن نقدم أثقالنا ونمضي إلى زرارة، فنشرب في ديرها ليلتنا ونتزود من مردها وخمرها ما يكفينا إلى العودة، ثم نلحق بأثقالنا؟ ففعلا. وسار الناس، وأقاما. فلم يزل ذلك دأبهما إلى أن انصرف الحاج. فلما وصل إلى الكوفة. حقا رؤوسهما وركبا بعيرين ودخلا مع الحاج. فقال مطيع:
ألم ترني ويحيى إذ حججناوكان الحجّ من خير التجاره
خرجنا طالبي حجّ ودينٍفمال بنا الطريق إلى زراره
فآب الناس قد غنموا وحجّواوأبنا موقرين من الخساره
ثم قال فيه أيضاً، وفيه لحن. وقيل أن الأبيات لأبي علي البصير:
خرجنا نبتغي مكةحجّاجاً وزوّارا
فلما قدم الحيرة حادي جملي حارا
وقد كاد يغور النجم للاصباح أو غارا
فقلت: احطط بها رحليولا تحفل بمن سارا
فجدّدنا عهوداً سلفت منّا وآثارا
وقضّينا لباناتٍ لناكانت وأوطارا
وصاحبنا بها ديراًوقسيساً وخمّارا
وظبياً عاقداً بينالنقا والخصر زنّارا
شرحنا لك أخباراًوادمجناك أخبارا
ولأبي نواس، في هذا المعنى:
وقائل: هل تريد الحج؟ قلت له:نعم، إذا فنيت لذات بغداذ
أما وقطربل منها بحيث نرىفقبة الفرك من أكناف كلواذي
فالصالحية، فالكرخ الذي اجتمعتشذّاذ بغداد لي فيه بشذاذ
وكيف بالحج لي ما دمت منغمساًفي بيت قوّادةٍ أو بيت نبّاذ
وهبك من قصف بغداد تخلّصنيكيف التخلص لي من طيزناباذ
وممن فعل فعل مطيع، سليمان بن محمد الأموي، وكان قد أعد البخاتي للحج وصنعها طول سنته. فلما وصل إلى الكوفة، بدا له وأقام وقال:
حرصي على الحج أفسد الحجاإذ لم أجد مهرباً ولا منجا
تبت إليه من الذنوب ومنعرضٍ برىءٍ بمنكر يهجا
فردّني خاسئاً إلى قدحيوقول شعر وعفوه يرجا
بحيث تضحي الزقاق خاضعةًتحسبها من سوادها زنجا
إذا وضعنا للزقّ باطيةًوحلّ عنه رباطه مجّا
زادي إلى الحج صار منتقلاًلما احتسيت المدامة الزلجا
ومضجعي زكرتي نعمت بهامملوءةً ما تفارق الخرجا
كذاك من يطلب الثواب ولاينهض إلا بنيّةٍ عرجا
وخرج أبو المضرحي وسلام بن غالب بن شماس وأبو البصير الشاعر، يريدون الحج. فلما قدموا الكوفة، بدا لأبي البصير ولسلام، ثم مضى أبو المضرحي. فقال أبو البصير يخاطب سلاماً
خذ برأس القطا واستخرالله إلى دار قينة الرمّاح
حيث لا تنكر المعازف والخمرووضع الأيدي على الأحراح
وكان مطيع بن إياس، من أظرف الناس وأحسنهم شعراً وأكثرهم نادرة وأشدهم مجوناً وخلاعة. وكان لا يغب الشرب واللعب والانهماك في الخسارة والتطرح في مواضع اللذات. وكان مطيع ويحيى بن زياد وحماد عجرد وحماد الراوية، لا يفترقون. وكان جميعهم على منهاج واحد في الخلاعة، وكلهم متهم بالزندقة! فذكر العتبى عن أبيه، قال: قدم علينا شيخ من أهل الكوفة، لم أر قط أحسن منه حديثاً. فكان يحدثني عن مطيع والحمادين وعن ظرفاء أهل الكوفة وعجائبهم، فلم يكن يحدث عن أحد منهم بأحسن مما يحدثني به عن مطي بن إياس. فقلت له: كنت والله أشتهي أن أرى مطيعاً. فقال: والله لو رأيته للقيت منه بلاء عظيماً! فقلت: وكيف؟ قال: كنت ترى رجلاً لا يصبر عنه العاقل إذا رآه، ولا يصحبه أحد إلا افتضح به!
وذكر ابن حبيب، قال: رأيت رجلاً من أهل الكوفة، فسألته عن مطيع، وكان قد صحبه، فقال: لا ترد أن تسأل عنه. قلت: ولم ذاك؟ قال: ما سؤالك عن رجل إذا حضرك ملكك، وإذا غاب عنك شاقك، وإذا عرفت بصحبته فضحك! وكان مطيع بن مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. فقد مدح الوليد بن يزيد ونادمه ومدح أخاه وخص به.
قال: حضر مطيع بن إياس وشراعة بن الزندبوذ ويحيى بن زياد ووالبة بن الحباب وعبد الله بن عياش المنتوف وحماد عجرد مجلس بعض الأمراء بالكوفة. فاجتمعوا كلهم على مطيع فكايدوه وهجوه، فغلبهم كلهم، ثم بدههم فقال:
وخمسةٍ قد أبانا لي عداوتهموقد تلظّى لهم مقلى وطنجير
لو يقدرون على لحمي تقسّمهقردٌ وكلبٌ وجرواه وخنزير
فقطعهم وأقروا له.
قال: واجتمعوا يشربون، فأقاموا على ذلك أياماً. فقال لهم يحيى بن زياد ليلة، وهم سكارى: ويحكم! ما صلينا منذ ثلاثة أيام. فقوموا بنا حتى نصلي. فقالوا: نعم! فقام مطيع فأذن وأقام. ثم قال للمغنية: تقدمي فصلي بنا. فتقدمت، وكانت بلا سراويل، وعليها غلالة رقيقة. فلما سجدت انكشف متاعها، فوثب إليه مطيع فقبل، ثم قال:
ولما بدا هنها جاثماًكرأس حليق ولم تعتمد
سجدت له ثم قبّلتهكما يفعل العابد المجتهد
فقطعوا صلاتهم بالضحك، ثم عادوا إلى ما كانوا عليه.
قال: كتب يحيى بن زياد يوماً إلى مطيع: أنا نشيط للشرب، فإن كنت فارغاً فصر إلي. وإن كان عندك نبيذ طيب وغناء جئتك! فجاءته الرقعة وعنده حماد الراوية وحكم الوادي وغلام أمرد، فأجابه:
نعم، لنا نبيذٌوعندنا حمّاد
وعندنا واديناوهو لا عماد
وخيرنا كثيرٌوالخير يستزاد
ولهونا لذيذٌلم تلهه العباد
أو تشتهي سفادفعندنا فساد
أو تشتهي غلاماًفندنا زياد
ما إن به التواءٌعنّا ولا بعاد
فلما قرأ الرقعة، صار إليهم، فتمموا بقية يومهم.
وقال يحيى بن زياد له: انطلق بنا إلى فلانة المغنية، وكان يهواها، فإن بيننا مغاضبة، فلعلك أن تصلح بيني وبينها، وبئس المصلح، والله، أنت! فدخلا إليها، فأقبل يحيى يعاتبها، ومطيع ساكت. فقال له: ما يسكتك، أسكت الله نأمتك؟ فقال مطيع:
أنت معتلّةٌ عليه وما زال مهيناً لنفسه في هواك
فأعجب يحيى ما قاله، وهش له، وقال: هيه! فقال:
فدعيه، وواصلي ابن إياسٍجعلت نفسه الغداة فداك
فقام إليه يحيى بالوسادة يجلد بها رأسه، وقال: ألهذا دعوتك يا ابن الفاعلة؟
قال: وكان بالكوفة مقين، يقال له أبو الأصبغ. وكان له ابن يقال اصبغ، أحسن الناس وجهاً. وكان مطيع بن إياس ويحيى بن زياد وحماد عجرد يغشون منزله ويعشقون ابنه ولا يقدرون عليه. فعزم أبو الاصبغ على أن يصطبح يوماً مع يحيى بن زياد. فأهدى إليه يحيى من الليل جداء ودجاجاً وفراخاً وفاكهة وشراباً. فقال أبو الاصبغ لجواريه: إن يحيى بن زياد عندنا، فأصلحوا له ما يشتهيه. فلما فرغ من الطعام، لم يجد رسولاً يبعث به إليه سوى ابنه اصبغ. فقال له: لا تبرح إلا ويحيى معك. فلما جاءه اصبغ، قال للغلام: أدخله: وتنح أنت واغلق الباب، فإن أراد اصبغ الخروج فامنعه. فلما دخل إليه اصبغ وأدى الرسالة، راوده يحيى عن نفسه، فامتنع. فثاوره يحيى، فصرعه، ورام حل تكته، فلم يقدر على ذلك، فقطعها يحيى: فلما فرغ، أعطاه أربعين ديناراً كانت تحت مصلاه. فأخذها. وقال له يحيى: امض، فإني على أثرك. فخرج اصبغ من عنده، واغتسل يحيى، وجلس يتزين ويتبخر. فدخل إليه مطيع، فرأى ما هو فيه، فقال له: كيف أصبحت؟ فلم يجبه، وشمخ بأنفه، وقطب حاجبه! فقال له: أراك تتزين وتتبخر، أين عزمت؟ فلم يجبه. فقال: ويحك! ما لك؟ نزل عليك الوحي؟ أو كلمتك الملائكة؟ أو بويع لك بالخلافة؟ وهو يومىء برأسه: لا، لا! قال: فأراك قد تهت علينا فما تتكلم، حتى كأنك قد نكت اصبغ بن أبي الاصبغ! فقال: أي والله! الساعة، وأعطيته أربعين ديناراً. قال: فإلى أين تمضي؟ قال: إلى دعوة أبيه. فقال مطيع: إمرأته طالق إن فارقتك أو أقبل أيرك؟ فأبداه يحيى له. فقبله. ثم قال له: كيف قدرت عليه؟ فحدثه حديثه، وقام ليمضي إلى منزل أبي الاصبغ، فاتبعه مطيع، وصبر ساعة، ثم دق الباب واستأذن. فخرج إليه الرسول، فقال له: إنه اليوم على شغل لا يتفرغ لك، فتعذر! قال: فابعث إلى دواة وقرطاس. فكتب مطيع إلى أبي الاصبغ بهذه الأبيات:
يا أبا الاصبغ، لا زلت علىكل حالٍ عالياً ممتنعاً
لا تصيّرني في الودّ كمنقطع التكّة قطعاّ شنعا
وأتى ما يشتهي لا ينتهيخيفة أو حفظ حقٍّ ضيعا
لو ترى الاصبغ ملقىّ تحتهمستكيناً خجلاً قد خضعا
وله دفعٌ عليه عجلٌشبقاً ساءك ما قد صنعا
فادع بالاصبغ فاعرف حالهسترى أمراً قبيحاً فظعا
فقال أبو الاصبغ ليحيى: فعلتها يا ابن الزانية؟ قال: لا! فضرب بيده إلى تكة ابنه، فوجدها مقطوعة، فأيقن بالفضيحة! فقال يحيى: قد كان الذي كان، وسعى إليك مطيع ابن الزانية. وهذا ابني، وهو أفره من ابنك. وأنا وهو عربي ابن عربية، وابنك نبطي ابن نبطية. فنك ابني عشراً مكان المرة التي نكت ابنك، فتكون قد ربحت الدنانير، وللواحد عشرة. فضحك أبو الاصبغ، وقال لابنه: هات الدنانير يا ابن الفاعلة! فرمى بها إليه، وقام خجلاً. فقال يحيى: والله، لا دخل مطيع ابن الزانية! فقال أبو الاصبغ وجواريه: والله، ليدخلن إلينا، فقد فضحنا! فأدخل وجلس يشرب معهم، ويحيى يشتمه بكل لسان، ومطيع يضحك! ولمطيع أخبار كثيرة ظريفة، منع من إيرادها خوف الاطالة وما تدعو إليه من الملالة.
وله شعر حسن مليح، ويتغنى في شعره. فمن ذلك، قوله:
واهاً لظبي رجوت نائلهحتى انثنى لي بوده صلفا
لانت حواشيه لي وأطمعنيحتى إذا قلت نلته انصرفا
وقال أيضاً، وله فيه غناء.
خليلي مخلفٌ أبدايمنّيني غداً فغدا
وبعد غدٍ وبعد غدٍكذا لا ينقضي أبدا
وليس بلابثٍ جمر الغضا أن يحرق الكبدا
ومن مليح، قوله:
إخلع عذارك في الهوىواشرب معتقة الدنان
وصل القيان مجاهراًفالعيش في وصل القيان
لا يلهينك غير ماتهوى فإن العمر فاني
وكان مطيع يبغض أباه ويهجوه. وهو من بني كنانة. وكان يوماً يذكر قبائل قريش والعرب ويصف قوماً قوماً. فقال له بعض من حضر: فأين بنو كنانة؟ فقال غير متمهل: بفلسطين يسرعون الركوبا، أراد قول الشاعر:
حلق من بني كنانة حوليبفلسطين يسرعون الركوبا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع